فتحَ عينيهِ بعد أن أزعجهما ضوءُ الشمس الذي تسلل من خلفِ الستارة في غرفته الواسعة، رفع رأسه ناظراً ناحية الباب حيثُ كان أحد
الخدم يطرقه قائلاً: " سيدي.. وقتُ الإفطار.. " أجابَ و الخمولُ لا يزال يطغى على جسده : " أدخِلهُ، أندرِيهْ .. "، ثم قام من مكانه
ليغتسل بينما دخل كبير الخدمِ و هو يدفعُ عربة الطعام، ترك العربة على مقربة من الطاولة المستديرة في الغرفة و بعد أن رتّب الطعام
فوقها اتجه صوبَ الخزانة، أخرج منها بزّة رسمية ذات لون رماديّ داكن و سلّمها لسيّده الذي كان يجفف وجهه بمنشفة بيضاء، تراجع
خطوة للخلف و انحنى قائلاً : " صباحُ الخير سيدي، أرجو أنك حظيتَ بنومٍ هانئ " ، أجابه ( دانييل ) بهدوء : " لا أعلم .. لا أزال
أشعر بالتعب فـ يومُ الأمس كان مشغولاً عن آخره..، أحضر لي جدول مواعيد اليوم أندريه "، أومأ كبير الخدم بـ إيجاب ثم استدار
متجهاً إلى باب الغرفة لكن دانييل استوقفه حين تحدث مُجدداً : " صحيح .. ما أحوالُ ماكسميليان، أتناول فطوره؟ " ردّ أندريه باحترامٍ
شديد : " لقد فعل سيدي "، جلس دانييل على الكرسي المقابل لطاولة الطعام بعد أن أتمّ ارتداء ملابسه ، ثم تكلم أخيراً : " أحضره،
أريده في مكتبي.. " رفع الخادمُ حاجبه متعجباً لكنه أجاب بـ " حاضرْ " و انصرف من الغرفة.
جلس خلف طاولة مكتبه التي وُضع عليها الكثير الأوراق و الملفات بشكل مُرتب، تحدّث إلى الصغير الجالس أمامه: " كيفَ تجري
أموركَ ماكس؟ هل الخدمُ جيّدون معك ؟" أجاب الصغير ( ماكسميليان ) بهدوء و هو خافضٌ رأسه : " أجل سيّدي.. " ، أظهر
دانييل ابتسامة قائلاً: " جميل، حسناً إذاً كيف أحوال الدروس مع الآنسة ماري؟ " ، ردّ الصبي البالغ من العُمر ستّة أعوامٍ بنفسِ
النبرة السابقة : " إنها جيدة سيّدي.. "، أطلق دانييل تنهيدة و قام من على كرسيّ مكتبه و تحرك بهدوء ناحية ماكس، وضع يديه على
كتفيهِ و انخفض ليكون بمستواه، نظر إليه قائلاً: " ألم نتّفق أن تكُفّ عن الرسميات و تناديني بـ أبي؟ صحيحٌ أني لستُ والدك الحقيقيّ
لكن أوراق التبنّي تمّت و صرتَ الآن ماكسميليان د. إليوتْ " رفع ماكس رأسه ناظراً بشيء من التردد إلى عينيّ دانييل ذوات اللون
الأزرق العميق، أجابَ بثقة أكبر : " حاضر سيّد .. أعني .. حاضر أبي ." أطلق دانييل ضحكة صغيرة، ثم أخرج ساعة جيبه الفضية
- و التي نُقش خلفها الحرفُ الأول من إليوت - قائلاً: " إنه وقتُ درسك الصباحي مع الآنسة ماري، اذهب الآن كي لا تتأخر عليها "،
أومأ ماكس بطواعية و قام من مكانه متجهاً ناحية الباب، كان أحد الخدم ينتظره هناك من أجل أن يصطحبه للغرفة الخاصة بأخذِ دروسه.
تناول كوبَ الشاي الأحمر و هو يقرأ جريدة الصباحِ عند الساعة الحادية عشرة كما يفعل عادة، حيثُ يقضي استراحته بعد ساعة من
العمل على الملفات و المعاملات الخاصة بشركةِ إليوتْ التي يُديرها بعد أن ورثها عن أبيه قبل سبع سنوات، سمح لأندريه بالدخول بعد
أن طرق الباب، كان كبير الخدم الذي بلغ عقده الرابع من العمر يحمل بين يده عدداً من الرسائل و الخطابات الموجّهة إلى الإيرل دانييل،
و الذي تحدّث بمللٍ و هو يقرأ ما احتوته تلك الصحيفة : " ضحيّة أخرى تلقى مصرعها في شارع لندن الخامس عشر، و لا يزال سفاح
لندن طليقاً.." ، وضع كوب الشاي على الطاولة و أخفض الصحيفة ناظراً لتلك الخطابات بيدِ أندريه و هو يقول : " أتساءل ما الذي
تفعله شُرطة لندن ؟ هذه الجريمة الرابعة منذ ثلاثة أشهُر و لم يتعرّفوا حتى على هوية هذا القاتل... ، آه أندريه هل من شيء مهم من بينِ
هذه الخطاباتْ ؟ " أجاب الخادم : " كلّها الخطابات المُعتادة عن تقارير العمل للأسبوع، و لكن الآنسة بيرّيت أرسلت لك دعوة لحفلِ
عشاءٍ يُقام يوم الجمعة القادم "، استلم دانييل المظروف المختوم بختم آلِ بيرّيتْ و قال بشيء من الانزعاج: " هه.. تلك الفتاة سيرينا
تمتلك وقتَ فراغ ضخم بحيثُ لا يكادُ شهرٌ يمرّ دون أن تقيمَ حفلاً ما .. أندريه ابعثْ لها ردّاً بأني لن أحضُر، لديّ عملٌ مُتراكم يجب أن
أنهيه قبل حلولِ الربيع..".
- " حاضر سيّدي .." صمت قليلاً لكنه عادَ للكلام : " سيّدي.. الآنسة ماري تنتظر في الخارج، قالت أنها تودّ مقابلتك.."
- " همم ؟ هل انتهى درسُ اللغات بهذه السرعة؟ حسناً .. دعها تدخُل ".
جلستْ تلك المرأة الشقراء ذات الثياب البنفسجية الثقيلة، فالشتاء كان لا يزال بارداً رغم أنه في آخره، رفع دانييل رأسه ناظراً إليها، كانت
تبدو في ريعانِ شبابها رغم أنها تكاد تقترب من الثلاثين، و لربما نظرتُها الحادّة الصارمة المُلازمة لعينيها الواسعتين ذات اللون الأزرق هي
السّر وراء ذلك، تحدّث دانييل رغم أنها كانت بهدوئها و نظراتها تلك تجعله يشعر بشيء من التوتر: " إذاً.. ماذا هُناك آنسة ويليامز؟
هل الأمر شيء بخصوصِ أحوالِ دراسة ماكسميليان؟ ". أجابت بهدوء : " كلا، سيّد إليوتْ، السيّد الصغيرُ مُتعلّم سريعٌ و مُنصتٌ
جيّد، الأمر أنني أودّ طلبَ إجازة.. أو فلنقُلْ أني أعتذر عن مواصلة تلقين الدّروس هُنا.."، رفع دانييل حاجبيه مُتعجباً فسأل: " لماذا؟
للتو قلتِ أن الأمور تجري بشكل جيّد مع ماكس، هل هُناك مشكلة ما؟.. "، أبعدت ناظريها عنه و أخفضت رأسها، قائلة : " إنه
أمرٌ خاصّ سيّد إليوتْ..معذرةً لا يُمكنني ذكرُ شيءٍ عنه لكنّي مُضطرّة لتركِ العمل في هذا المكان. " ظلّ للحظات ينظر إليها و هو يفكّر
ثم أخرج كتيّباً به جدول مواعيده، قلّب بين صفحاته ينظر إلى ما بها ثمّ قال لها: " حسناً أقدّر هذه الظروف آنسة ويليامز، لكن هل
لكِ أن تظلّي مع ماكس حتى أفرغ تماماً له في بداية الربيع ؟ " نظرت إليه مجدداً و أجابت و قد بدا توتّر غريب عليها : " ألا يمكنُ تقديمُ
هذا سيّدي؟ إنه أمر طارئ..! " رفع دانييل عينيه لها بهدوء و ارتياب قائلاً : " كما أسلفتُ آنسة ماري، المفترض أن العقد بيني و بينكِ
مستمرّ حتى الخريف القادم، هذا أولاً ، و ثانياً .. أتساءل إلى أين ستذهبين فأنا على علمٍ تامّ أن لا أقارب لكِ؟" لم تعرف ما تقولُه،
أخفضت رأسها و قد بدا الارتباك عليها، ثم أجابت باستسلامْ : " حـ.. حسناً إذاً .. سأظلّ حتى الربيع فقط.."
مضى بقيّة اليومِ بالروتينِ العاديّ، لكن بمجرّد أن دقّت الساعة عند تمام الخامسة مساءً كانت الشّرطة تملأ أرض مصنع إليوتْ، و
دانييلُ تمّ استدعاؤُه لذاتِ المكانِ حيثُ حدّثه ضابط الشرطة السيد ( جورج ) قائلاً و الدخانُ يتصاعد من غليونه الأسود :
" تقديرُنا لوقتِ الجريمة هو قبل الآن بحوالي ساعة ، الضحية ( مارك جفرسون ) البالغ من العمر 36 عاماً كان يأخذ استراحة غدائه
حسب أقوال زُملائه العاملين هُنا، و بناءً على أقوالك، كانت للضحية علاقة طيبة مع زملائه و لا تعرفُ شيئاً عمّا حدث لأنك كنت
أثناء ذلك في منزلك. " هزّ دانييل رأسه موافقاً على كلام الضابط ثم تساءل: " أليسَ لديكم أدنى فكرة عن هوية القاتل؟ أي دليل ..
أي شيء؟! " ، أخرج السيد جورج الغليون من فمه لينفث الدخان ثم يتكلم : " الضحية لها عينانِ عسليّتان، و شعر بنّي داكن، هذه
أوصاف جميع ضحايا سفاح لندن الذي لم نتعرّف عليهِ بعد.. كم أتمنى أن تقع يداي عليه يوماً ما !"، قطّب دانييل حاجبيه ليقول بشيء
من الغضب: " من الغريب أنكم تجهلون أمره إلى الآن.. أتلعبون أم ماذا؟! "، شعر الضابط بالإهانة فردّ بعصبية: " لا تحكُم علينا بهذا!"
ثمّ تابع و كأنه يحدث نفسه بانزعاج: " ذلك السفاح لا يترك أي أثر خلفه و كأنه يتبخر تماماً.." أخفض دانييل رأسه و غرق في سيل من
الأفكار لكن سرعان ما أخرجه منها ماكس الذي كان منذ البداية في المكان متعلّقاً بثياب أبيه، حيث شدّها و حين نظر إليه وجد في عينيه
الخوف من الأمر، ابتسم بشفقة و ربّت على رأسه قائلاً : " قلتُ لك من البداية أن المكان لن يعجبك لكنّك عنيد.. " تحدّث الضابط
بعد أن كان يتأمل الصغير قائلاً : " أهذا الصغيرُ ابنك؟ إنه لا يشبهك حقاً " فأجابَ الإيرل دانييل : " أجل هو كذلك لكني والده بالتبني
فقط" ، أجاب جورجُ بأن قال : " فهمتُ .. احرص على أن يكونَ تحت ناظريك فهو يحملُ ذات الصّفات المُستهدفة.."، نظر دانييل له
بشيء من التوتر و بعدها أُذِن له بالانصراف بينما تعود الشرطة لاستكمال التحقيق في وقت لاحق.
ليلاً ..
كان في غُرفته يستعدّ للنوم، لكنّ شعوراً غريباً كان يمنعُه من ذلك.. ترك الكتاب بين يديه على السرير حيثُ كان يقرؤه تحت ضوءٍ
خافت، ملتفتاً ناحية النافذة الكبيرة المُطلّة على حديقة قصره الخلفيّة، ثم قامَ من مكانه و اتّجه نحوها، أزاح عنها الستائر ناظراً إلى الظلام
الدامس الذي يغلّف الحديقة، فانعكسَت صورة باهتة له على الزجاج و عيناه سارحتان، فكّر في نفسه : " كم أكرهُ المنظر من هذه النافذة
حينَ يحلّ الليل ، يشعرني بكآبة .. و ذاك الشعور الغريب.. أهو بسببها ؟ منذ وجدتُها كانت فاقدة للذاكرَة ، بذلتُ الكثير حتى أجد ماكس
و أبقيه بالقرب منها بعد تلك الحادثة، الغريب أن ابنَ بارفيتْ ذاكَ كان أول مستهدف في سلسلة ضحايا لندن، و كأن أحدهم انتقم منه
سبب ما فعله بماريان و ابنها .. " قاطع صوتُ جلبةٍ في الخارجِ تفكيرَه، كان مصدرها نباحُ كلابِ الحراسَة و كأنها تتجه نحو هذه الحديقة
الخلفية، شعر دانييل بالقلقِ فـ فتح أحد الأدراج و سحبَ منه سلاحاً أسود و انطلقَ نحو الخارج باتجاه الحديقَة حاملاً معه مصباحاً يدويّاً،
كانت أنفاسُه متسارعة، توقّف حينَ لمعَ نصلُ سكّينٍ بيدِ شخصٍ و تفاجأ حينَ سمع صوتَ ماكس و هو يصرخ خائفاً: " دعيني .. دعيني ! "
اتّسعت عيناهُ حين كاد حاملُ السكّينِ يطعنُ الفتى لكنّ دانييل رفعَ مسدّسه و أطلقَ مسدّداً نحوَ يدِ المجرمِ التي كان قد رفعَها فأصابه
لتسقط السّكينُ من يده و يفلت الصبيّ منه، وقعَ ذلك الشخصُ أرضاً فأمرَ دانييلُ الصغيرَ بأن يبتعدَ و يتّجه نحوَ أندريه الذي وصلَ
بعد أن اتّصل بالشّرطة، ثم اقتربَ من المختطفِ و وجّه الضوءَ لتعتريهِ الصدمَة حين بانتْ معالمُ وجهه له ..
بعدَ فترة من الحادثة، كان دانييل قد طلب مقابلة رئيس الشرطة، و حين دخل إليه دار حديث قصيرٌ بينهما، ليقول بعدها: " سيّد جورج،
أدركُ أن ماري ويليامز قاتلة .. لكن ..." توقّف عن الكلام ليرفع رأسه ناظراً نحو رئيس الشرطة و من ثمّ عاد ليتابع: " سأخبرك بالقصة
منذ البداية، اسمُ الآنسة ماري الحقيقي هو ماريان دبليو إليوت .." قاطعه جورج: " إليوت!؟ "
- أجل، هي شقيقتي الكبرى، و ماكسميليان هو في الحقيقة ابنها، حين انفصلت عن والده آرثر بارفيتْ أخذَ ماكس معه و منعها من رؤيته،
بعدها سافرَ هرباً من الديون المتراكمة عليهِ إلى فرنسا ليتركَ ابنه في إحدى دورِ الأيتام حينَ بلغ عامه الثالث، ثم عاد بدونه بعد أن قضى
له أحدُ أصدقائه شيئاً من ديونه، أخبرني بنفسه بهذا كلّه قُبيلَ أن يُقتلَ و بعد أن عدتُ مباشرة من الهند، حينَ اتجهتُ لمنزلِ أختي عرفتُ
من كبير الخدمِ أنّ أملاكها قد سُحِبت منها و طردَها زوجها، و العربة التي كانت تقلّها و هي تتجه إليّ انقلبتْ فأصابت ماريان رأسها، و
فقدت ذاكرتها لهذا حين وجدتُها اضطررتُ لتسجيلها باسم و هويّة جديدة .. فآرثر ذاك كان قد أحرق أوراقها و نشر خبراً بوفاتِها أيضاً..
- إذاً .. هي بدأتْ سلسلة الجرائمِ بالشخصِ الذي كان يعذّبها.. و تابعت قتلَ كل من حمل صفات السيد بارفيت .. فهمت. و لكن المجرم
يبقى مجرماً مهما كانت دوافعها ، إيرل دانييل ..
نظرَ إليه بشيء من الارتيابِ بينما تحدّثت عيناهُ بـ " ماذا تعني؟ " ، ليتابع السيّد جُورج بما جعل دانييل يعجز عن الكلام:
" تمّ الحكمُ على ماري ويليامز بالإعدامْ صباحَ الغد .. "........................
يتبع ..




اضافة رد مع اقتباس

, و الجو كان كئيب و مظلم في











بالنسبة لأحلامي فهي عشوائية لأبعد الحدود



..
..
.. 
، تنزلي القصه الساعة 3 ... شوفي وين صار مكاني يا بطة
> لا تنتظرين شيء بعد هذا
)جانا

!
xD


المفضلات