مشاهدة النتائج 1 الى 4 من 4
  1. #1

    دروبُ الشّهدِ والعلقمْ.. ( رواية ) [ أنا أَم أولئكم ؟ ]


    attachment

    أسأل الله تعالى أن تكونوا جميعًا بخير روّاد قسم القصص والروايات وزوّاره ^^

    إليكم أولى مُحاولاتي السَّردية التي أنشرها على الصفحات المكساتية : رواية "
    دروبُ الشّهدِ والعلقَم "

    هذه الرّواية مُشاركة في :
    مُسابقَة - أنَا أمْ أولئكُمْ ؟!

    أُهديها للأحبّة الذين أسألُ الله لهم أيامًا أحلى من الشهد : أهلي وأنتم ^_~

    كلّي أملٌ بأن تكون ذات فائدة، قبل أن تُغدق على قرّائها المتعة.. إن شاء الله !

    ملاحظة!
    هذا الموضوع مخصص لوضع فصول الرواية فقط.

    تفضلوا بإضافة آرائكم وتعقيباتكم هناك :
    بيني وبينكم .. " حول روايتي : دروبُ الشّهد والعلقم "

    اخر تعديل كان بواسطة » Fyonka في يوم » 10-07-2012 عند الساعة » 18:41


  2. ...

  3. #2

    |[ مُقدّمة ..

    attachment





    رفقًا بنا يا دنيا ..
    رفقًا بقلوبٍ أضنتها دروبكِ الوعرة حتى أوقعتها..
    وتشابكت خيوطك حول أعناقها حتى أهلكتها..

    رفقًا بنا..
    إنّا استحالَ الشهدُ في فمنا لأنواع المرارْ..
    ها أظلمت طرقاتُ ممشانا ،
    إلى أين المسارْ؟

    رفقًا بنا..
    دُلّي بقايانا على سبُلِ الفرارْ..





  4. #3

    |[ الفصل الأول / يومٌ للنّسيانْ ...


    attachment

    ها هي الشمس كعادتها، تُطل من الأفق مرسلةً أنوارها إلى منازل المدينة، قبلاتٍ صباحية تُطبع على كل جبينٍ دونما استذئان.
    لكنها المرة الأولى التي لا تتخلل فيها الأنوار ستائر تلك النافذة المحاطة بالزهر.
    النافذة التي وارت عن أعين الشارع وجهين هُما الأكثر سعادةً في اعتقادِ الناس كما كانا يبدوان دائمًا،
    والأكثر تعاسةً كما تقولُ الحقيقة المرسومة الآن على خدّ مايا..
    ودروبُ الدمع لا تكذب..


    إنها المرة الأولى التي تتربّع فيها الشمس صفو السماء كما تفعلُ في أيّ يومٍ من أيام حزيران،
    دون أن تقتطع من دفئها جزءًا تدفع به رجفة قلب مايا وتجمّد الدم في عروق ياسر.
    لم تكن الشمسُ وحدها القاسية آنذاك، بل الستائر أيضًا، حين منعت عيونهم رؤية الفجر .. كأنها حرمتهم النور كي لا يروا تفاصيل هذا اليوم جيدًا.
    كأنها أرادت أن تهمس في آذانهما دونما العالم أجمع أنْ:
    "
    هيّا اخلدا للنومْ ... فإنّ يومكما هذا يومٌ آخر للنسيان .."

    لكنّ محاولات الستائر في بث ظلمة الأجواء لم تكن ذات فائدة.. فما كان لياسر ومايا أن يهنآ بغمضة جفنٍ الآن، بعد أن خسرت دنياهما حلاوتها.
    صحيحٌ أن الحزن كان يميل برؤوسهم المثقلة بالهمّ كمن يريدُ الاستسلام للنوم؛ إلا أنّ القلق كان ماكثًا لا يعرف الرحمة، فمنعهما من أيّة إغفاءة.



    أمضيا الليلة في غرفة الجلوس على أريكتين متقاربتين، قريبًا من الهاتف، وكلّ منهما ممسكٌ بهاتفه المحمول أيضًا، كممسكٍ كنزًا يخافُ ضياعه.
    أطراف مايا كانت ترجف بسرعةٍ لا يجاريها البصر، حتى أن النّاظر من بعيد ما كان ليستطيع تمييز شكل المحمول في يدها..
    أدارت بصرها نحو ياسر وبصوتٍ شابه الحزن والانكسار أخذت تسأل:
    - كم تبقّى؟
    تنهّد ياسر تنهيدةً عميقة قبل أن يجيبها:
    - ساعتان.. بقي لاكتمال الوقت ساعتان
    فتبدّد جو الهدوء الذي كان سائدًا بكلام مايا التي بدت كالمجنونة حين قالت:
    - ولِمَ تتحدث كما لو أنها ثوان ؟!! أجننت ! إنهما ساعتان !!
    - أنا لم أجن يا مايا ! لكنّ ليس بوسعنا الآن فعل شيء غير انتظار مرور هاتين الساعتين لتكتمل الأربع وعشرون ساعة..
    هوني عليكِ، كل الأمور ستكون بخير بإذن الله..
    كان ياسر يتحدث بهدوء يتخلله الحزم، وهو يوجه نظره للحائط دون الالتفات نحو مايا مما زاد انفعالها، فردّت:
    -بل جننت يا ياسر !! تتحدث كأنك لا تدري ما الذي يمكن أن يحدث لشهد خلال هاتين الساعتين ! أفديها بروحي ! كفى والله لن أنتظر أكثر !!
    قالت عبارتها تلك وهمّت بالوقوف، كما لو أن يدًا غريبةً مدّتها بجرعةٍ من القوة فجأة، لكنّ يد ياسر أمسكت بها لتمنعها من إتمام النهوض، وهو يقول زاجرًا:
    -اجلسي.
    - دعني! ما أنا بجالسة !
    -قلت لكِ اجلسي.
    - وقلت لك دعني ! دعني أذهب لاستعادة ابنتي!
    ألا يكفي أنني تحمّلت رغبتك في الإنصات للشرطة وانتظار مرور 24 ساعة قبل التبليغ عن أمر اختفائها؟
    ضحّيت بالوقت لأجل ثقتي بك وها أنت ذا تجلس كغير مكترثٍ بشيء!
    دعني ! دعني ! فقد تحمّلت عواقب قرارتك وأخطائك بما فيه الكفاية يا هذا!

    أخذ الدم يغلي في عروق ياسر فور سماعه لعبارتها الأخيرة، ولم يستطع كبت ما به من غضب وغيظ.
    فنهض سريعًا ووجّه يدّه الأخرى نحو طريق الماء والملح هناك، على خدها. لقد صفعها ..
    وكانت تلك صفعةً من لهب، لم تحرق خدّ مايا بل قلبها أيضًا. فبقيت واقفة لثوان ثم سقطت فجأة حيث كانت تجلس من قبل، لكنّها هذه المرة مُلقاةٌ دون أدنى حركة.

    ياسر المشتاط غضبًا لم يأبه بالذي فعله أو بالذي حدث لها، وأخذ يُكمل دفق غضبه عليها بقوله:

    - تحمّلتِ أخطائي؟ من ذا الذي تحمّل الآخر يا مايا؟ أخبريني!! أليس كلّ ما يحدث لنا الآن بسببك أنت؟
    هل كنت أنا مَن فرّط بالغالية شهد ؟! هل كنتُ أنا من تركها للشارع غير مهتمٍ بما قد يحدث؟!
    حين تحبّين أحداً لا تفقديه لتتفاني بعد ذلك في محاولة استعداته ! جديرٌ بك ألا تتسببي في فقدانه من الأساس!!
    أتدرين ماذا؟ صمتًا مايا! فإنّ تمثيليتك هذه لادّعاء الاهتمام والمحبّة تشعرني بالغثيان.



    ظلّت مايا تحدق بالأرض دون أن تنبس ببنت شفة، لم تحاول الرد بشيء، فكلّ ما يجري منذ الأمس حتى الآن بدا كحلمٍ لا يُمكن له أن يكون واقعًا.
    التزمت مايا الصمت فساد الصمتُ فجأة ، والحقيقة هي أن كلّ شيء رافقهم آناء ذلك كان مفاجئًا.
    الغضبُ والصراخ واللوم والزجر والضرب كل أولئك ضيوفٌ جدد غرباء، لم يطرقوا بابهما من قبل أبدًا.

    ساد الصمت وياسر لا يزال واقفًا، ولا زالت الأريكة تحملُ ما تبقّى من مايا.
    لكنّه استمر لدقائق فقط قبل أن قال لها ياسر وهو يدير ظهره نحوها:
    أنا أنتظرك في السيارة.
    ثمّ انحنى ليأخذ هاتفه المحمول الذي قد احتضنته السجادة إثر وقوعه، وأسرع بترك المنزل مُغلقًا خلفه الباب، بشدةٍ زلزلت النوافذ.
    أمّا مايا فما كان منها إلا أن استلمت لدقّات قلبها النابضة بمحبّة شهد ، والتي أخبرتها أن تذهب معه الآن ، ولتؤجل العتاب والكبرياء لما بعد.
    قامت وارتدت أية عباءة كانت في طريقها نحو باب المنزل ووضعت أي شيء على رأسها قبل أن تركب السيارة بجوار ياسر، ليعود الصمت من جديد.



    وهم في السيارة في طريقهم نحو مركز الشرطة أخذت الذكريات تنهالُ عليهم كشلالٍ من الصوّر والأصوات والأفكار حبيسة الذهن..
    لكنّه شلالٌ يجرفُ مشاعرهم ليصبّ في مكانٍ واحدٍ فقط وهو الألم.
    ها هي ابنتهم الوحيدة شهد بعيدة عنهم، لا يدرون أحية تكون أم ميتة.. لا يعلمون الآن أية أرض تطأ قدمها وأية سماءٍ تُبصر عينها..
    ولو أنّها قادرةٌ على النطق لكان الحالُ أرحم! فهي فوق ضعفها ورقّتها وصغر سنّها لا تستطيع للحروفِ نطقًا..

    أخذت مايا تتذكر أيام كانت لا تزالُ طفلتها بعمر الثلاث سنوات، وهي تلفظُ الكلمات كمن يختطف الحروف من الهواء اختطافًا، فتنطق حرفًا وتترك ألفًا،
    لتنتج جملاً رقيقةً تجمعُ براءة الطفولة ونشاطها في آن.
    لا زالت تذكر حينما كان ياسر يُناديها بغاية المزاح مع شهد فيقول:
    - مايااا .. هل تعلمين ما اسم حبيبتي؟

    فتترك شهد الألعاب بين يديها لتركض نحوه قائلةً :
    أناااا
    فيردّ:
    أنااا ماذا؟
    لتُجيب :
    أناا ثهودة ..ماما حبيبتي بابا حبيبتي !
    فتعلو ضحكات أبويها عند سماعها ..
    لم تكن تُفرق في الضمائر بينهما لأن قلبها الصغير لا يدرك بعد ما الفائدة من التفريق في الألفاظ .. كانت تستخدم الكلمة ذاتها، لأنها تدرك أنها تحبهما بالقدر ذاته.. تحبّهما جدًا..
    وما كان ليخفى على أحد أنهما يحبّانها حبًا جمًا.. حتى أنّ شجارها مع ابن جارتهم هناء الذي انتهى بضربةٍ على رأسها أفقدتها القدرة على النطق ما زادهم إلا تعلقًا بها ..
    كأنّ صمتها الذي رافق جمالها ورقّتها قد صبّ من المحبّة والعطف في قلوبهما قدرًا جديدًا، رغم حزنهما على ما آلت إليه حالها..
    قد كانت ابتسامتها المرسومة دائمًا تضفي على حياتهم مذاقًا أحلى من السكّر.. مذاقًا شديد الحلاوة .. كفيلاً بجعلهم يشعرون بالمرارة حال فقدانها..

    أما الآن ، فاللومُ كلّ اللوم على مايا. كانت شهد برفقتها قبل أن تغيب عن الأنظار ويحدث ما حدث.
    حيث نوت بالأمس أن تصحبها معها إلى مقرّ عملها في متجرها، متجر ترادسكانتيا للملابس والمجوهرات.
    فاستيقظت وأيقظتها معها وجّهزتها للخروج معها، معتنيةً بمظهرها لتبدو كأميرات قصص الأطفال.
    لابد أن تبدو حسنة الهندام إلى جانب حسن ملامحها، فهي ابنة صاحبة المتجر، وكلّ الأنظار ستحوم حولها اليوم، كما يحدث كلما أخذتها إلى حيث تعمل.


    انتهت مايا مما تقوم به وأخبرت ياسر أنهما ستخرجان الآن وأنّهما ربما تتأخران هذه المرة.
    فور خروجهما من المنزل أخذت شهد تشدّ أطراف عباءة أمها بيد وتشير نحو المخبز الذي يبعد بضعة أمتار عن منزلهما باليد الأخرى.
    أكثرت الشد والتلويح بيدها نحو المخبز وهي تُحاول أن تقول شيئًا دون صوت.
    لم تدرِ مايا ما بال ابنتها تمامًا، لكنها خمّنت أنّها جائعة وأنّ لابد لها من أن تشتري شيئًا تسدّ به جوعها؛ فاليوم قد خرجت بمعدةٍ خاوية وهي التي عوّدتها تناول الفطور كل صباح.
    قالت لابنتها :
    حسنًا كما تريدين عزيزتي، هيا بنا إلى هناك.
    ومضت مع ابنتها إلى المخبز مشيرة لها بأن تبقى في الخارج قليلاً ريثما تُحضر ما تأكلانه؛
    فالمكان في الداخل مزدحمٌ بالناس والطعام والروائح وقد خشيت على ابنتها من أن تلوّث ما ترتديه بشيء.

    أمضت بعض الوقت في انتظار دورها وانتقاء ما تُريد شراءه، ثمّ توجّهت نحو باب المخبز الزجاجي لكنّها لم تلمح شهدًا في الخارج.
    دارت حول المحل و هي تقول في نفسها "
    ربما تكون سئمت الانتظار وابتعدت قليلاً ".
    لكنّ الشارع المُقفر إلا من السيارات وأجساد الموظّفين شبه النائمة كان يوحي لها بأن الأرض قد شُقّت وابتلعت شهد!
    هرولت لداخل المخبز من جديد لتسأل العُمّال فيه إن كانوا قد رأوا فتاة بمواصفات ابنتها:
    - هل لمحتم داخل المحل أو خارجه فتاة بطول متر وقليل تقريبًا، ذات شعرٍ بنيّ مضفور ترتدي فستانًا ورديًا؟
    - عذرًا سيدتي لم نرَ فتاةً بهذه المواصفات.

    لا تذكر مايا ما الذي حدث تمامًا بعد سماعها تلك الإجابة.. لا تذكر كم شخصًا أوقفت في الشارع بعد ذلك لتسأله عن ابنتها ..لا تذكرُ كم سيارةً صدر صوت فراملها
    بسبب قطعها المجنون للشوارع المجاورة دون تفكير أو تمهّل! أعمى الذعر عيونها وما عادت ترى سوى خيال ابنتها وهي تبكي وتُحاول الصراخ دون أن يسمعها أحد!
    لكنّ اتصالاً من ياسر، الذي مازال في المنزل وما حان موعد دوامه بعد، قد قطع كلّ ما كانت تشعر به من ذعر فجأة:
    - مرحبًا مايا
    - أهلاً ياسر
    - ما بال صوتك؟
    - لا تقلق ياسر، لدقائق كنت أظن أن شهد قد ضاعت.. لكنني نسيت أن أفكّر في كونها قد عادت للمنزل.. صحيح؟
    - المنزل؟ عمّ تتحدثين؟ لا أحد هنا يا مايا!
    - ماذا تقول؟!!

    كيف استطاعت قدماها أن تحملاها بعد كل ذلك؟ وكم من الوقت مضى قبل أن يخرج ياسرمن المنزل ليرى زوجته تتخبّط هُنا وهُناك ولا يلفظُ فمها غير اسم شهد؟
    لا يهم .. المهم أنّها بحثت كثيرًا وأن ياسر أكثر البحث معها .. لكنّ أحدًا منهما لم يجد شهدًا.
    أخذا يسألان عنها حارس العمارة والجيران وكلّ من وطأت قدماه المكان، فلم يثمر بحثهما أية نتيجة.. كلّ الإجابات كانت تومئ بالنفي والاستغراب.
    ومن ذلك إجابة جارتهما هناء التي وَجّه لها ياسر السؤال فقالت:

    - ويلي ! ما معنى أنكما تبحثان شهد ؟! آباء آخر زمن!! أين كنتما !! أين كانت عيونكما ؟!!

    قد علما أنّ سؤالها ما كان ينتظر الإجابة، وأنّها ما قالت قولها إلا بداعي اللوم بالتقصير في وقت غير مناسبٍ أبدًا،
    فما كان منهما إلا أن تجاهلاها ليسألا غيرها وغيرها وليتّصلا أخيرًا بالشرطة..
    رد الشرطي بصوتٍ غير مبالٍ بما يقال :
    -عليكما انتظار 24 ساعة قبل أخذ فكرة اختفاء ابنتكم على محمل الجد. اذهبوا وتأملوا ساعة حائطكم جيدًا،
    وحين تصلُ العقارب لما يماثل الساعة الآن من يوم الغد اتصلوا بنا.


    كان الكلامُ قاسيًا وفي الوقت ذاته صحيحًا.. فإن من المعروف أنّ عليهما الانتظار لتلك المدّة قبل الإبلاغ.. لكنّهما لم يقفا مكتوفا اليدين..،
    بل قاما بإخبار أفراد عائلاتهما والاتصال بهم كي يشارك الجميع معهما في عملية البحث. استمرّ بحثهم طوال النهار .. وانتهى أخيرًا باليأس والفشل
    وألقى بجسدي مايا وياسر آخر المساء في غرفة الجلوس وحدهما برفقة الحزن والقلق،ينتظران مرور الوقت فقط..
    حتى يحين موعد إخبار الشرطة بأن الفترة قد انقضت، فيحاولا استعادة ابنتهما من جديد.


    كان ذلك يومًا بألف عام.. لكنّهما الآن يركبان السيارة، في الطريق نحو مركز الشرطة، وشيءٌ من الأمل قد نمتْ براعمُه في قلوبهم ..
    فإن كلاً منهما يشعر أن رجال الشرطة أبطالٌ يُمكن الاعتماد عليهم، وأنهم سيعيدون لهم فلذة كبدهم بلمسة سحريةٍ ما، خاصةٍ بهم..
    أخذهما الغرق في التفكير بعيدًا عن التلفظ بأي شيء، وظلّت هذه حالهما طوال الطريق..

    اخر تعديل كان بواسطة » treecrazy في يوم » 11-07-2012 عند الساعة » 22:32 السبب: بسبب خطأ بالاسم :D

  5. #4

    |[ الفصل الثاني / شيءٌ يُشبهُ الحقيقة...


    attachment

    قُربَ المحكمة حديقةٌ طَوَت ممرّاتُها أسرارَ الناس، سرًا سرًا.. تجيد الإنصات لحديثهم الذي غالبًا ما يكونُ همسًا، وتُفلح في كتمانه دهرًا..
    لكنها لا تستطيع كتمان كل شيء.. فالعبارات التي تخرجُ من الأفواه بصوتٍ مرتفعٍ ليس لها من الكتمان نصيب ..

    تمامًا كالعبارات التي لفظها أنس عاليًا حين قال باستنكار:

    " اختطاف فتاة ثم بحث أبويها عنها ؟! .. بالله عليكم ما شأن هذا بما لدينا هنا؟!!
    أتحدث عن جريمة قتل ثلاثة أشخاص أحدهما وزير سابق، وهنّ تتحدّثن عن قصة على الورق!! ..
    الأستاذ عماد كان مجرمًا حقًا عندما تركني أعمل مع فتيات !
    "

    هذا ما قاله أنس أمام زميلتيه في مهنة المحاماة، بعد أن ضاق ذرعًا بأفكارهما المجنونة - كما يُسمّيها -.
    منى ولجين كانتا تجلسان على كرسي وُضِع في الحديقة، بالقرب منه .. وتَسْمعانِه بالطبع ..

    لم تلقِ لجين له بالاً وظلت تقلب الصفحات التي بين يديها متظاهرة بعدم السماع..
    أما منى سألته على الفور: " ما خطبهن الفتيات يا أنس ؟ "
    أشار إلى قدميه بيديه وهو يقول : " أولاً ها أنا ذا تعبت أقدامي بسبب البقاء واقفًا وترك الكرسي هذا لكما.. لأنكما فتاتان .. "
    ابتسمت منى وردت قائلة: "وجود أولاً يعني أن هنالك ثانياً ؟"
    أكملَ:
    " ثانيًا! تفكيركن الغريب أرهقني! لا يمكن فهمكنّ أبدًا.... لا أدري لماذا تحب الفتيات تعقيد أبسط الأمور ؟!
    أشعر دومًا أنني أستنفدُ نصفَ جهدي في أداء عملي ونصفه الآخر في مجاراةِ جنونكما .. بل وتحمّل عواقبه الوخيمة أيضًا..
    "
    كررت منى بتعجب شابَه شيءٌ من المزاح : " تفكيرنا الغريب؟"
    ألقت نظرة إلى لجين و رأت أنها ما زالت منهمكة بقراءة الورق الذي معها، فعادت لتقول له بصوت منخفض وهي تضع يدها على جانب فمها كمن يقول سرًا:
    "بل الغريب هو أنّك بعد كلامك هذا ما زلت على قيد الحياة يا سيد أنس.."
    عَلِمَ أنس أن منى تقصد لجين بكلامها، فكاد يُقهقه عاليًا، لولا أنه استطاع ابتلاع الضحكة ابتلاعًا لتصبح دون صوت .. كي لا تسمعها لجين!
    لكنّ لجين كانت تسمعهما منذ البدء فسرعان ما قالت:
    " لو كان بوسعي قتلكما أنتما الاثنين لفعلت ذلك منذ حين ! .. ولكن ربما عليّ أولاً أن أتلقّى دورةً تدريبية لدى السيدة ماريا ! "
    ضحك أنس ثم ردّ على الفور : " أفضّل الموت على رؤيتك حينها !! ... ثم ، سيدة ؟! بربكما .. ألا يبدو مصطلح (سيّد) أفضل في التعبير عنها ؟! ..
    أتعلمان؟ أكاد أجزم أن وزير الإعلام ديفيد لم يمت قتلاً ، بل انتحارًا ! بعدما قيل له أن السيدة ماريا.. سيدة !!
    "
    ضحك ثلاثتهم ، ثم قالت لجين وهي تهمّ بالوقوف : " أنا ذاهبة للسيارة الآن، سأنتظركِ هناك منى ريثما أرتب أوراقي، لا تتأخري ... "
    و حيّتهما ومضت..

    بعد دقائق أخذ أنس يسأل منى، وهو يحدّق في خطوات لجين التي كانت تسير مبتعدة :
    " لم أرَ لجين تضحك بشدةٍ هكذا من قبل، ثم إنها بدلاً من أن توبّخني على سخريتي من ملامح السيدة ماريا وهندامها، كما كنت أفترضُ أنها ستفعل، شاركَتْني الضحك! ...
    لا تبدو على طبيعتها .. لقد كان السيد حسن قاسيًا معها.. أليس كذلك؟
    "
    أجابته : " بلى .. كان سيُبكيها خلال الجلسة .. أخذ يسألها بحدّةٍ عن كل التفاصيل.. حتى أنّه سألها عن القصة أيضًا"
    بدت علامات الاستغراب واضحةً على ملامح أنس الذي أصبح حديثه أكثر جدية منذ ذهاب لجين ، فأكمل يسأل:
    " ولكن ما شأن حسن بالقصة؟ ألم يقل من قبل أنّها لا تهمّه في هذه القضية أبدًا ؟ هل يُعقل أن تكون فكرة لجين قد وصلته بطريقةٍ ما؟ "
    قالت: " هذا ما أخشاه ! .. على أية حال ، ليس المهم معرفة كيفية وصول الفكرة.. بل المهم هو ما يعنيه هذا..
    لا شك في أن السيد حسن لن يجعل القصة جزءًا من جلسة المحكمة، إلا إن كان قد وجد فيها خيطًا ما يقوده للفاعل !
    "
    - " وهل من المعقول أن تكون تلك القصة دليلاً؟ ثمّ من ذا الذي قد يرتكب جريمة ثم يكتبُ قصةً يعلم أنها ستقود الشرطة إليه؟ لا يفعل هذا إلا الأغبياء يا منى .. "
    ردّت منى فورًا: " أو شديدي الذكاء يا أنس .. ! "
    - " تعنين : كي يشتت تركيز المحقق وانتباهه ؟ "
    - " أو بغية أن يتحداه ؟ "

    أطبق كلٌّ منهما شفتيه وغرق في التفكير، لكي يعيد النظر في ما قيل ..

    مرّت دقيقةٌ قالت منى بعدها: " أوه، كفى .. هذا الحديث برمّته يبدو كقصص الأفلام الغربية الخالية من المنطقية !
    ثم إن عليّ الذهاب الآن .. لن أدع لجين وحدها أكثر.. عليّ أن أكون قريبةً منها لأكبر قدر ممكن من الوقت..
    أشعر بأنها ما زالت تحت تأثير الصدمة، مهما حاوَلَتْ إثبات العكس..
    ولكنني لا ألومها.. بل معها كل الحق في ذلك.. فقد أُجْبِرَتْ على أن تكون شاهدة في جريمة غير عادية..
    إنّ مقتل أي شخص عن طريق التسمم ليس عاديًا.. فكيف إن كان ذلك قد حدث لوزير من بلد آخر وفتاتين من بلدنا، في الشقة نفسها، في الوقت نفسه؟..
    وعلى من تُلقى تهمة التنفيذ؟؟ على أربعةٍ أحدهم الأستاذ عماد!
    أنت وأنا نعلم أن الأستاذ عماد لم يكن صديقًا لوالدها المرحوم وأستاذًا لها فقط، بل كان مثلها الأعلى في هذه المهنة إن لم يكن في الحياة بأسرها..
    لا يمكن لها تقبّل فكرة أن تكون شاهدة على إجرامه !
    "

    قال أنس : صحيح.. لكنّ عليها أن تعتاد ذلك.. هذه الساحة لا مكان للعواطف فيها..
    - لا يُمكن لفتاة أن تعتاد التخلي عن عواطفها..
    عاد ليسخر من جديد: آه يا رأسي... فتيات !






    attachment





    قبل ذلك بساعتين كانت لجين على منصة الاستجواب.
    تتابع خطوات وكيل النيابة حسن التركي، الذي كانت تسمعُ عنه منذ أولى سنواتها الجامعية في كلية الحقوق، وهو يسير جيئة وذهابًا ببطء..
    بأسلوبٍ كفيل بزيادة مقدار توتّرها في هذا الموضع..
    لكنّه كان يتوقف ويوجّه بصره نحوها كلما أراد أن يسألها سؤالاً ما، ومن ذلك سؤاله لها:

    " آنسة لجين.. بما أنّكِ التلميذة المقرّبة لدى أستاذك عماد وقد تدرّبتِ فترة طويلة على يده،
    هل ترين أن من الممكن أن يقوده ولعه بتقمص عقول المجرمين عند حل قضايا القتل، لتنفيذ القتل بنفسه ؟
    "

    كان الأستاذ عماد واقفًا يسمعهم .. هناك .. خلف قضبان الاتهام..
    بالقرب منه ثلاثةُ يرتدون الرداء نفسه..
    زميله المحامي طارق، و جِني - عاملة النظافة في فندق الماسة، و سيدة الأعمال المعروفة ماريا
    معه ، خلف القضبان نفسها..

    وعلى بعد عدة أمتار منهم كانت لجين.. تنصت لسؤال وكيل النيابة حسن ، وتحملق بعيدًا في وجه أستاذها الذي يبدو شخصًا آخر غير الذي تعرفه..
    تمعن النظر كمن يُفتّش في مكانٍ ما عن شيء أضاعه..
    لقد ضاعت منها الحقيقة.. وربما تجد ما بين قسمات وجهه دليلاً يرشدها إليها .. كما كانت كلماته تفعل بها من قبل..

    لكنها لا تستطيع الحصول على أي شيء الآن .. فقد كان من الصعب معرفة أي شيء من ملامح أستاذ في مثل سنّه،
    بعد أن أسدلت التجاعيد سترها على تعابير وجهه وجعلته خاليًا من أي دليل على الحياة.. إلا النَفَس

    ناجته في سرّها :
    " ها هم يسألونني عنك يا أستاذي.. ماذا عليّ أن أقول ؟
    لا أدري! .. فأنا حتى هذه اللحظة - وبعد أربعة أعوام قضيتها كتلميذة مقربة لك - ما زلت لا أشعر إلا بالحيرة .. عندما يتعلق الأمر بك..
    أخشى أن تقودني هذه الحيرة لإهلاكك في مكاني هذا ..في مكانٍ أكون فيه شاهدًا عليك..
    بماذا عليّ أن أجيب.. ؟ بعقلي أم بقلبي؟ .. أخبرني.. أرشدني.. قل شيئًا!
    "

    لطالما أحبّت لجين قراءة القصص التي تحكي عن مواقف كهذه.. لكنّها لم تكن تظن أنها يومًا ما ستكون جزءًا من قصةٍ كتلك القصص..
    أن تكون جزءًا مهمًا في الدائرة التي تدور حولها المشاكل .. كما تحوم الغربان حول جثةٍ لمصلوب..

    أخذ الدمع يرقص ما بين جفونها .. فغطّى خضرة عينيها.. وكسا بياضهما احمرارًا.. حتى كادت تبدو كلٌّ عينٍ كرةً مضرجةً بالدم..
    إلا أنها عملت جاهدة على أن تبقيهما مفتوحتين كي تقي ذلك الدمع من الهطول..

    وكانت ستفشل في الصمود .. لولا أنّ عبارةً قالها محامي الدفاع أنقذتها مما هي فيه:
    " أعترض سيادة القاضي.. سؤال وكيل النيابة يعتمد على الظن والتخمين"
    سمعت رد القاضي فورًا :- اعتراضك مقبول ، ألغِ السؤال

    شعرت بارتياح .. فأخذت نفسًا عميقًا.. وعادت لتنصت..

    أما وكيل النيابة حسن عاد للسير من جديد، و هو صامت يفكر.. مشى عدة خطوات ثم عاد ليسألها:
    " هل أخبركِ أستاذك يومًا عن حبّه للألغاز ؟ "
    أجابته : أخبرني وأخبر زملائي أن حبه لحل الألغاز أحد أسباب اختياره لأن يكون محاميًا.. نعم

    أردف قائلاً: - و هل كنتِ تشعرين بأنه غريب الأطوار أحيانًا؟
    أجابت بحدّة : كلنا نتصرف بغرابةٍ أحيانًا
    - هل تعني إجابتك هذه (نعم) ؟
    همهمت ثم قالت ببطء : نعم..

    صمت السيد حسن وأخذ يمسح ذقنه بيده وهو ينظر إلى الأرض ثم قال :
    " أين كنتِ الساعة الثامنة مساءً بعد أسبوع من القبض على المتهمين؟ أعني يوم الثلاثاء الموافق لـ 7 يوليو من هذا العام "
    -خارج المنزل
    -قال لنا أحدهم أنّه رآكِ تخرجين من مجمّع تجاري قرب فندق الماسة ، الذي وقعت فيه الجريمة،
    تحملين بعض المشتريات، وبضعة أوراق لم تكن معك أثناء دخولك من بابه ، فهل هذا صحيح؟

    - نعم صحيح..
    -ماذا كنتِ تفعلين هناك ؟
    - لا شيء مهم.. كنت أسير في الأرجاء متأملة الفندق من الخارج ثم رغبت في شراء بعض الحاجيات من المجمّع ..
    - من أين أتيتِ بالأوراق؟ وماذا كانت تحتوي ؟
    - كانت بضعة أوراق وجدتها في أحد مصاعد المجمّع ، بدا أنّ أحدًا ما قد أوقعها.. كانت تحتوي فقرات من قصة ، غير مرتبة ..
    - هل كان واضحًا عنوان تلك القصة؟
    - كانت تحمل عنوانين اثنين في الوقت نفسه : يومٌ للنسيان ، ودروب الشهد والعلقم..

    صمت لثوان ثم قال: هذا كل شيء ، هنا تنتهي أسئلتي.

    أكملت لجين في ذهنها : " و هنا يبدأ الوجع ! "


    اخر تعديل كان بواسطة » *Kyuubi Mimi* في يوم » 21-09-2012 عند الساعة » 13:47 السبب: استبدال كلمة الأصوات بـ العبارات بطلب من الكاتبة

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter