سَفيرُ أطْفالِ غَزَّة
طفولة كبُرت..قبل أوانها
ليسَتْ مُجَرَّدَ خُطوطٍ علَى كُرّاسِ الخَرائِطِ الجُغْرافيَّةِ،ولا لَوْحَةً تُزَيِّنُ جُدرانَ البُيوتِ وغُرَفَ الضُّيوفِ والمَكاتِبِ،بل هيَ أرْضٌ تَزهو فيها الأَزْهارْ،وتَتَرَقْرَقُ فيها الأَنْهار،تكسوها ألوانٌ شَتى،وتُحَلِّقُ فيها الأطيارْ،إنَّها أرضُ فلسطين..
هُناك في غَزّة،تلكَ البَلْدَةُ الهادئِةُ الرَّاغِدة،ذاتِ القوَّة والمِنعَةِ،حيثُ الجامعُ العُمَريُّ الكَبير والكنيسةِ الأرثوذكسيةِ التي ما زالتْ تَجْثو على أرضِ غزةَ منذُ مئاتِ السنينِ إلى وقتنا هذا.
كانَ"صلاح" طفلاً يبلغُ منَ العمرِِ سبعةَ أعوام،ولكنهُ ليسَ كغيرهِ من أطفالِ عصره،بل كانَ قويَّ العزيمةِ مُتَّقِدَ الفكرِ يجمعُ من عنفوانِ الشبابِ وحكمةِ الشيوخ،ما جعله مُمَيَّزاً عن كلِّ أقرانهِ الآخرين .لم يكن يميلُ إلى تلكَ الألوانِ منَ اللعبِ واللهوِ التي كانت هدفاً لأيِّ طفلٍ غيره،بل كانَ يميلُ إلى ممارسةِ بعضٍ من هواياته.
يعيشُ صلاحٌ مع أُسرتهِ المكوَّنةِ من تسعةِ أفرادٍ بالإضافةِ إلى جدِّهِ العجوزِ ذو التسعينَ سنة في بيتٍ متواضعٍٍ في إحدى قُرى غزة.
في صباحِِ يومٍ من الأيام،استيقظَ صلاحٌ على صوتِ أمِّهِ الحنونِ التي كانَت توقظهُ لتناولِ الفطور،نهضَ بحيويتهِ ونشاطهِ وسابقَ النسماتَ الدافئةَ بتقبيلِ يدِ أمِّهِ وطبعِ قبلةٍ على رأسِ والده ولم ينسى طبعاً أن يُلقي تحيةَ الصباحِِ على إخوتهِ وجدهِ.
تحلَّقَ الجميعُ حولَ مائدةِ الإفطارِ والبسمةُ لمْ تفارقْ ثُغورهم،والسعادةُ تغمرُ قلوبهم وكانَ صلاح أكثرهم سعادةً وفرحاً لأنهُ جلسَ بجانبِ جدِّه،كيفَ لا!!وهوَ مُدَلَّلُه!.
بعدَ الفطور،ذهبَ كلُّ واحدٍ إلى مُرادهِ،أما صلاح فقد بقيَ بجانبِ جدهِ ليحدِّثه ،فقالَ الجد:
-عمّا تريدُ أن أحدّثكَ اليومَ يا صلاح؟؟
بقيَ صلاحٌ صامتاً لبُرهةٍ،ولكنهُ ما لبثَ وأن قال:
-تذكرْتْ،أَلَمْ تقلْ إنّكَ ستُحدِّثُني عن القائِدِ الناصرِ صلاحِ الدِّينِ يا جدي؟؟
-حقاً!إذن سوفَ نبدأ. أحضرَ الجدُّ كتاباً يحوي صوراً كثيرةً،وبدأَ بسردِ قصَّةِ كلِّ صورةٍ مما جعلَ الأشجارَ والأطيارَ تصغي لأسلوبِ الجدِ الرائِع.وعندما أكمل قالَ لهُ صلاح بنبراتٍ تحملُ الثقة:
-أريدُ أن أكونَ مثلَ القائدِ صلاحِ الدينِ عندما أكبرُ يا جدي.
قل الجد مُثنياً:
-بوركتَ يا ولدي،أدعو اللهَ أن تكونَ مثله،وتُعزَّ الإسلام وترفعَ رايتهُ في كلِّ مكان،قم تقدم يا صلاح فأوانُ الفتح لاح...
خيَّم الليلُ على غزة وحانَ وقتُ النوم في كل بيت .دخل صلاح غرفتهُ ومعهُ شقيقهُ الأكبر"إبراهيم" وناما على وسادتهما فقال صلاح لإبراهيم:
-إبراهيم،أنا أحبك.
-وأنا أيضاً يا صلاح ولكن أرجوكَ نَمْ.
-أنا لا أشعرُ بالنعاسِ يا أخي.
-أنا أشعرُ به لذا دعني أنَمْ.
