- " إن الأطفال رائعون ، أليس كذلك ؟ بإمكاني أن أقضي وقتا يمتد للأبد وأنا أتطلع إليهم "
انحنى الرجل العجوز إلى الأمام وناول نوراكامي صورة فوتوغرافية ،
تناول موراكامي الصورة ونظر إليها ، ثم قربها أكثر من ناظريه .
كان ما يزال يحدق في وجه الطفل ، عندما أطلقت السيارة الواقفة خلفه إشارة تحذير .
أرجع موراكامي الصورة للرجل ، وأدار محرك السيارة .
- " إنها صورة قديمة إلا أنها جيدة . ألا تعتقد ذلك ؟ ".
تجمدت عينا موراكامي باتجاه الشارع أمامه . لقد سبق له وأن رأى هذا الوجه ،
في صورة أكبر حجما ، يحيط بها شريط أسود . كان ذلك منذ ست سنوات مضت .
لقد قابل جد الطفل في مراسم التشييع . لكن الآن فقط ، وهو يختلس
نظرة خاطفة عبر المرآة الخلفية أدرك أنه الوجه ذاته .لقد كبر كثيرا خلال السنوات الست هذه .
تذكر موراكامي أن الجد حرفي ماهر من نوع ما .رجل هادئ ، مبجل ،
حتى أنه قد يحسبه المرء بطريق الخطأ من المثقفين ، على الرغم من أن أحدهم قال إنه لم يتلق أي تعليم رسمي إطلاقا .
قال الرجل عندما هم موراكامي بالتوقف أمام المدرسة :
" شكرا جزيلا لك " . دفع أجرة التاكسي دون أن ينتظر الباقي .اندفع مسرعا عبر بوابة المدرسة .
أوقف موراكامي الأُجرة بعيدا شيئا ما عن المكان الذي نزل فيه العجوز ،
وترجل ليتبع الرجل .وعبر بوابة المدرسة أخذ يرقب زبونه وهو يدخلها .
سأل رجل في خريف العمر كان يقف قريبا مرتديا زي حارس موراكامي : " هل من خدمة ؟".
-" لا أنا سائق تاكسي ، لقد أحضرت هذا الرجل الذي مرَّ لتوه من هنا " .
أومأ الرجل رأسه بالإيجاب وقال : " آه ..هذ الرجل ".
- " ذكر شيئا عن تخرج حفيده ".
- " حفيده؟ إن حفيده ميتيا سيد! صدمته سيارة أليس هذا حادثا بشعا ؟
أتعلم ما الذي كنت سأفعله لو كنت مكانه؟ كنت سأسحق ذلك السائق.
قطب الحارس وجهه وأضاف" :ولم تمضِ سنة أخرى حتى ماتت والدة الصبي بدورها ".
أحس موراكامي بالدمينسحب من وجهه. كان على علمبأن الوالد توفي
في وقت ما قبل وقع الحادث ، لكن تلك هي المرة الأولى التي
يسمعفيها بوفاة الوالدة .فإن كان هذا صحيحا فمعنى
ذلك أن الجد عاش طوال هذه المدة وحيدا .
إذن الأمر على هذا النحو. ففي وقت ما بدأ الجد في الاعتقاد بأن الصبي ما يزال حيا
-" هل بدأت مراسم الاحتفال ؟ ".
-" أقدر أن نصفها انقضى ".
مضى موراكامي بخطواتسريعة باتجاه المدرسة.
لم يكن ليدع هذا العجوز يذل نفسه أمام هذا الحشد من البشر.
ما من شك في أن هذا العجوز بدأ يترنح في الزحام ، باحثا عن حفيده الوهمي .
فجأة تراجع موراكامي. كانالمكان مزدحما بطوابير
وراء أخرى من الطلاب وأولياء أمورهم. والجميع جلوس بهدوءلمتابعة خشبة المسرح .
استطاع بمشقة السير متبعا عبر الممشى بين الكراسي ،
قالت امرأة شابة، هي مدرِّسة ،حسبما خمن مةراكامي وهي تربت على كتفه :
"المعذرة .إن كنت تنظر أحدا ..".
- " لا .أنا ..إنه ..".
دوت أركان المدرسةبأصوات التصفيق الحار. فنظر موراكامي
باتجاه خشبة المسرح .هناك مع كل الطلبة الخريجين وقف العجوز الذي سُـلِّـم شهادة التخرج .
استدار موراكامي إلى المدرسة الشابة وقال : " ذلك الرجل ...".
أخذت المدرسةتشرح " آه .نعم .لقد فقد حفيدا له منذ سنوات مضت .
وهو شخصيا لم يتلق أي تعليم فيالمدارس.لذلك قال إنه سيذهب
بدلا من حفيده .فقد نفَّـذ ذلك بالفعل ، كل يوم ، ومنذست سنوات
". أضافت وهي تهز رأسها بإعجاب : " إنني حقيقة أحترم هذا الرجل "
على خشبة المسرح كانالرجل العجوز ينحني باحترام فائق
للاحتفاء الحماسي الكبير الذي يتلقاه .
تبسَّم العجوز وهو يرىموراكامي يلوح له في سيارة الأجرة وهو خارج من البوابةوقال :
" آه لقد انتظرتني "
- "هل لي أن أوصلك إلى المنزل ؟ ".
فتح موراكامي بابالسيارة للراكب ، وأدار المحرك .
- " تهانينا يا سيدي ".
ضحك العجوز ضحكة خافته وتنهد قائلا :
" آه لقد سمعت الخبر ؟ ... إنالأمر محرج نوعا ما .لم يكن باستطاعتي
أن أشرح أن التخرج كان تخرجي أنا .على أيةحال ..
لقد حققت ذلك .لقد وعدت حفيدي ..أنني بعد موته ،
سأتخرج من أجله ".
قطع موراكامي مسافة بالسيارة قبل أن يقول :
" أنا السائق الذي صدم حفيدك أو ربما تعرف أنت بدورك ذلك ".
لم يكن هناك مِنْرد.توقف موراكامي عند حافة الطريق واستدار باتجاه العجوز .
لم يتحرك العجوز.كانت عيناه مغمضتين ، ويداه ممسكتان بالشهادة المطوية بإحكام .
لقد أوفى بوعده لحفيد هوشق طريقه عبر نوع آخر من التخرج .
المفضلات