مشاهدة النتائج 1 الى 2 من 2
  1. #1

    حَملتك دموع الشوقِ يا جدي

    أحييكم بتحية الإسلام وأرحب بكم بقصتي المتواضعة
    لست مؤلفة صاعدة بل هاوية عاشقة لهذا المجال المتألق ..
    لا تتوقعوا مني الكثير ، فهذا القلم له مشوار ومغامرات طويلة ليصبح أجمل !
    لكن كل ما أتمناه و أوده هو متعة سيادتكم
    فتفضلوا من ما أقدم ...



    *
    *
    *


    رجفة تخللت مفاصل ركبتيْ ، وجفاف تملك شفتي اللتين تحولتا إلى اللون الأزرق ، عقلي كان يقول لي " كابوس ، كابوس ، هذا ليس سوى كابوسٌ مرير ، أريد أن أفيق ، أريد أن أفيق من هذا الكابوس حالاً " ، لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ، لم يكن حلم أو كابوس ، كانت حقيقةً مُرة ، مؤلمة ثقيلة على القلب و لا تتحملها الروح ..

    أمسكت خالتي يديي وهي تكتم صرخة جارحة تخفف من ضخامتها دموعها التي لم تكن تنوي التوقف : لا، لا تذهبي هناك !!
    كانت تشير إلى الدور العلوي وتنتفض بين ذراعي كما لو أن ريحاً عاصفة أرادت اختطافها ، ضعت بين رغبتي في الصعود إلى هناك و حاجتي للبقاء هنا ..

    لمحت ظل صبي في الأعلى ، لم أكن أعلم من هو إلا أنني صرخت : عبدالله !!!!
    سمعني فاقتطف نظرة يائسة للأسفل ، تلك النظرة اقتلعت كل أملٍ تبقى في قلبي حول مخاوفي من شيءٍ أعلم نهايته ، فقلت له بصوت مبحوح يكاد يكون متقطعاً ، خائفاً : أين جدي ! أخبرني !
    أزاح نظره عني وأنزل رأسه نحو الأرض ، من المضحك أن تلك الإيماءات البسيطة كفيلةٌ بأن تعطي جملة كاملة مفيدة
    صرخت بقوة : أجبــ !!
    لكنني قطعت جملتي وأنا أدفع بقدميي المتخشبة إلى درجات السلم ، إلى حيث كان .
    توقفت ..
    نظرت إليه ...
    أحسست أن الوقت توقف ، الكرة الأرضية تجمدت في محلها ! ، الجاذبية اختفت فجسدي غير قادرٍ على البقاء على الأرض ، كان مستلقي في الممر المؤدي إلى غرفته ، مغطى بوشاحٍ أبيض ، خالي يمسك بيده ويقرأ على روحه الطيبة ، كل شكوكي تبخرت ، جدي مات !

    جدي الذي كان يجلس بجانبي ويقول لي " فوازيره " ليذهب عني الملل قد رحل ...
    جدي الذي كان يُحضِر لي ألذ وأشهى طبق من " الهريس " قد رحل ..
    جدي الذي كان يغني لي " هيونه تنام ، نومة الغزلان في البرية " عندما أكون مريضة ليخفف عني ولو قليل من هذا الألم ، قد رحل ..
    جدي الذي كان يغضب عندما أتشاجر مع أخي الصغير فيقول له بتذمر " ما تعلمنا الولد يطق البنت ، عيب !! " ، قد رحل ..
    جدي الذي كان يفضل أن يأكل غداءه في الثانية عشر ظهراً ويقول باغتضاب " زمان أول كنا ناكل بماعون واحد ، مو الحين كل واحد ياكل على مشتهاه " ، قد رحل ..

    ذرفت دموع الألم ، الشوق ، السخرية على نفسي ، لقد مر وقتٌ طويل وأنا لم آتي لزيارته ، من المضحك عندما يموت من نحب نتذكر آخر لقاء لنا بهم ، فلم أره منذ شهر وربما أكثر.

