أَلْف لَيْلَة وَلَيْلَة ... وَطَرَقَات لَم يَنْسَهَا الْدَّهْر
خلف الجبال الراسخة ، وفي طيات الأفق البعيد ، خبت شعلة الشمس القرمزية ، بعد أن ألقت بأوشحتها الدافئة لترسم بها آخر مشهد مبصر لذلك النهار ، وما كان للشمس أن تترك الأرض دون عين تحميها ، فقد أرسلت القمر بأنامله الفضية ، ليعزف أنشودة المساء الطويل ، العابق بالذكريات ، المتشح بكل ما في هذه المدينة من جمال .
كانت نابلس وما زالت عاصمة الشام الأبدية ، أو هكذا صورها أبي على الأقل ، كان يقول لي دوما وعيناه تلتمعان بحب : نابلس عروس ، رائعة الجمال ، شديدة الفتنة ، تفتن من يزورها ، فتشده إليها ليعود مرارا وتكرارا .
ولم أكن لأقول غير ذلك ، فكل شيء في هذه المدينة النشيطة يحدث بطريقة مختلفة ... بطريقة أجمل بالطبع !
و شعبان أقبل في زيه البديع قبل أيام قلائل ، ناشرا الفرحة على الوجوه ، جامعا بين الأصحاب ، ومؤلفا بين القلوب .
قطعت الدرجات القلائل الصغيرة دفعة واحدة ، وصاحت بي أمي أن أتمهل ، لكن هيهات فالفرحة التي تعصف بقلبي الصغير ، كانت أقوى من قدرتي على الانتظار والصبر ، درت حولها وسألت بإلحاح:
_ متى سنغادر ؟؟
لا بد أنها رأت ذاك الشوق الملتهب في عيني ، إذ تبسمت لي بوجهها الرقيق الحنون ، وقد تقوس حاجباها في هدوء ، وهي ترد بانشغال :
_ بعد أن ألف هذا القدر .
كان من عادة أهل نابلس أن يتبادلوا الهدايا في شعبان ، شرط أن تكون هذه الهدايا مما يستفاد منه في الطهي وتأثيث المنازل ، وبما أن أمي طاهية محترفة تحب الطبخ وتهوى جمع القدور والأواني المتقنة الصنع ، فقد اشترت لكل أسرة قدرا جديدا وغلفتها كلها لتقدمها لأقاربنا .
تقدمنا أبي في السير داخل البلدة القديمة ، وهي ذات منازل قديمة الطراز ، شديدة الاتساع من الداخل ، وغالبا ما تتكون من طابقين اثنين ، الناظر إليها يرى فيها بلدية سورية قديمة، وليس هذا بالشيء الخاطئ ، فالمعروف أن أهل نابلس هم على الأغلب إحدى الجماعات السورية المهاجرة ، لهم من التقاليد والعادات ما يخالف عادات باقي المناطق الفلسطينية . تحدث أبي بلطف وحزم معتادين، وجبينه متغضن بشكل خفيف :
_ كوني هادئة ، ولا تزعجي أحدا ، أريدك أن تكوني مهذبة دائما .
هززت رأسي موافقة ونطقت بموافقة خافتة ، ونظري لازال معلقا بالسطوح المتقاربة والدرجات الحجرية القديمة لكل باب ومدخل في بلدتي القديمة الرائعة ، فكرت بصمت : لولا الجندي الإسرائيلي الواقف قرب
إحدى المنازل ببزته جالبة الضيق ، لكان هذا المشهد المتشح بألوان الغروب من أجمل ما يكون .
دلفنا بيت جدي الواسع الفسيح ، وانطلقت أهنئ الجميع بحلول شعبان ودنو رمضان ، استقبلتني عمتي بذراعين مفتوحتين ، وضمتني إلى صدرها بكل الحب المحفوظ في صدرها ، وكالعادة قالت : إنني كبرت وأصبحت عروسا جميلة ، خجلت من مدحها واحمرت وجنتاي بلون وردي خفيف ، شكرتها بهدوء فضحكت لخجلي وتركتني لأهنأ الباقين .
