كفكرةٍ عامة هو الحكم بتقدير النص الأدبي أكان شعرياً أو نثرياً وذلك بتقديره تقديراً صحيحاً وبيان قيمته، والكشف عما فيها من عناصر الإبداع وجوانب الجمال أو الرداءة والقوة أو الضعف، ثم إصدار الأحكام النقدية المناسبة على تلك الأعمال المطروحة.
لقد تمتْ بفضلِ الله القراءة الدقيقة لقصة القصيرة (ملامح من ضباب)، والتي كلفنا بنقدها في المرحلة الأولى من مسابقة قلاعٌ شيدتها الأقلامُ.
لقد كانت القصة جيدة جداً وممتعة ،وأحيي من مكاني هذا الكاتبة بون بوني على ما قدمته لنا فيها.
...لنبدأ الآن في نقدها...
لنقد أي قصةٍ قصيرةٍ لأبد من دراسةِ جميع معطياتها وعناصرها التي ترتكز عليها..ونستهلها :
1-العنوان:
-لم يرتقي العنوان للمستوى المطلوب ،وحتى مع كونه يحمل نوعاً من الغموض والتشويق،ولكنه كان بحاجةٍ إلى شمولية أكثر وفصل بحد ذاته عن الالتباس ،ومرتبط بمضمون القصة في آن واحد.
هنا مثلاً :
-"مجرد أقنعة وملامح ضبابية لا يمكن التكهن بما خلفها"
-حيث قصدت بالملامح الضبابية لتلك الملامح التي سرعان ما تختفي من الوجوه ،لدلالة على هشاشة الصور المحيطة بنا وعدم اتضاحها ،لما تكنه في دواخلها ،وهناك مشهد في القصة يصف فيه مكان المقابر وانتشار الضباب في تلك المنطقة.
ولهذا الملامح الضبابية التي قصدتها الكاتبة والتي تخفي خلفها النفس الكاذبة والمخادعة،وقد تشبه هذه الصورة ،الصورة التي تكونت لرؤية إدوار لصورة أمه في وسط الضباب ،بالرغم من وصفه لها بضوءٍ ظهر ثم وضحت رؤيته،وهناك صورة أخرى أوردتها الكاتبة وهي الرؤية الضبابية لعالم المحيط بنا ،مما يؤدي لعدم استيضاح رؤية عقولنا لجمال المحيط بنا ،كل هذا الصور الموضوعة بالقصة قد تسبب الالتباس.

2-الجانب السردي :
لقد كان سردها جذاباً ومميزاً ،واستخدمت أسلوب رائع في سرد القصة من حيث الوصف والتشبيهات والأفعال التي زجت فيها ،لتوصل القصة بأحلى الصور ..
*لمست تكرار لكلمة بلطف في القصة ،والأفضل استخدام كلمات أخرى مقاربة للمعنى نفسه مثل برقة بحنان ..
وهنا الأمثلة على التكرار :
-"نظر حوله بدهشة ثم تنهد بلطف"
-"اقتربت يداها الدافئة لتعانق وجه ابنها الذي أغرقه الدموع لتزيلها بلطف"
-بعض الجمل احتاجت لتعديل لتظهر بشكل أفضل مثل :
" شاب ثائر يرمق من ينظر إليه من الحضور بذهول نظرة حاقدة بعينيه سوداء اللون"
الأفضل :
"شاب ذو عينان سوداوان يرمقُ بحقدٍ من ينظر إليه من الحاضرين المذهولين من تصرفه"

"ما هي إلا لحظات حتى وصل الشرطة وأحاطوا بالمكان"
الأفضل :
"ما هي إلا لحظات حتى وصلت الشرطة وأحاطوا بالمكان "

"لا يوجد فيها سوى سرير بمنتصفها غطاه فراش أبيض"
الأفضل:
"لا يوجد فيها سوى سرير غطاه فراش أبيض ينتصف الغرفة"

"وما هي إلا لحظات معدودة حتى أحاط سيل الدماء بذلك الجسد المترامي على الأرض معلناً مفارقته للحياة"
الأفضل :
"وما هي إلا لحظات معدودة حتى أحاط سيلٌ من الدماء على ذلك الجسد المترامي أرضاً معلناً مفارقته للحياة"

"ارتجف جسده وشعر بقشعريرة تسري داخله"
الأفضل:
ارتجف جسده وشعر بقشعريرة تسري بداخله
"شخصت عيناه وهو يسمع بتلك الكلمات التي تتفوه بها والدته وكأنها رصاصة أخرى تسرق منه آخر ما تبقى من عمره"
الأفضل:
"شخصت عيناه وهو يسمع بتلك الكلمات التي تتفوه بها والدته وكأنها رصاصة أخرى تخطف منه آخر ما تبقى من عمره"
*الخطف برأيي أفضل من سرقة شيء من دون انتباه ،كما أن الخطف أقوى من السرقة هنا كونه يضخم المشهد ويدمجك أكثر بمدى ذهوله ودهشته من رد أمه.

"تصور لقد استمرت أكثر من خمس ساعات ، لكن الحمد لله جرحك كان سطحي"
إن كان جرحاً سطحياً كما قالت ،لما استهلك كل هذا الوقت لمعالجته ،ولما ظهر إدوارد بتلك الصورة المرعبة من شاشات لفت جسده وأبر وأنابيب ،لفظ سطحي كان لابد أن يحذف لكي لا يشوه المشهد الذي تولد في عقولنا.

هذا المشهد:
"عينيه وصولاً إلى فمه وكامل وجهه"
الأفضل:
عينيه وصولاً إلى معظم وجه.

هذا المشهد:
"اقتربت يداها الدافئة لتعانق وجه ابنها الذي أغرقه الدموع لتزيلها بلطف.."
الأفضل:
اقتربت يداها الدافئة لتعانق وجه ابنها الذي (أغرقته) الدموع..

هذا المشهد:
"وهي تقول له: استيقظ يا بني! لم يقسوا عليك سوى نفسك"
الأفضل:
وهي تقول له: استيقظ يا بني! لم تقسوا عليك إلا نفسك..

"ونسيت العيش وسط الجانب الذي تتمنى العيش داخله"
الأفضل:
نسيت العيش وسط الجانب الذي تتمنى العيش بداخله

"فعالمنا بمثابة ميزان عدل"
الأفضل:
فعالمنا بمثابة ميزان عادل

"بسبب ما التف حول جسده"
الأفضل :
بسبب ما تم غرسه في جسده من أبر وتثبيت بعض الأنابيب.

"بكل ما أوتي من قوة للمتابعة"
الأفضل:
بكل ما أوتي به من قوة للمتابعة

*موضع في القصة لم استسيغيه جيداً ،وهو قبض الشرطة على إدوارد ثم وضعه بالمستشفى وتركه بتلك السهولة بعد نصيحة الطبيب،كان لأبد أن يأخذ إدوارد بعض الوقت لتستقر نفسيته ثم يسمح له بالخروج مرة أخرى بعد تقرير الطبيب، وأذن الشرطة له.
3-الجانب الوصفي:
الوصف كان جميلاً جداً ،ولكن مع افتقار بعض مقاطع القصة لترادف الكلمات التي تحمل ذات المعنى ،و وصف مشاعر إدوارد بشكل أكبر،وجنونه وكره لعالم وصراعه النفسي الداخلي .
هنا بعض المشاهد التي تميزت فيها في الوصف:
" أغطية ترامت على تلك الأراضي التي غطاها الرخام الفاخر ،وقد لطختها ألوان تلك العصائر بشتى أنواعها".
"أطعمة وحلوى أصبح مصيرها الترامي كجثث القتلى في معركة دامية"
"إنه الفجر ..حينما تبدأ هالة من الضباب تحيط بالمكان وكأنها استحوذت عليه وجعلته مقراً لها, هواء بارد يتوغل المكان بهدوء تارة يصحبه هجوم عاصف تارة أخرى محدثاً هزيز الريح المعتاد"

هذا المشهد:
"جثى الطبيب على ركبتيه بعد أن أصبح على مقربة من إدوارد.."
وضعية الاقتراب من إدوارد على كونه طبيب لم تكن مناسبة بنظري ،كون أن الطبيب يعالج مريضاً كان قبل لحظات من مجيئه للمستشفى يهدد الجميع بمسدس،وهنا وضعية الطبيب لمريض الناقم على العالم والشرس هو المحافظة على مسافة مناسبة معه ،والالتزام بالحزم والحكمة في الحديث معه .
ولهذا وضعية الوقوف على مقربة منه لكانت أفضل ،أو الجلوس على السرير ،ليكون مشهد الرؤية بينهما من أعلى وهو الطبيب إلى الأسفل وهو إدوارد.

