الصفحة رقم 12 من 15 البدايةالبداية ... 21011121314 ... الأخيرةالأخيرة
مشاهدة النتائج 221 الى 240 من 287
  1. #221
    - 3 -


    دخلت المبنى الكبير الشبيه ببكرة الخياطة و هي تتلفت حولها بعينيها المتواريتين خلف النظارة الشمسية الأنيقة , و بقدم مترددة ولجت سمانثا الباب الدّاخلي و هي ترجو أن لا تغيّر إليغانت رأيها و تأتي للعمل , أو أن تنهي زيارتها بوقت أسرع .
    تقدمت من الفتاة المسؤولة عن الاستقبال و سألتها و هي تخفض القبعة الكبيرة على وجهها :
    - excuse me أريد مقابلة الآنسة إكلير , هل يمكنكِ أن تدليني على مكانها ؟
    - الاسم ؟
    - آه ... إنه ...
    - خالة سمانثا ؟
    التفتت خلفها لتجد إكلير تقف بالقرب منها و هي تحمل دمية عرض ترتدي زيّاً مدرسيّاً أسود اللون , قالت سمانثا و هي تدنو منها و تخفض من صوتها :
    - إكلير عزيزتي , أيمكننا الذهاب لأكثر الأماكن انعزالاً هنا ؟ , لدّي موضوعٌ خاص لأتحدث به معكِ .
    - موضوع خاص !! آآه بالتأكيد تفضلي من هذا الاتجاه .
    مشت بخطواتها الدقيقة إلى حيث أشارت إكلير دون أن تتوقف عن التلفت الذي جعل إكلير تصاب بعدواه لتتلفت هي بدورها ... ودون أن تعلم علام هي تتلفتت بالتحديد !!
    فتحت إكلير ضوء الغرفة الصغيرة ثم أفسحت المجال لسمانثا بالدخول .
    - آآه أشكركِ عزيزتي .
    - على الرحب .
    بعد أن جلست إكلير بمواجهتها قالت سمانثا و هي تضع حقيبتها البسيطة بالقرب منها :
    - يدٌ واحدة لا تصفّق أليس كذلك حبيبتي إكلير ؟!
    - بالتأكيد هذا صحيح
    - لذا عزيزتي , أريد منك تعيريني يد العون .
    - خيراً خالتي , ما الأمر ؟
    ابتعلت سمانثا ريقها و تكلمت بعد أن أزاحت النظارة عن عينيها شقراء الرموش :
    - أدري أنها ستجن من الغضب إن علمت بأنني قلتُ ما سأقوله الآن لكنني لا أريد تركها بمفردها ...
    - من ؟ أتقصدين إليغانت ؟
    هزّت سمانثا رأسها ثم تابعت و هي تلقي به على أصابعها الطويلة بحركة ارستقراطية ورثتها عن عائلتها العريقة :
    - حبيبتي إلي إنها لا تقول شيئاً لكن ...
    استقامتْ من مكانها ثم أكملت و هي تمسك بيديّ إكلير :
    - إنها لا تحب أن تشرك أحداً بمشاعرها لكن ... لكنها رقيقة للغاية , رقيقة حدّ الكسر , إنها أكثر رقةً من الـ Pure Cristal و لذا , فإن عواطفها تظهر من خلالها even without been told
    - حقاً , في الحقيقة لقد كانت غريبة في الأيام القليلة الماضية , بالدقة منذ ...
    - القميص الرمادي ...
    توسعت حدقتا إكلير حتى ظهر لونهما الحقيقي من أطراف العدسات الاصطناعية , ثم قالت و هي تمسك بذقنها مطرقة بعد أن تركت يديها يدا سمانثا :
    - هكذا إذا , إنه ذاك الشاب ...
    - من ؟ ... من هو ؟ .... من يكون ؟ أيّ نوع من الشبان هو ؟
    - حائط متحرك ..
    - ماذا ؟ حائط ... تقصدين wall ؟ هل هو سمين لهذا الحدّ ؟
    ضحكت إكلير على الصورة التي ارتسمت في خيالها لوصف سمانثا له بالسمين , لكنها ضبطت صوتها و قالت تنفي :
