ثم اتكأ برأسه على الشجرة ورفع عينيه إلى السماء التي غطت أغصان الأشجار الخضراء بعضاً منها متجاهلاً شيارا التي انعكس لون غروب الشمس الأحمر على عينيها ليزيدهما جمالاً ، وأسدل جفنيه لوهلة يفكر . ثم فتحهما ليومض لهيب العزم فجأة فيهما مما جعله يستقيم واقفاً في أقل من الثانية لتقف شيارا بعده وهي تنظر إليه باستغراب قائلة :- ماذا هناك لآيت ؟
أشاح بوجهه عنها ملتفتاً لجهة قصره الألمآسي وهو يقول بصوت خالٍ من المشاعر :- لم آتي إلى هنا إلا لآخذ سيفي ! فأنا لن أتراجع !
أطرقت شيارا برأسها ثم فردت جناحيها لتقول قبل أن تطير مبتعدة إلى القصر كالسهم الخارق :- أنا سأجلبه لك ، مادمت لن تتراجع !
ابتسم لايت بحنين هو ينظر إليها ولم يلبث دقيقة إلا وهي أمامه تمسك بسيفه الأبيض الضخم وتقول ببرود :- ها هو سيفك لآيت ! .. أتمنى لكَ [ دمعت عيناها وارتجف صوتها ] فوزاً موفقاً ضد أخي !
ردّ عليها صوت ماكر تهادى في الأرجاء بنبرته الهزلية الدرامية وهو يقترب شيئاً فشيئاً منهما :- ياترى هل سيخضع النور جبروت الظلام ، أم يختم الظلام بريق النور ؟ .. لن نعرف هذا إلا بعد لقائهما ليدي شيارا التي أرجو منها ألا تتدخل !!
ما إن عانق ذلك الصوت مسامع شيارا حتى التفتت بسرعة وقالت بصوت واثق :- معكَ حقا إيفان ! لن نعرف ذلك إلا بعد النزال !
لم تكد تطبق شفتيها إلا وقد ظهر أمامها بشعره الأشقر وقبعته الزرقاء وهو يقف بجانب ذلك الكيان الذي انبعثت من حدقتيه الجليديتين كل شرارت الألم والمعاناة وهو يمسك بسيفٍ أسود تعلقت به بقايا ورود الكاميليا بإصرار ! ألقى لآيت نظراتهِ اليهما ثم هتف بصوتٍ حائر بين العزيمة والأسى ! :-
- إذاً لقد أتيت إلي قبل أن آتِ إليك دآرك !
- أجل لقد أتيت إليك كي أرى وجهك بعد غيابه عني ثلاثِ سنواتِ متتالية ! افتقدت فيها سمرنا معاً تحت جناح الشفق قبل كل إشراق !
انطلقت كلماتهِ بوقع ساخر حمل بين طياته حنيناً قديماً لم يتجرأ أن يظهره أمام تلك العينين الزبرجديتين التي تحدق فيه بإصرار قبل أن ينطق صاحبهما وهو يشهر سيفه إلى الأمام لتتشكل هالات زرقاء من القوة حوله :- كلا لم تأتِ لترى وجهي ، بل أتيت لتنتقم مني فقط فهيآ [ صرخ ] تقدم !
شلال من الماء العذب يتدفق إلى الأسفل بوقار ليصنع تفرعات هادئة في مياه انعكست عليها صورتها وهي تحدق في القصر بعينين هادئتين عانقتهما لمحة خافتة من حيرة قيدتها وبذلت جهدها كي تمنعها من التقدم . تنهدت سيلينا بخفة وأطرقت برأسها ثم التفت بوهن ورسمت خطواتها إلى الأمام قائلة بصوت خافت باهت :- كنت أعلم أنني لن أستطيع البقاء هكذا مكتوفة اليدين .. لكن ! .. إذا تبعته ومضيت خلفه ، ماذا سأفعل له وأنا بهذا الضعف ؟ .. كيف سأستطيع إيقافه ؟
أطبقت شفتيها صامتة وهي تواصل خطواتها إلى الخارج حتى تساءلت بمرارة :- ترى هل ستكون قوة مشاعري كافية لإيقافه عن السعي لمصير مجهول ؟ .. لست واثقة ، ولكني سأمضي ، فأنا أريد البقاء معه أكثر ، لأن تلك السعادة التي استشعرتها في عينيه كانت كافية لتنسيني كل ما مريت به من حزن في أعوامي السابقة !
شقت ابتسامة تشبعت بالأمل وقليل من العزيمة طريقها إلى شفتيها لترتسم على محياها وتحيل قيود الحيرة والتردد إلى رماد ..
" سأعيده ، سأعيده بالتأكيد ، من أجل تلك اللحظات "
ابتسمت بخفة لتغرق في سرمد الماضي ..
حيث كانت متكئة على ذلك الجدار المتهالك بهدوء وصمت وعيناها تعانقان الفراغ بنظراتٍ ميتة شاحبة كأنما سلبت منها ألوان الحياة ، تنهدت بملل ثم انزلق جسدها ببطء على الجدار ليلامس الأرضية المبللة ، أغمضت عينيها لحظة لتفتحها في لحظة أخرى وهي تفتش في عقلها عن أي فكرة تمكنها من الخروج من دوامة هذا الفراغ المميت .. ثنت ركبتيها لتسند وجهها عليها قائلة بضجر التصق بكلماتها :- يا إلهي ما هذه الحياة ؟..ألا يوجد شيءٌ أفعله ؟.
تأففت سيلينا بيأس واستندت على الأرضية بيديها لتقف وتخطو باتجاه الباب على مهل ، مدت يدها نحو المقبض الخشبي هامة بفتحه ليستوقفها صوتٌ شبيه بصوت سقوط شيءٍ ما على الأرض ، والتمعن عينيها بلهفة وحماس وهي تحدث نفسها :- عساه يكون شيئاً جيداً استمتع به !
فارقت يدها مقبض الباب لتسرع بخطواتٍ واسعة إلى تلك الزاوية حيث يكمن بابٌ حديديٌ صغير امتلأ بنقوشِ غريبة ، مدت يدها النحيلة ولامست أناملها النقوش الساحرة للحظات قليلة لترتسم ابتسامة شقية على ثغرها وهي تدفع الباب بهدوء ليتسلل نور القمر بهدوء واستحياء ، ويضيء ملامح وجهها الوديع الذي اندفعت خصلات شقية من شعرها الليلي لتستلقي عليه بنعومة فائقة ..، تقدمت إلى الأمام قليلاً وراحت تبعثر نظراتها المتشوقة هنا وهناك حتى عانقت عدساتها ذلك الملاك الجالس على الأرض بكبرياء وهو يعبث بورود كاميليا حمراء بدأت تفقد بهائها ولكنها وقفت شامخة بين شعيرات العشب الباهتة ! ، مكثت في مكانها واقفة لوهلة تتابع تحركاته بصمت ودقة وما لبثت دقائق حتى لاحظت أنه منهم .. { من أولئك الذين يعتبر حتى الاقتراب منهم محظورٌ عليها ّ! } .. ولكن هناك هالة ساحرة تنبعث منه ! ، هناك شيءٌ قوي يشدها إليه ، لآ تستطيع مقاومته أبداً ، أطرقت برأسها وصرخ ذلك الصوت من أعماقها ..
يتبع ||~
المفضلات