ملامح من ضباب
كل ما أحاط هذا القصر كان حطاماً لا أكثر, زجاج تناثر هنا وهناك , أغطية ترامت على تلك الأراضي التي غطاها الرخام الفاخر, وقد لطختها ألوان تلك العصائر بشتى أنواعها , أطعمة وحلوى أصبح مصيرها الترامي كجثث القتلى في معركة دامية.
وقف وسط كل تلك الفوضى شاب ثائر يرمق من ينظر إليه من الحضور بذهول نظرة حاقدة بعينيه سوداء اللون, وكأنما يخطط للفتك بهم كأسد جائع , ثم بدأ بتهديد أي شخص يحاول الإقتراب منه بالقتل بالمسدس الذي أمسكه بقوة. ما هي إلا لحظات حتى وصل الشرطة وأحاطوا بالمكان , وكان بالتأكيد من الصعب الإمساك بهذا المجرم الثائر , لولا أن استخدموا رشاشات أخذت تطلق من خلالها دخان رمادي اللون أخمد ثوران هذا المجرم وأرغمه على النوم في ثبات عميق وهو يتساقط أرضاً.
دخل الباب طبيب يرتدي بزته البيضاء إلى غرفة فارغة لا يوجد فيها سوى سرير بمنتصفها غطاه فراش أبيض , وقد جلس بجوار أحد أركان زواياها ذلك الشاب , الذي غطى وجهه خصلات شعره بنية اللون بفوضوية , ما لبث أن نظر نحو الطبيب نظرة غاضبة , إلا أن الطبيب قد بادله إياها بابتسامة حارة , وقال له وهو يقترب نحوه: أنت مجرم فريد من نوعه "إدوارد".
ابتسم ساخراً وهو يردد: ولماذا قد يحبس مجرم مثلي في مستشفى للأمراض النفسية؟
جثى الطبيب على ركبتيه بعد أن أصبح على مقربة من إدوارد , ثم أجابه بلهجة مستنكرة : مجرم! وهل يعتبر شخص يدمر بيته مجرماً؟ هل على شخص يحاول قتل زوجته أن يكون مجرماً؟ هل شاب ثري مثلك حوله كل ما يريد يمكن أن يكون في عداد المجرمين؟
أدار إدوارد وجهه بعيداً , وهو يتمتم: نعم أنت محق أنا أسوأ من هذا بكثير.
نهض الطبيب وأخذ يرف أوراق الملف الممسك به تباعاً وهو يردد: الكشف هنا يقول أنك تعاني من حالة هستيرية , ما رأيك بذلك أيها الشاب؟
انتفض من مكانه , وعلا صوته في محاولة منه لمعارضة كلام الطبيب : أنا أعاني من الهستيريا , إذاً ما الذي يعاني منه هذا العالم؟
ابتسم الطبيب بثقة وهو يقول: ما هو دافعك إذاً؟
عاد إدوارد إلى مكانه وهو يقول بصوت خافت: تباً لك , أنت مثلهم لا تجيب على أسئلتي وكأنني لا أتحدث.
عندها بدا على الطبيب ملامح الراحة قبل أن يجلس على السرير ثم قال : فلتتحدث إذاَ أنا أسمعك جيداً.
لمع بريق تلك الدموع التي سالت على وجنتي إدوارد وكأنها الوحيدة التي تدافع عنه وتهون عليه ما أهمه , لكنها لم تدم طويلاً ليس بعد أن حاول هو تجاهلها ومسحها تظاهراً منه بعدم وجودها , ثم قال بلا مبالاة : ليس لدي ما أقوله, أخرج فقط من هنا.
عندها نظر الطبيب بحزم وهو يقول لإدوارد ناصحاً : ربما لا يسمعك الآخرون لأنك لا تحاول التحدث إليهم , ما أصابك كان نتيجة للصراع النفسي داخلك والذي تراكم مع الزمن بسبب صمتك , ليظهر على هيئة أعراض جسمية كحل رمزي للصراع, أنصحك أن تحاول التحدث إلى أحد ما , ويفضل أن يكون قريباً إلى قلبك, هذا هو الدواء الوحيد الذي أنصحك به.
وقبل أن يغادر طلب منه إدوارد الرحيل , ومع الرفض التام الذي أصر عليه الطبيب قال له: طلبت مني أن أتحدث إلى أحدهم , وأظنني أعرف الشخص المناسب.
فابتسم الطبيب وهو يقول: فلتذهب إذاً لكن بشرط ألا تأتي إلى هنا مجدداً , عدني أنك ستكون بخير.
- أعدك.
سار بخطىً متثاقلة على أرض غطتها أوراق الخريف المتقشفة ليحدث صوتاً ناتج عن تكسرها تحت قدميه, كان متجهاً إلى تلك المقبرة التي فرشتها بقايا الأشجار المتناثرة وغلفها تراب الأرض , أخذ ينظر نحوها من بعيد ويخطو إليها ببطء.
هناك تكملة




اضافة رد مع اقتباس



















>>>> تهديد بون بوني شرس

..)


؟! ~ !
^^ ~
..
~ !
" وڷـڪـڼ ڣـي آڷڼهـآيـہُ 
~ .. 



المفضلات