وهذا المشهد:
"ضوء من بعيد يقترب، حاول النظر نحوه على الرغم من شدته ، ثم رسم على وجهه ابتسامة عريضة حيث التفاؤل والفرح سيدها، ولم يلبث حتى ركض مسرعاً نحوه وهو يقول: أمي، أنا هنا..."
هذا المشهد كان يفضل صقله بشكل أكبر،والسبب هو الالتباس هل كان إدوارد يركض نحو أمه في حلمه ؟!! أو يركض في الحقيقة بعد تلك الطلقة النارية على صدره وخروج كل الدماء من جسده،رغم إن ذلك غير منطقي مطلقاً..
ولهذا كان لابد من تعريف القارئ إن ما يراه إلا مجرد حلم بعد دخوله بإغماء وفقده للوعي أو رسم أي صورة نشاء، المهم توضيحها بشكل أكبر،حتى لا يشتت القارئ ويندمج فيما يقرأه.

هذا المشهد:
"أخذ يدور حوله كالمجنون باحثاً عنها، هنا وهناك يمين ويسار أعلى وأسفل"
يبحث عن طيف أمه في جهات محددة يمين ويسار وأعلى ولكن أسفل فلا اعتقد أن الطيف سيجده تحت قدميه لأنه لم يضيع شيئاً ملموساً ..

4-الجانب الحواري :
لقد كانت الحوارات مناسبة وجيدة ..ولكن بعض الحوارات كانت مبهمة .
مثل:
"جثى الطبيب على ركبتيه بعد أن أصبح على مقربة من إدوارد , ثم أجابه بلهجة مستنكرة : مجرم! وهل يعتبر شخص يدمر بيته مجرماً؟ هل على شخص يحاول قتل زوجته أن يكون مجرماً؟ هل شاب ثري مثلك حوله كل ما يريد يمكن أن يكون في عداد المجرمين؟"
لو كان هذا رد الطبيب لإدوارد فكان يفضل سؤاله:
مجرم! إلا يعتبر شخص يدمر بيته مجرماً؟ أليس من يحاول قتل زوجته سيعتبر مجرماً؟ هل شاب ثري مثلك حوله كل ما يريد يمكن أن يكون في عداد المجرمين؟"

وهذا الحوار أيضاً:
وقبل أن يغادر طلب منه إدوارد الرحيل , ومع الرفض التام الذي أصر عليه الطبيب قال له: طلبت مني أن أتحدث إلى أحدهم , وأظنني أعرف الشخص المناسب.
طلب منه الرحيل مع الرفض التام الذي أصر عليه الطبيب،لم أفهم سوى أمر واحد هو أنه سيقبل نصيحة الطبيب!

ردت عليه مباشرة بعفوية: أنا ساندي ، لقد كنت إحدى تلميذات المعلمة كريستين في المرحلة الإبتدائية ، في الحقيقة هذه الورود كنت أنوي أن أضعها لها أمام مقبرتها فهي تحب هذا اللون لكنني وجدتك هناك مغرقاً بالدماء فطلبت الإسعاف.
هذا الحوار كان ينقصه الضبط ،والسبب إنه بعد سؤال إدوارد لساندي من هي؟مباشرة عرفت عن نفسها،ولكان إخباره في أي مرحلة دراسية هي ليس منطقياً ،لو كانت اكتفت بتعريف نفسها ثم أخبرته بعدها بعبارة وأكملت حديثها كيف وجدته والسبب من وجودها في أرض المقابر،وما عملت بعد ذلك،لكان أحسن.

5-الأحداث:
الأحداث كانت مرتبة ومتسلسلة بطريقة رائعة .
يُرجى عدم الرد
المفضلات