جالت عيناي بشكل سريع في المكان بحثا عن شخص ما ، ويا لخيبة أملي !! لم أجد ذلك الشخص ، شعرت بالحزن يعتصرني ، وتقوست شفتاي بغير رضى ، كان المكان يعج بالأرجل المتحركة والصرخات العالية ، والضحكات المستأنسة ، وكنت أنا الوحيدة الباكية ، وحين لم أجد مرادي ، انطلقت إلى حديقة البيت الخلفية ،
اجتزتها بسرعة دون أن ألقي نظرة واحدة على الأزهار التي كبرت كثيرا منذ آخر مرة رأيتها فيها ، كان من عادتي إلقاء كلمة مدح لهذه الجنة الصغيرة ، كنت أحادثها وأحاورها ، وكانت تستمع لي وتهمس بأنها تحبني، وليس ذلك إلا من تصورات الأطفال البريئة، كنت حانقة كثيرا ولم أنتبه للعينين الدافئتين اللتين تراقبانني . أبصرت أرجوحة جدتي المتوفاة ، يحركها النسيم اللطيف جيئة وذهابا ، والقمر يرسل لمساته الرقيقة إليها ، شدني المنظر كثيرا ، فقادتني قدماي إليها ، بوعي أو دون وعي ، ليس ذلك مهما ، فالجلوس إلى تلك الأرجوحة ، يعيد دفقا من الذكريات إلى ذاكرتي الصغيرة : جدتي بشعرها الطويل الشاحب ، وابتسامتها المتعبة ، وطعامها اللذيذ .
حملتني الأحلام إلى عالم بعيد تماما ، عالم تملؤه البسمات والضحكات ، وتزينه أكاليل من الحب الدافئ .
أصبحت حركة الأرجوحة أسرع من ذي قبل ، الهواء يضرب وجهي بقوة ، وشعري يتطاير بعشوائية ، ارتجف قلبي هنيهة ، فلم أر في الحديقة أحدا حين دخلت ، وتساءلت بقلق عن هذا الذي يدفع الأرجوحة ، وكانت الإجابة قهقهة أحاطتني بدفئها ، وغمرني حنان رنتها البديعة ، تكلم صاحبها بصوت عجوز :
_ ما بال حفيدتي الصغيرة ؟؟
أجبته مقطوعة الأنفاس :
_ أنزلني أرجوك !
لم يتردد في تنفيذ الطلب ، بل أوقف الأرجوحة على عجل ، واستدار حاملا إياي بين ذراعيه الكبيرتين ، حدقت في عينيه ، وفي التغضنات الكثيرة التي تزداد حجما وعددا عندما يبتسم ، أمسكت بوجهه الكبير ، وطبعت قبلة صغيرة على جبينه المجعد ، ضمني بحب ثم اقتادني إلى حيث المرح يرسم طريقه إلى كل وجه .
سألني قبل أن يذهب :
_ لم أبصرت عزيزتي الصغيرة عابسة ؟؟
أجبته بدلال ، وأنا أحرك قدمي جيئة وذهابا :
_ لأنني بحثت عنك ولم أجدك ، وأنت كنت قد وعدتني باصطابي للخان القديم .
تبسم لي بإشراق، وهتف :
_ وأنا عند وعدي الذي قطعته ، وسوف أفعل ما تريدين بعد تناول العشاء .
شكرته والفرح ينضح من عيني الواسعتين ، ثم أسرعت إلى جانب أمي ، سميت باسم الله ، وشرعت ألتهم الطعام اللذيذ بسرعة . تقتضي عادات ( الشعبانية ) المقامة في شعبان ، بدعوة كل كل النساء اللاتي يعرفهن الشخص ، وأن يقيم لهن مأدبة كبيرة وأن يتبادل الجميع الهدايا ، وليس لها يوم محدد أو طعام محدد أو أية تقاليد معينة .
لم يكد يمض على جلوسي إلى طاولة الطعام بضعة دقائق ، وصحني لم يمس تقريبا ، لكن حبي لذاك الخان جرفني باتجاه مرحاض الضيوف الكبير ، نظفت يدي وفمي جيدا ، ثم انطلقت قدماي تتسابقان إلى جدي ، بعد أن ألقيت إلى أامي خبرا خاطفا بأمر ذهابي إلى الخان ، ولدي شعور بأنها ابتسمت ورددت بأنني طفلة مشاكسة، هذا هو طبع أمي على كل حال ، تلقي بتوجيهات كثيرة ونصائح ثمينة يضيع أغلبها في ثنايا الصمت بعد أن أكون قد انصرفت وتركتها لتحادث نفسها .
ويبدو أن جدي كان على دراية تامة بطريقة تفكيري ، فقد وجدته وقد بدل ثيابه ووقف بانتظاري ، ضحك لمرآي وخجلت لأنه يدرك دوما مطلبي ، احتضنت كفه الكبيرة يدي الصغيرة وغلفتها بود ، وسارت قدماي بسرعة لتلحق بخطواته الواسعة.
لستم تعرفون مقدار النشوة التي سكبت في قلبي حين رأيت مدخل الخان المزدحم ، تألقت عيناي بفرح غامر ، وانعكست أضواء الزينة والمحال الصغيرة في حدقتي فبانتا بألوان متعددة . دلفنا السوق كباقي الناس ، أقدامنا تتحرك ببطء بسبب الزحام ، لكن ذلك ما كان ليشكل مشكلة لأي كان ، فالكل هنا يبهج لمرآى هذا المكان الجميل.
أبصرت على اليمين محلا صغيرا مبنيا في الحجر كباقي المحال يبيع حلوى على شكل هلال ، وبألوان مختلفة ،
وبجانبه كان آخر يبيع الشوكولاة ، وقبالته آخر يبيع المشروبات ، وآخرون يبيعون الألعاب والثياب . تسمرت قدماي فجأة أمام أحد المحلات الظريفة ، وتعلقت عيناي بمحتوياته ، توقف جدي لبرهة ناظرا إلي بتساؤل ، فحدقت إليه بعيني البرئتين ما جعله يفهم مقصدي ، أدخل يده في جيبه وأخرج منها عددا من الشواقل الحديدة، مد يده بها للبائع وطلب منه بلطف القليل من حلوى الجلاتين اللذيذة .
سرت برضى وأنا ألتهم الحلوى واحدة تلو الأخرى حتى شعرت بالتخمة ، رفعت قدمي أعلى من مستوى الخطوة بقليل لأجتاز درجة حجرية في الطريق ، وبعد اجتيازها قابلنا مفترقا صغيرا ، واحدا إلى اليمين والآخر إلى الأمام مباشرة ، كنت أعلم أن كل التفرعات تؤدي إلى خارج الخان ، فتابعت المسير جارة جدي ليسير في إثري ، ويده لم تفلت يدي أبدا .
عبق الجو برائحة غاية في الروعة ، وأشبعت رئتاي برائحة البخور والعطور إضافة للبهارات ، متعت ناظري بكل تلك الألوان ، ودهشت لكمية البهارات التي يمتلكها الباعة ، شعرت للحظات طويلة بأنني بطلة إحدى القصص الخيالية التاريخية ، سندباد ربما ! بسرواله الواسع ، وقميصه المطرز بالألوان البهية ، افتر ثغري عن ابتسامة وضاءة وأنا أتصور هذا الخان سوقا يعج بأشباه السندباد . جذب انتباهي محل صغير أخفض من مستوى باقي المحال ، ينزل إليه بثلاث درجات حجرية صغيرة ، كان مضاء بمصباح يطلق نورا برتقالي اللون ، حدقت فيه مشدوهة وقد جاء في خاطري أن هذا المحل يشبه مغارة علي بابا ، وأخذت أشبه كل شيء في هذا الخان بأبطال ألف ليلة وليلة ، واستمر الفرح شوطا طويلا ، طرت فيه على أعتاب الحكايا والخرافات ، وحلقت فوق السحاب ، وبعيدا عن مرأى الأعين والأنظار ، لكن لكل شيء في هذه الدنيا نهاية ، وما كنت لأحلق أبعد من القصص التي قرأت عنها ، فقد صدح صوت الشيخ في المسجد القريب ، معلنا دنو وقت العشاء . حدق جدي في ساعته الكبيرة ، وصاح بدهشة :
_ لقد تأخرنا كثيرا ، وعلي أن أسرع لئلا تفوتني صلاة العشاء .
علمت أن جدي سيقول ذلك ، فهو لا يضيع أية صلاة ، شعرت بقليل من الضيق لتركي المكان ، لكن جدي حدق بي وهمس :
_ الصلاة فرض يا بنتي ، والخان لن يطير أبدا .
تبسمت له في حب ، فليس هناك من يفهمني أكثر منه ، ملت ناحيتة بهدوء ، وقلت بمشاكسة :
_ هيا بنا إذن وإلا فاتتك الصلاة في المسجد .
نسيم الصباح العليل هب حاملا معه أولى خيوط الفجر ، ملقيا بالدفء على سفوح نابلس ، مزينا عروس الشام العريقة . العصافير حملت إليها لحنا مميزا زفت به العروس البديعة ، وقطرات الندىتكاسلت ببطء قبل أن تتدحرج على أوراق أشجار شارع رفيديا حيث تتكاتف الأشجار لتشكل سقفا يحمي الناس حر الظهيرة ، كل من يزور نابلس يمشي في هذا الشارع الوديع ، ويرى كيف تنسجم الحضارة والعراقة في نابلس ، وكيف تنحني رفيديا ببنيانها الشاهق ، لتحيي البلدة القديمة وتحتضن خان التجار القديم بين ذراعيها الفارهين .
لنابلس قصة عشق عريقة ، فقد عشقها الكثيرون وأرادها العديدون ، لكن نابلس وفية مخلصة ، عروس ليس يوجد مثلها ، لا في ألف ليلة وليلة ولا في سواها ، هي عروس لفلسطين والشام ولن ترضى بغيرهما بديلا .
الفجر أتى حاملا معه قصة جديدة ، وقصتي ستختفي في طيات قصص أخرى ، علي بابا سيلقي مزيدا من سحره على سوق نابلس ، والسندباد سيروي مزيدا من قصصه في طرقات لم ينسها الدهر .
المفضلات