صمتَ صلاح للحظات ولكنه ما لبثَ وأن قال:
-إبراهيم أنا أحبُّ أمي وأبي كثيراً
-رائع رائع ولكن أهذا وقتهُ يا صلاح ؟؟غداً تخبرني بكل ما تشعرُ به ولكن الآن أرِِح جسدكَ لكي تستيقظ باكراً .
-أنا أصحو باكراً بدون أن أنام باكراً أنا مثل (سوبرمان)لا أتعب.
-حبيبي يا أخي إن( سوبرمان)كان يريحُ جسده فكُن مثله.
-إبراهيم أنا أريدُ أن أصبحَ مثلَ القائد صلاحِ الدينِ،فهل استطيع؟؟
لزم إبراهيم الصمتَ مبيناً لصلاح انهُ قد طفحَ الكيل فالنوم هو النوم .
فهمَ صلاح ما قصدَ إبراهيم،وما هي للحظات حتى غطَّ في نومٍ عميق وغاص في أحلامهِ الجميلة.
في صباحِ يومِ السبت من شهرِ كانونَ الأول لسنة 2008 استيقظتِ الأسرةُ كعادتها،ولكنَّ أم صلاحٍ قد لاحظت فُقدانهم للخبزْ فأرسلت إبراهيم-مع كونه الأكبر-لشراءِ الخبز ولكنَّ صلاح أصَرَّ على الذهابِ معه فلم يستطع إبراهيم التغلبَ على إصراره فأخذهُ معه.وعند المخبز وقفَ إبراهيم وصلاح ينتظرانِ دورهما ،وبعدَ انتظارٍ طويل وصلهما الدور،وفي هذهِ اللحظة تسَمّرتِ الطائراتُ في سماءِ غزة ودويُّها عمَّ السماء كأنهُ الرعدُ في لحظاتِ الشتاء وأصواتُ الدباباتِ والعياراتِ الناريةِ وهلعِ الناسِ وذعرهم كل هذا في آنٍ واحد عزفَ مقطوعةَ الموتِ وأوانَ الحرب...
أسرعَ إبراهيم بخطواتهِ وهو يحملُ صلاحاً إلى بيتهما والطرقُ ترسُمُ لوحَةً بشِعَةً مملوءة بالدماء..الدمار...والخراب..وصلاح مذعورٌ من كلِّ هذا، فهذهِ أوَلُ مرةٍ يزورُهُم شَبَحُ الحرب،ولكِنَهُ كانَ يرى طيفَ جدهِ أمامه مما زرَعَ في نفسِهِ القليلَ مِنَ الهدوء،وعندَ وصولِهِما كانَ القدرُ قد سبقهما ،فإذ بهما يقفانِ على ركامِ بيتهما،ذهبا لإحضار الخبزِ ليأكلاهِ مع أسرتهما ، أما الآن فقد ذهبتِ الأسرة فمع من سيأكلانه؟؟الأشلاءُ في كلِّ مكان،الهلع أصاب صلاحاً المسكين فقال بصوت مُختَنَق:
- أَ..أَينَ بيتنا يا إبراهيم؟؟أين هوَ؟؟
قالَ إبراهيم محاولاً التهدئةَ من هلعِ شقيقه:
-لا تخف يا صلاح ابقى هادئاً،أنا معك فلا تخف يا أخ...آآآآآه
ولكِن رصاصاتِ الأوغاد لم تكُن لتسمَح لإبراهيم بالبقاءِ ولو للحظَةٍ واحِدَةٍ مع شقيقه فكانت الأسرَعَ لقطع صوتِهِ
-إبراهيم ..أخي!!!لا تتركني وحدي يا أخي.. لا يا إبراهيم..إبراهيم..
ماتَ إبراهيم..ماتَ تاركاً خلفهُ صلاحاً يتألمُ ويصيحُ بلا فائدة، فلا أُخٌ يقفُ بقُربِه،ولا جدٌ يشُدُ همته،وحتى الأُسرة ودعته ومن دونِ عوده...
رائحةٌٌ كريهةٌ،لطالما أختنقَ كلما شمَّها،صوتُ البكاءِ يَعُمُّ المكان وأصواتٌ أخرى تحثُّ على السرعةِ والدقة.
فتحَ عينيهِ الصغيرتينِ الذابلتينِ وقالَ بصوتٍ ضعيف:
-أينَ أنا؟؟
فسمعَ صوتاً يجيبهُ عمَّا سأل:
-لا تخف يا صغيري،أنت في مكانٍ آمن،أنتَ في المشفى لقد وجَدَتكَ فِرَقُ الإنقاذِ مغشياً عليك عندَ الركامِ في إحدى الأماكن، الحمدُ لله أنَ الجنودَ لم يلحظوك،لقد حماكَ اللهُ يا بُني
اكتفى صلاح بالصمت،ولكن صمته هذا كان يخفي داخله غضباً وحقداً على الصهاينةِ قتلةِ أسرته،وحزناً عميقاً على فراقهم،ولكن ماذا بوسعِ طفلٍ مثله أن يفعل؟؟لكنه كان يتذكر قول شقيقهِ ماجد"الصمتُ لا يعني النسيان،فالأرضُ صامتةٌ وفي جوفها بركان".
بعد مِضِيِّ أسبوعٍ في المشفى،خرجَ صلاح لا يدري ما وِجهته ،لا بيت..لا أم...لا أب...لا إخوة..ولا حتى جد.. وبينما كان مختبئاً عن أزيز الطائرات وعن أصواتِ الدبابات في إحدى الأزقَّة، وإذ به يشعرُ بيدٍ تمتد إلى كتفه،فالتفتَ مذعوراً إلى الخلف فوجد شاباً ذو عينين سوداوتين وشعر أسود يرتدي نظارته الطبية،فقال صلاح وقد بدا الذعرُ عليه:
-من أنت؟؟
قال الشاب محاولاً تَهدِئَتَه:
-لا تخف يا صلاح،أنا"محمود"صديق شقيقك إبراهيم اعملُ صحفياً في قناةِ الجزيرة الفضائيّة ألا تتذكرني؟؟
اقترب محمود من صلاح وقد شاهد علامات الاطمِئنان قد بَدَت عليه فمحمود يُشبهُ إبراهيم كثيراً بالإضافة إلى معرفته السابقة به،وما كانَ من محمود إلا وأن سألَهُ عن أسرته،فَسَرَدَ عليهِ صلاح القصة والدموعُ تنهمر من عينيهِ كالمطرِ الغزير،وحينما أكملَ قصّته قال بغضب:
-أينَ هم؟؟أليسوا إخوتنا؟؟
وأكمل وهو يردد كلمات لأنشودة كان قد سمعها:
-يا عالم العدالة والأمنِ والحرية من يوصلُ الرسالة للأسرة الدولية؟؟..وشد قبضته وقال باغتياظ:لو أني استطيع.
مرّت فترة صمتٍ كالحبل الطويل،ولكن ما لبث محمود وان قطع هذا الحبل قائلاً:
-لِمَ لا تأتي معي إلى قناة الجزيرة في قطر؟؟وهناك فإنك تستطيع أن توصل ما تريد إلى العالم بأسرِه!!
قال صلاح وقد بدت عليه علامات البهجة والسرور:
-بحق!!أَأنتَ جاد؟؟
-أجل.
-شكراً لكَ يا محمود شكراً لك...
وبالفِعْل،سافرَ صلاح برفقةِ محمود إلى قَطَر وهناكْ،وَقَفَ أمامَ الملايينِ مِن النّاسِ مِن خِلال شاشاتِ التّلفزة وقالَ بِكَلِماتٍ قَويَّةٍ،ونَبْرَةٍ واثِقَةٍ،وملامِحُ البَراءَةِ لا تفارِقُه"أنا طفلٌ من غزّة،أتيتُ أشكو لكم وحشيّة عدوتي،إسرائيل شرّدَتني مِن أُمي وأبي،بل مِن كامِلِ أُسْرتي،دمّرت بيتي وأسالَت دَمَ أحبتي وجيراني ولكِنْ؛ لستُ وحدي بل هناكَ آلافُ الأطفالِ مثلي،بُعثِرَت أحلامُنا فنحنُ بلا بيوتٍ ولا مدارس ولا طعام ولا أمان،فما تُراكم فاعلون؟؟انهضوا وساعدونا ابعدوا الخوفَ عنّا،تَوَحَّدوا أغيثوا غزّة،وأقولُ عني وعن كلِّ أطفالِ غزّة نحنُ مِنكم وصامدونَ بِدُعائِكُم فلا تَنسَونا وعِندنا أملٌ بِكُم بأن تساعدونا..،وعندما أكبر سوفَ أكونُ القائدَ صلاح الدِّينِ،الذي سوفَ يرفعُ رايةَ الإسلامِ والمسلمين في كلِّ مكان، وأقولُ لعدوتي:لا مكانَ لكِ إسرائيل...ارحلي إسرائيل.."
بقيَ صوتُ صلاح-أو سفير أطفال غزة كما سمته وسائل الإعلام في قطر- يتَردَّد في كل الأرجاء،تاركاً أثراً من
التصميمِ والإرادةِ في نفوسِ الملايين لتحرير غزة،أو بالأحرى فلسطين،وأملاً بأن دموعهُ التي انهمرت لن تذهبَ سداً،وأن تبقى صرخة"أغيثوا غزة"عالقةً في أذهانهم أجمعين..حتى يأتيَ يوم النصر المبين.
ـــــــــــــ...ــــــــــــــــــ...ـــــــــــــ ــــ...ــــــــــــــــــــ...ــــــــــــــــــــ ـ...ـــــــــــــــــــ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته^^
كيف حالكم أخوتي الأعضاء..؟
هذه القصة كنت قد شاركت بها قبل مدة ليست بقصيرة
في مسابقة من يرسل الرسالة و أرجو أن تنال إعجابكم =)
وأنا جاهزة للملاحظات والانتقادات





)
اضافة رد مع اقتباس







المفضلات