    كان يوماً صيفياً حاراً وكنت للتو قد تحررت من مخالب الجامعة لأرحب بعطلة الربيع الجميلة ، دخلت إلى غرفته وأنا أتأمل أركانها بدقة ، هل أصبحت صغيرة ؟ ، أما أنا التي كبرت ..
    أما هو فكان يجلس على كرسيه الخشبي ، يمسك الصحيفة بين يديه ويرتدي نظارته الطبية المبالغ في عدساتها ، يداه ترتجف بشدة ، لم يكن هكذا سابقاً ، مما أدخل قليلاً من الألم في قلبي ..
    قلت بمرح وأنا أنحني لأقبل رأسه : كيف حالك جدي .؟
    ابتهج وجهه واتسع فمه بابتسامة جميلة أريد أن أراها اليوم والآن من كل قلبي وقال بصوت مرتجف : هيونة !!!
    انحنى قليلاً نحو الدرج الذي يقربه ليخرج محفظته الجلدية الصغيرة ، وبادرتني فكرة "تلك المحفظة نفسها " ، أخرج منها عشرة دنانير وقدمها لي بسعادة ..
    كان يفعل هذا دائما ..
    ابتسمت بمرح وخجل وأنا أقول له : شكراً
    وضع محفظته في مكانها ، ثم أخرج عُلبة حلوى صغيرةٌ جداً كانت من النوع الذي يفضل وقال لي وهو يقدم لي أحدها : " وهيونة تحب الليمونه "
    فعلاً كنت أحب نكهة الليمون وهو لم ينسى ذلك أبداً ، التقطتها منه شاكرة ممتنة ، ثم قبلت رأسه للمرة الأخيرة وأنا أخرج مستعجلة ويا ليتني لم أفعل ..

    كل جزءٍ في جسدي مشتاقٌ لك يا جدي ، روحي تتمنى عناقك ، وكلي يتمنى أن يسمع صوتك مرة أخيرة ، فيك أشتم رائحة الماضي وأحن إليه رغم أني لست من أبنائه ..

    كُنتَ تجلس على كرسيك المفضل في الحديقة لأنك تحب الهواء الطلق ، تمسك بجهاز الراديو وتضعه على أذنك مباشرة وتبتسم بسعادة وكأنك تشاهد مسرحيةً من أربعة فصول ، وكنت تقف على عتبة السلم وتضرب بعصاك سوره من الطابق العلوي ، بينما كنا نلعب في الأسفل، وتقول لنا بتذمر : " بدون ازعاج ، بنام " !
    لم تستطع الاستغناء عن غفوتك الصغيرة في وقت الظهيرة .
    ولن أنسى اليوم الذي قررت أنا و ابنة خالتي أن نلعب لعبة الزراعة ، وانتهى الأمر بكارثة كبيرة حلت في حديقتك العزيزة ، فقررت أن تلحق بنا في أرجائها حالفاً أن تضربنا بعصاك ، لأن في أيامك كان المشاغبين يُضربون بالعصا ..

    لم تكن درساً ، لم تكن كتاباً ، كنت جَداً علمني أصول الماضي وحلاوة العادات والتقاليد ، تخبرنا أن الكويت في الماضي كانت جنة رغم صعوبة العيش و قفر الأرض ، تحكي لنا عن تلك البطولات التي خاضها الغواصين في البحث عن اللؤلؤ وكنا نتخيل سفينتهم ، سفينة قراصنة محملة بأشجع فرسان البحر وننصت لك بتمعن ..
    وتخبرنا عن بيوتها الطينية ومنازلها الصغيرة ونحن ننظر في وجوه بعضنا البعض لنتبادل التعجب والاستنكار ..

    علماً ثميناً ، وقلباً عزيزاً طيباً كفاية لتذهب لشراء المثلجات التي نحبها وتفاجئونا بها وعلى وجهك السمح تلك الابتسامة السحرية وكأنها صُنعت لتكون معدية فنبتسم بتلقائية ..
    حملتك دموع الشوق يا جدي ...
    8ee2a3b89324602cd088652609fa00c1


    منبر الإنسانية قلبها الصامت لا عقلها الثرثار.


  2. ...

  3. #2
    الفكرة جميلة وأيضاً البساطة في اسلوبك ..
    أعجبتني القصّة رغم غلاف الحزن ..
    أتمنى أن تواصلي الكتابة ..

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter