- 3 -
دخلت المبنى الكبير الشبيه ببكرة الخياطة و هي تتلفت حولها بعينيها المتواريتين خلف النظارة الشمسية الأنيقة , و بقدم مترددة ولجت سمانثا الباب الدّاخلي و هي ترجو أن لا تغيّر إليغانت رأيها و تأتي للعمل , أو أن تنهي زيارتها بوقت أسرع .
تقدمت من الفتاة المسؤولة عن الاستقبال و سألتها و هي تخفض القبعة الكبيرة على وجهها :
- excuse me أريد مقابلة الآنسة إكلير , هل يمكنكِ أن تدليني على مكانها ؟
- الاسم ؟
- آه ... إنه ...
- خالة سمانثا ؟
التفتت خلفها لتجد إكلير تقف بالقرب منها و هي تحمل دمية عرض ترتدي زيّاً مدرسيّاً أسود اللون , قالت سمانثا و هي تدنو منها و تخفض من صوتها :
- إكلير عزيزتي , أيمكننا الذهاب لأكثر الأماكن انعزالاً هنا ؟ , لدّي موضوعٌ خاص لأتحدث به معكِ .
- موضوع خاص !! آآه بالتأكيد تفضلي من هذا الاتجاه .
مشت بخطواتها الدقيقة إلى حيث أشارت إكلير دون أن تتوقف عن التلفت الذي جعل إكلير تصاب بعدواه لتتلفت هي بدورها ... ودون أن تعلم علام هي تتلفتت بالتحديد !!
فتحت إكلير ضوء الغرفة الصغيرة ثم أفسحت المجال لسمانثا بالدخول .
- آآه أشكركِ عزيزتي .
- على الرحب .
بعد أن جلست إكلير بمواجهتها قالت سمانثا و هي تضع حقيبتها البسيطة بالقرب منها :
- يدٌ واحدة لا تصفّق أليس كذلك حبيبتي إكلير ؟!
- بالتأكيد هذا صحيح
- لذا عزيزتي , أريد منك تعيريني يد العون .
- خيراً خالتي , ما الأمر ؟
ابتعلت سمانثا ريقها و تكلمت بعد أن أزاحت النظارة عن عينيها شقراء الرموش :
- أدري أنها ستجن من الغضب إن علمت بأنني قلتُ ما سأقوله الآن لكنني لا أريد تركها بمفردها ...
- من ؟ أتقصدين إليغانت ؟
هزّت سمانثا رأسها ثم تابعت و هي تلقي به على أصابعها الطويلة بحركة ارستقراطية ورثتها عن عائلتها العريقة :
- حبيبتي إلي إنها لا تقول شيئاً لكن ...
استقامتْ من مكانها ثم أكملت و هي تمسك بيديّ إكلير :
- إنها لا تحب أن تشرك أحداً بمشاعرها لكن ... لكنها رقيقة للغاية , رقيقة حدّ الكسر , إنها أكثر رقةً من الـ Pure Cristal و لذا , فإن عواطفها تظهر من خلالها even without been told
- حقاً , في الحقيقة لقد كانت غريبة في الأيام القليلة الماضية , بالدقة منذ ...
- القميص الرمادي ...
توسعت حدقتا إكلير حتى ظهر لونهما الحقيقي من أطراف العدسات الاصطناعية , ثم قالت و هي تمسك بذقنها مطرقة بعد أن تركت يديها يدا سمانثا :
- هكذا إذا , إنه ذاك الشاب ...
- من ؟ ... من هو ؟ .... من يكون ؟ أيّ نوع من الشبان هو ؟
- حائط متحرك ..
- ماذا ؟ حائط ... تقصدين wall ؟ هل هو سمين لهذا الحدّ ؟
ضحكت إكلير على الصورة التي ارتسمت في خيالها لوصف سمانثا له بالسمين , لكنها ضبطت صوتها و قالت تنفي :
- لا ليس هكذا , بل على العكس تماماً فتقاطيعه المتناسقة الدقيقة تغار منها حتى النحوت الأغريقيّة , لكنه ... أعني أنه ... يبدو أنه ...
أكملت سمانثا جملتها بشيء من الأسى :
- غيرُ مهتمٍ بها البتة .
- و لكم هذا غريب , إليغانت يستطيع جمالها الفاتن أن يُنِطقَ الحجر , لكن لا يبدو أنه يحرّك فيه إحساساً بقيد أُنملة , فهو يحدّثها بلامبالاة تحطم الروح قبل القلب , تماماً كم تفعل إليغانت مع ذاك الشاب الأشقر ...
قالت جملتها الأخيرة باندفاعٍ واضح أحسّت بعده بثوانٍ أنه لم يكن لائقاً أبداً , فابتسمتْ لها سمانثا برقة لتقول بشيءٍ من التعاسة :
- ما أغربها هذه المشاعر !! , إنها كالمطر ... يمكن أن يأتي بأي شيء .
- آسفة ...
- لا عليكِ عزيزتي , فأنتِ لم تقولي شيئاً خاطئاً , أعلم أنّ إليغانت تتصرف بغلظة و أسلوب جارح طوال الوقت , لكنها ... صدقيني هي في الداخل أشدّ نعومةً من وريقات أزهار الكرز اليانعة .
- و إذاً ... ماذا سنفعل ؟
وضعتْ سمانثا سبابتها على جبينها الأوبالي مفكرة ثم ردّت عليها بعد برهة يسيرة :
- يجب أن أراه أولاً , هل لديكم معلوماته ؟
- ربما وجدتي عنوانه في مكتب الاستقبال , فنحن نأخذه لأغراض التوصيل , سأتأكد لك من ذلك .
- أشكركِ عزيزتي إكلير , نظرت لساعة هاتفها ثم تابعت و هي تستقيم بسرعة , اعذريني الآن عليّ العودة فرحيق و رفال سيأتيان من المدرسة بعد قليل و أنا لم أحضر الغداء بعد ...
- رافقتكِ السلامة خالتي .
صافحت سمانثا إكلير بكلتا يديها و أرادت المضي حين توقفت قرب الباب لتقول مخاطبة إكلير و كأنها تذكرت شيئاً للتو :
- ما كان اسمه ؟
- أظن أنه ... ثابت ... آه نعم ثابت وسام .
زمّت سمانثا شفتيها الرقيقتين و قد استرعى الاسم عميق انتباهها , ثم قالت بتمتمة خفيضة :
- ثابت ... وسام
بعد دقائق من الانتظار وصلتْ الحافلة العامة, استقلتها سمانثا على عجلٍ و حديثها مع إكلير يعاد شريطه برويّة في رأسها , " هناك أمرٌ غريب " كانت ترددها حتى جلست بالقرب من النافذة ليعبر ذاك الموقف رأسها من جديد ...
وقتها كانت إليغانت قد وصلتْ عتبة الباب , توقفت لتسرح عيناها في اتساعهما و أرضية الغرفة , كانت تلك هي ذاتها النظرة ... النظرة التي تجعل كلّ عرق فيها ينتفض كمن أصابه مسٌّ من الجنون , النظرة التي تعلم يقيناً ما هو المعنى المختبأُ خلفها , النظرة التي كانت تدرك في قرارة نفسها وجهها الآخر .
وقفت إليغانت , و على ثغرها ابتسامة جافّة أبعد ما تكون عن الابتسام , لتقول و كأن صوتها قادم عبر ألآلآف الأميال :
- أنا أعلم بأمر " هارش " ...
لكن كيف ؟ و متى ؟ ... لِم تعلم إليغانت بأمر هارش ؟
" يا إلهي الغفور " قالتها سمانثا بتوسل خاشع و هي تجمع يديها المرتجفتين في حجرها , و تلقي برأسها على زجاج النافذة الذي اعتمته الأغبرة الداكنة !




اضافة رد مع اقتباس







نسيت الأسم !! أخ إكلير الصغير ..



.

المفضلات