    - لا ليس هكذا , بل على العكس تماماً فتقاطيعه المتناسقة الدقيقة تغار منها حتى النحوت الأغريقيّة , لكنه ... أعني أنه ... يبدو أنه ...
    أكملت سمانثا جملتها بشيء من الأسى :
    - غيرُ مهتمٍ بها البتة .
    - و لكم هذا غريب , إليغانت يستطيع جمالها الفاتن أن يُنِطقَ الحجر , لكن لا يبدو أنه يحرّك فيه إحساساً بقيد أُنملة , فهو يحدّثها بلامبالاة تحطم الروح قبل القلب , تماماً كم تفعل إليغانت مع ذاك الشاب الأشقر ...
    قالت جملتها الأخيرة باندفاعٍ واضح أحسّت بعده بثوانٍ أنه لم يكن لائقاً أبداً , فابتسمتْ لها سمانثا برقة لتقول بشيءٍ من التعاسة :
    - ما أغربها هذه المشاعر !! , إنها كالمطر ... يمكن أن يأتي بأي شيء .
    - آسفة ...
    - لا عليكِ عزيزتي , فأنتِ لم تقولي شيئاً خاطئاً , أعلم أنّ إليغانت تتصرف بغلظة و أسلوب جارح طوال الوقت , لكنها ... صدقيني هي في الداخل أشدّ نعومةً من وريقات أزهار الكرز اليانعة .
    - و إذاً ... ماذا سنفعل ؟
    وضعتْ سمانثا سبابتها على جبينها الأوبالي مفكرة ثم ردّت عليها بعد برهة يسيرة :
    - يجب أن أراه أولاً , هل لديكم معلوماته ؟
    - ربما وجدتي عنوانه في مكتب الاستقبال , فنحن نأخذه لأغراض التوصيل , سأتأكد لك من ذلك .
    - أشكركِ عزيزتي إكلير , نظرت لساعة هاتفها ثم تابعت و هي تستقيم بسرعة , اعذريني الآن عليّ العودة فرحيق و رفال سيأتيان من المدرسة بعد قليل و أنا لم أحضر الغداء بعد ...
    - رافقتكِ السلامة خالتي .
    صافحت سمانثا إكلير بكلتا يديها و أرادت المضي حين توقفت قرب الباب لتقول مخاطبة إكلير و كأنها تذكرت شيئاً للتو :
    - ما كان اسمه ؟
    - أظن أنه ... ثابت ... آه نعم ثابت وسام .
    زمّت سمانثا شفتيها الرقيقتين و قد استرعى الاسم عميق انتباهها , ثم قالت بتمتمة خفيضة :
    - ثابت ... وسام
    بعد دقائق من الانتظار وصلتْ الحافلة العامة, استقلتها سمانثا على عجلٍ و حديثها مع إكلير يعاد شريطه برويّة في رأسها , " هناك أمرٌ غريب " كانت ترددها حتى جلست بالقرب من النافذة ليعبر ذاك الموقف رأسها من جديد ...
    وقتها كانت إليغانت قد وصلتْ عتبة الباب , توقفت لتسرح عيناها في اتساعهما و أرضية الغرفة , كانت تلك هي ذاتها النظرة ... النظرة التي تجعل كلّ عرق فيها ينتفض كمن أصابه مسٌّ من الجنون , النظرة التي تعلم يقيناً ما هو المعنى المختبأُ خلفها , النظرة التي كانت تدرك في قرارة نفسها وجهها الآخر .
    وقفت إليغانت , و على ثغرها ابتسامة جافّة أبعد ما تكون عن الابتسام , لتقول و كأن صوتها قادم عبر ألآلآف الأميال :
    - أنا أعلم بأمر " هارش " ...
    لكن كيف ؟ و متى ؟ ... لِم تعلم إليغانت بأمر هارش ؟
    " يا إلهي الغفور " قالتها سمانثا بتوسل خاشع و هي تجمع يديها المرتجفتين في حجرها , و تلقي برأسها على زجاج النافذة الذي اعتمته الأغبرة الداكنة !
    { شيءٌ منّي ... }
    *~ رواية " الحديقة السريّة " ~ كان اسمها سوريا ~*

    || أيها القلب إبك دماً لقد آذوا رسول الله ||
    " إلّا تنصروه فقد نصره الله "


  2. ...

  3. #222
    بيانات عن الموضوع

    الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

    عدد زوار الموضوع الآن 6 . (1 عضو و 5 ضيف)




    أهلاً بكل الزوّار الكرام .

  4. #223
    حجــــــــــز " الأولــى " ^^ .. >>>> فررررحة كبيرة ..

    حقاً إني لعاجزة عن التوقف عن عشق سطورك العميقة هذه ..

  5. #224
    مداد لا تقرأ شيئا من غير نظارات، خصوصا بعد سهر أيام، تجنبا لويل الصداع!
    ولكن ...
    لم أستطع أن أنتظر حتى أجد النظارات الضائعة في مكان ما، والتهمت الفصل التهاما ملهوفا!!!
    وشيء ما يقول لي، بل أشياء، أنه الفصل الأفخم، الأروع، الأكثر أسطورية، المعجزة، الخرافة ... صداعي لا يسعفني لإيجاد أوصاف أكثر!!!!
    متابعون دوما، ودوما بأيدينا فرصة "الرد الأول" بعد كل فصل، ولكن ...
    فلتعذري تقصيرنا ( )
    بيقين تام، متابعة دائما وأبدا . . .
    اخر تعديل كان بواسطة » مِـدَاد` في يوم » 20-09-2012 عند الساعة » 19:30
    لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين

    e440

    أطفأتْ مَدينَتي قنْديلَها ، أغْلقَتْ بَابهَا ، أصْبَحتْ في المسَا وحْدهَا ؛
    وحْدهَا وَلـيْـــلُ . . . em_1f3bc

    / اللهُم احْفظْ مدَائنَ الإسْلام والمُسلْمين
    "

  6. #225
    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة ألحان الحياة مشاهدة المشاركة
    حجــــــــــز " الأولــى " ^^ .. >>>> فررررحة كبيرة ..

    حقاً إني لعاجزة عن التوقف عن عشق سطورك العميقة هذه ..
    يا ألف مرحباً بكِ ألحان , و أهلاً أهلاً دائماً بمتابعتكِ .

    × تنبيه بسيط :


    لم أنتهِ من التعقيب على ردكِ يا وايت العزيزة , فقط أريد صياغة أفضل لما أريد قوله .

  7. #226
    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة ثقب ضوء مشاهدة المشاركة
    حجز أتمنى ألا يطول redface

    ♦◊♦◊♦◊♦◊♦◊♦◊♦◊♦◊♦◊♦◊♦◊♦◊◊♦◊♦◊♦◊♦◊♦◊♦◊♦◊♦◊♦◊♦◊♦◊♦


    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة Forst Dark S مشاهدة المشاركة
    cry
    لم أرد وضع كلمة حجز لبصمة رائعة لكنني لم أطق الإبتعاد أكثر
    حجز لا أعلم لمتى لكنه سيفتح بإذن الله

    اهلاً بكما و عذراً على عدم انتباهي لرديكما .

  8. #227
    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة ѕɩʀαno مشاهدة المشاركة
    مداد لا تقرأ شيئا من غير نظارات، خصوصا بعد سهر أيام، تجنبا لويل الصداع!
    ولكن ...
    لم أستطع أن أنتظر حتى أجد النظارات الضائعة في مكان ما، والتهمت الفصل التهاما ملهوفا!!!
    وشيء ما يقول لي، بل أشياء، أنه الفصل الأفخم، الأروع، الأكثر أسطورية، المعجزة، الخرافة ... صداعي لا يسعفني لإيجاد أوصاف أكثر!!!!
    متابعون دوما، ودوما بأيدينا فرصة "الرد الأول" بعد كل فصل، ولكن ...
    فلتعذري تقصيرنا ( )
    بيقين تام، متابعة دائما وأبدا . . .
    glasses
    ثم ما قصة صيغة الجمع ؟

  9. #228

    أنهيتهاااااااا laugh

    احم .. عذرا قصدت السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ^^
    كيف حالك عزيزتي أسماء ؟؟ بخير وصحة إن شاء الله ..
    ..
    نعم أنهيتها أخيرا ، وفي الحقيقة لا أملك الكثير لأدلي به بعد ردي الأول ..
    فقط إنها تبهرني .. وأنتِ تبهرينني بسيل أفكارك ! .
    لقد احببتها كثيرا .. لدرجة الجنون ! .
    لا اعلم بمن ابدا ..
    بجود ربما ، حقا بدأت أحب هذه الفتاة ! رغم كل ما يضنه الجميع فإن بها شيئا جميلا وسط طيات السواد البارد الذي يغلفها ، بها شيء دافئ ^^ وحنون ... لا اعلم كيف وصلت إلى هذه النتيجة ولكنه مجرد احساس ! ..
    بالتأكيد جود فتاة تبطن الكثير ولا تضهر منه شيئا !! احببتها وكفى ..
    ..
    إيوان : مايزال يتقلب في رأسي ! منطقي ولا منطقي .. دافئ المشاعر ، ومجنون بعض الشيء !
    إنه فقط يحتاج لبعض الوقت لنفسه لينظم مشاعره المتشابكة !!
    ..
    رسيل وجوين : حسنا لم يظهرا كثيرا في ما قرأنه من فصول اخيرة ، ولكن ... بهما ذلك الشيء الذي لن تكون القصة كاملة من دونه ! .
    رسيل ، هذه الفتاة تخفي الكثير حقا ، ذلك الجنون برفقة مممـ eek نسيت الأسم !! أخ إكلير الصغير ..
    لا لا لا اوس لقد تذكرته .... نعم ، هناك الكثير من الفوضى بينهما ^^ أحب متابعة الأمر كثيرا ^^
    وأمرها مع طيب ! الفتاة التي لم تظهر قصتها بعد ولا قصة موتها !!!!
    هناك الكثير مما يدفعني للمتابعة بشوق ^^ ..
    وجود هي فتاة المقبرة المجهولة !!!!!!!!!!!! حسنا لقد صرخت What ? !!!!
    لم اتوقع ذلك ..
    ..
    إليغانت : يزداد حبي لها في كل مرة ... فيها شيء من الجنون اللطيف ، هي غريبة بكل شخصياتها ، أحبها كثيرا وفقط ... وإكلير بدأت تستهويني أيضا ^^ ..
    ..
    الجزء التاني الذي صرخت فيه ، أو الأول تقنيا !! عند لقاء بسنت بذلك الشاب ذي العيون البندقية !!!!!
    إليااااس ؟؟!!!!!!!! حسنا .. تفوقت على نفسك عزيزتي ...
    تجيدين ربط الأحداث وتعليق الشخصيات ببعضهم البعض بطريقة فعلا عجيبة ^^ أحببتها كثيرا ..
    ..
    خالت ثابت : تعليق واحد فقط ( هل هناك من أبشع منها ؟؟؟ ) ... اقصد !! اقصد !! لا اعلم ماذا اقصد تماما ولكنها ..... تفوقت على نفسك في المرة التانية ، اجبرتنا على كرهها - او على الاقل : اجبرتني على كرهها - منذ اللحظة الأولى .. .
    بذكرها اود التعليق على شيء صغير : في ذلك الجزء بينها وبين ثابت .. ثابت كان ساكن الحركة ، أما هي فلم تقل جملة دون أن تتبعها وترافقها بسيل من الحركات من يديها وايماءات وجهها وكل شيء !!
    فقط أجد هذا ... لا اعلم .. اجده مشتِّت بعض الشيء .. تحركت كثيرا خلال الكلام ، ولم احب ذلك في السرد فقط !! لا تهتمِ كثيرا له ، هو شعور خاص بي وقد لا يوافقني عليه غيري !!
    ..
    اود التعليق بالكثير ولكن الحروف تهرب من عقلي .. لم اعد اعرف ماذا اقول ..
    أحببت القصة كثيرا وتطرقها إلى كثير من المواضيع ، احببت تنوع شخصياتها ، وتمايلهم بين حالات الشخصية كافة !! من الجنون إلى الفوضى ومرورا باللطف والحنان .. احببت كل شيء .
    بلسم وابنها : معاق ؟؟!! تردتت الكلمة في رأسي طويلا ، لأتساءل حول ما جرى بينهم !! هل لم تكن أما بقدر المسؤلية وتسببت له بالأذى ؟؟ ..
    ما شكل هذا الأدى وما قصته ؟؟ .. كثيرة هي الأسئلة التي تشوقني للمتابعة .
    لم اعد اتذكر ما كنت اريد أن اقوله .. فقط ببساطة ، في هذه الأجزاء الأخيرة التي قرأتها من الصفحة 7 حتى الأن .. لم أجد ما يمكنني تبين ثغرة فيه !! كاملة ومتكاملة من جميع النواحي !!
    ابدعت عزيزتي ، ابدعت بحق ..
    لا انفك اعود إلى جود مجددا ، لا اعلم ما بها .. شخصيتها ، تخيلي لشكلها ، وحتى ظني أني استطيع سماع نغمة صوتها ، كل شيء فيها يجعلني انتعلق بها اكثر .. فقط اتمنى لك نهاية سعيدة جود ، لا اعلم ولكنك حقا تستحقين الأفضل ، بك شيء رائع وفقط ! .
    ..
    سأقتبس بضع فقرات راقت لي حقا ... ومن بين كل السطور كانت الأروع بالنسبة لي ..
    لا تسأليني عن السبب فقط احببتها ، شعرت انها تعني الكثير ، وحركت في نفسي الكثير ^^
    في صغري , لاحقت فراشة صغيرة حتى تعبت قدماي , كانت تتنقل من زهرة لأخرى , و حينما كنتُ أقترب منها كانت تطلق أجنحتها الرفيعة للريح , كنتُ أتسائل كثيراً , لماذا الفراشة سريعة ؟ و لماذا لها أجنحة , و ليس لنا ؟
    في صغري راقبتُ انزلاق قطرات الندى من بين ثنايا الأوراق الطريّة حديثة العهد بنور السما , و كنتُ ما إن ألمسها بإصبعي حتى تتلاشى بسرعة فلا تعود سوى برودة ناعمة أُحسها على بناني , كنت أبحث دوماً عن لغز تكورها و انزلاقها بسرور على الورقة , و اندثارها على رأس إصبعي ؟
    في صغري وقفت تحت المطر , و مددت لساني لألتقط بضعاً من قطراته الهشّة , و جعلته يلامس شعري كي ينمو بسرعة كما الربيع , و كنتُ أتفاجأ من الناس يهربون منه و يختبأون عنه ...
    في صغري ... كنتُ لاأزال " إنساناً
    أحببتها إلى حد الجنون ، اسمحي لي بالاحتفاظ بها - سأذكر المصدر بالتأكيد ^^ -

    أجابتها بسنت دون أن تترك متابعتها المبتهجة لحركة الجمادات المهرولة دون توقف عبر الزجاج المصقول
    أحببت التناقض الحاد فيها ، لا اتصور أحدا قد يصوغ نفس الجملة بطريقة أجمل ^^ .

    " ربما يكون الفرق بين الصحراء و الحديقة بضع قطرات من الماء ... و شيءٌ من الاهتمام ! "
    نعم ـ قد يكون بين الفرق الشاسع شيء يسير جدا .. شيء بالكاد يذكر ^^ كما بين الموت والحياة ، فما يفصلهما هو نبضة قلب لا تسمع ^^

    و هل تحتاج السعادة لأسباب وجيهة في الأساس ؟
    لا ^^ .... أحببتها كثيرا ^^

    سجناء ... جميعهم سجناء يتطلعون من كوة أضيق من سم الخياط
    أحببتها ولا اعلم السبب ^^

    كثيراً ما اختلطت على البعض الأوقات , أهو الليل المشرق ؟ أم هو الصباح الدّاكن ؟ أم هو توأم الفجر المظلم ؟
    أحببتها كثيرا .. واحببت تلاعبك بالألفاظ ^^
    ..
    لا اود الانتهاء ولكن لم اعد اتذكر ماذا اقول ..
    اوه نعم : تصدقين ؟؟ صدقي او لا تصدقي ، ولكن يجب أن تصدقي !!! ^^ ( نقص في المصطلحات ) .
    لم احفظ يوما .. يوما ... يوما ، جميع الأسماء في قصة ، في أي قصة !! كان ولابد أن انسى احدها ، لا بد وأن يضيع من عقلي شخص ما .. إلا في قصتك .. فقد حفظتهم جميعا ..
    ولك تصور كم احببت القصة واحببت الشخصيات لأتذكرهم جميعا ^^ ...

    في النهاية : عذرا للإطالة ، وفي شوق للتالي جدا ^^ وأخيرا سأتابع كل فصل بفصله ^^
    دُمتِ بخير عزيزتي ^^
    attachment
    شكرا سيمو على التصميم الجميل embarrassed

    شيء مما أكتبه حاليا :
    هِي وهُو... والخوف [ رُعب ] .
    Glass Of Juice [ بوليسية ] .

  10. #229

  11. #230
    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ...
    أهلاً بالجميع دوماً دوماً , تواصلكم مع حديقتي البسيطة لهو فسحة بهجة و سعادة أرفل بها و أنعم .

    حتى لا تستطيل الأوقات بالأحداث ...
    الجزء الثاني من الفصل الثامن , و قتاً طيباً .

  12. #231

    الجزء الثاني , الفصل الثامن

    - 4 -
    " المحطّة الثانية عشر "

    " السماء لا تتحرك ... إنها فقط الشمس تأتي و تغدو .
    الطريق لا تتحرك ... إنه " أنت " من يذرعها جيئة و ذهاباً ! "
    .
    - اقتباس عن قصيدة يابانية ( بترجمتي الخاصّة ) -
    * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
    عادت لشقتها الصغيرة مثقلةً بأكياس مشترياتها المعتادة القليلة , كانت على وشك إغلاق الباب خلفها عندما امتدت ذراع عبر فتحته لتمنعها من ذلك . ابتعدت بلسم مذعورة ليتحول ذعرها في الثواني التالية لغضبٍ أحمرَ مجنون الملامح حينما تبينتْ معالم وجهه , قالت باحتقارٍ عميق و هي تحاول دفعه للخارج و إغلاق الباب بالقوة :
    - فلتلعنكَ ملائكة السعير أيها الدنيء , كيف جرؤت على القدوم و لمس عتبة بيتي ؟
    كانت دفعة واحدة من ذراعه كفيلة بفتح الباب على اتساعه , دخل مهيب البيت أمام عينيها الساخطتين و قال و هو يغلق الباب من ورائه :
    - و عليكم السلام .
    - أخرج من بيتي قبل أن أستدعي أمن البناية .
    - تستدعين أمن النباية ؟! و ماذا ستقولين لهم ؟ زوجي يريد الدخول إلى بيته !!
    - بل سأقول أن لصاً مجرماً بلا أدنى شعورٍ بشريٍّ يريد الدخول إلى بيتي .
    لقد آلمته الكلمة , لقد آلمته بحق , مشى خطوة أخرى باتجاهها فانتفضت في وقفتها كمن أُفرغتْ في رأسه صاعقة من السماء و قالت بصوتٍ مخنوق :
    - اخرج ...
    لم يجبها و تابع سيره نحوها فصرختْ و هي تقذفه بكل شيءٍ تطاله يداها المرتعشتان :
    - اخرج من حياتي
    توقفت قدماه عند أعتاب كلمتها النازفة ألماً , بل تراجعت للوراء قليلاً و كأنه اصطدم بحاجزٍ لا مرئيٍ بينهما , ارختْ يديها في استسلامٍ للموت الذي رأته في عينيه , و قالت بنغمة أخفضَ من لحن نايٍّ لعازف يحتضر :
    - اخرج ... أرجوك .
    - لا يمكنني ...
    رفعت عينيها الذابلتين نحوه فتابع و هو يجلس على الأرض جِلْسَة متهالكة و يسند رأسه للحائط :
    - لا يمكنني الاستمرار هكذا أكثر , لا أحد فينا يستطيع الـ ...
    - أنا أستطيع ... أستطيع المضي دونك , أستطيع العيش ألف حياة بغيرما الحاجة إليك , رواء ... رواء هو الشخص الوحيد الذي أحتاجه , هو فحسب .
    - متى أصبحتِ قاسية هكذا ؟
    - منذ انتزعتَ قلبي ...
    ربما لو كانت النظرات تقتل لخرّ صريعاً لنظرتها التي أعقبتْ كلامها , و في اللحظات القليلة التي تلت طعنات عينيها تساءل طويلاً " هل باتت بلسم تكرهه لهذا الحدّ ؟ هل حقاً ما من رجعة أبداً ؟ " , استقام من جلسته استقامة أظهرت كمية التعب الذي اعتصرته حدَّ الهلاك , و قال من بين ثنايا ضحكة جافّة :
    - لقد كنتِ أجمل شيءٍ في الحياة ...
    - لقد قلتَها ... " كنتْ " و الـ ...
    - كنتِ و مازلتِ و ستظلين أجمل شيءٍ في هذه الحياة بأسرها .
    ماذا الآن ؟ سحقاً له و للحزن المفتت للأعصاب الذي تبعثه قسمات وجهه الحاني , الوجه الذي كان يشرق عليها حتى قبل شمس صباح كلّ يوم , قرصت كفها اليسرى بامتعاضٍ لمجرد التفكير به على هذا النحو فقال مجارياً الهدوء بصوته :
    - يمكننا البدء من جديد ...
    - حقاً ؟ و كيف هذا ؟ هل عثرت عل الممحاة التي تستطيع محو الماضي ؟
    قال متجاهلاً سخريتها :
    - بلسم ... يمكننا أن نحظى بعائلة جديدة ...
    حدقتاها المصبوغتان ذهولاً توجهت صوب عينيه هذه المرّة , فتابع و هو يخطو مقترباً منها :
    - يمكننا أن ... ما المشكلة في طفلٍ آخر ؟
    - و رواء ...
    أدار رأسه عنها و حينما أراد الكلام باغتته بصوتٍ كوخزات الإبر :
    - إن أتى لسانُكَ على ذكر دور الرّعاية ... فسأقتلع حنجرتكَ بأصابعي هذه , أفهمتْ ؟
    - و ما ...
    - بؤساً لك أما في قلبك شيءٌ من الرحمة ؟
    حدّق بها بنظرة تدركِ جيداً مغزاها , إنها نظرة تعجب مما قالته , لم يكن هو من فعل كلّ تلك الأمور مع رواء , بل كانتْ هي من فعل . أحسّت ببرودة ذاك النهرعلى ساقيها ثانيةً فارتجفت للذكرى التي عاودت البزوغ على سماء تجاهلها و تناسيها , رمتْ رأسها بانكسار تحدق في أيام ماضيها التي أخذتْ مكان أرضيّة الغرفة , " إذاً فلا مفر ... لا مفر يا بلسم مما كان " . استفاقتْ من غيبوبة ذكرياتها على دفء كفيه على ذراعيها , كان يتمسك بها بقوة و كأنه غير مصدّق أو كأنه يخشى أن تبتعد عنه مرّة أخرى . سرت رعشة فيها حتى النخاع , و لم تستطع دموعها أن تتحمّل ظلمة الأسر أكثر في عينيها مشرَعَةَ السواد , فانهمر وابلها غزيراً على خديّها الشاحبين , قالت تتوسله و هي تخفض رأسها :
    - أعده إليّ ... أعد طفلي إليّ ...
    و حينما لم يجبها أخذت تهزه بقوة و هي تستجديه :
    - أقسم أنني سأصبح أفضل ... سأصبح أماً أفضل فأعده لي ... أعد طفلي الصغير ...
    - توقفي ...
    صرخها بعالي صوته و هو يعتصر ذراعيها بكلّ قوته , كانت أصابعه تنغرس فيهما لشدة غضبه فتغضَّنَ وجهها تألّماً , أرخى قضبان أصابعه عنها بهدوء و تابع بلهجة أخفضَ وقعاً :
    - توقفي عن جعل كلّ شيءٍ رواء و حسب , توقفي عن الحديث عنه هو فقط , توقفي عن نسيان كلِّ شيء لأجله , توقفي ... توقفي عن تجاهلي
    أبعدتْ كفيه عن ذراعيها فاستجابتا باستسلام , أصبح وجهها مصفراً أكثر و نظراتها هائمة و ضآلّة كشتاءٍ تائهٍ بين الفصول سقطت أمطاره صيفاً لشدّة تيهه , رأى ارتعاشة على شفتيها , رأها تحوم بأحداقها دون تركيز , رأى يدها التي ارتفعت ببطء لتستقر بعد ذلك - وسط ذهوله - على خده صعفةً قويةً و حاقدة .
    و بالرغم من دهشته لم يتحرك , ربما لشدة ما كان مشدوهاً لم يتحرك , فقط وقف كصنمٍ بوذيٍّ عتيق يرقب الضحك الغريب الذي انخرطت به . توقفت عن الضحك فجأة كما بدأته فجأة , كان مناخها مختلطاً و متداخلاً لأبعد الحدود , لكنه استطاع تميّز الغضب جيداً , فالغضب وحده هو ما يستطيع أن يصنع تلك الرسمة لعينيها .
    سكوتٌ طويل أمتدّ بينهما أمداً و كانت نهايته حين قالت بلسم و كأنها تكلّم كلَّ شيءٍ في الغرفة عداه :
    - تريد طفلاً آخر أيّها الأب الحنون ؟ تريد أن أتوقف عن التفكير في رواء ؟ يا الله كم تبدو الحياة بسيطة وفق مفاهيمك الساذجة !! , حسناً لنفرض أننا رزقنا بذاك الطفل الجديد و كان معاقاً و مشوّهاً كذلك , ماذا سنفعل ساعتها ؟ نلقي به هو الآخر لنجرّب من جديد ؟ أهذه هي طريقتك المثلى في علاج بؤسنا أيها الحكيم ؟ ها تكلّم ... تكلّم أيها الأب رقيق المشاعر و الذي فعل المستحيلات لينقذ ابنه الأثير من مخالب أمّه المتوحّشة ... ما بالك خرست ؟ أقول لك تكلّم ... تكـ …
    - المحطّة الثانية عشر
    قالها في شرودٍ كاملٍ أحاط قسمات وجهه , قالها فحسب ثم استدار خارجاً و مغلقاً الباب وراءه .

    Shiawase nante chi isana spoon de sukueru kurai de juubun nanda ...
    Wakeaeru hito ga eru ka inai ka dake da ...

    ( Romaji )

    All I need is being able to scoop up happiness with a tiny spoon …
    So long I have someone to share it with …

    - The previous poem –

  13. #232
    - 5 -

    - كيف سار الأمر في الدائرة الأخيرة ؟
    الشاشة مصبوغة تماماً باللونين الأسود و الأحمر ...
    - إيه هل ماتوا جميعاً ؟ مضحك ...
    صورة لمنجل كبير فضيّ توسطت الترويسة الرئيسة للصفحة ...
    - لكن متى سيقيمون الدائرة التالية ؟
    كلمة " DEATH " الدامية وضعت كعلامة مائية في الخلف ...
    - هل رأيت الوشم الجديد على خد " Envy " ؟ أتساءل هل يناسبني واحدٌ مثله ؟
    اليدان تنقران على لوحة المفاتيح المضيئة بسرعة ...
    - يناسبكِ ؟ تماماً كما تناسب المسننات الحديديّة التي وضعها " HADES " في جمجمته شكل رأسه ...
    - ههههههه , لقد شارف على الموت ذلك الأرعن , كان الأمر سيكون مسليّاً لو تركناه يتعفن بدمائه
    - بالتأكيد ... اسمعي , هل شاهدتِ التصميم الجديد للغرفة التي سيقيمون فيها دائرة الانتحار القادمة ؟
    - ألن تكون غرفة معتمة ؟
    - لا , فـ " Maou " وجد وجهة نظر جديدة في الأمر , سأعطيكِ عنوان الصفحة , ألقي نظرة
    - سأفتحها الآن لحظة واحدة ... ما هذا ؟
    - أرأيتِ ؟ خارقٌ هذا الـ " ماو " , أليس كذلك ؟
    - لكن ... أطفال ... هناك أطفال ... هذا ...
    - ماذا ما الأمر ؟
    غطت أذنيها بيديها التي برزت عروقهما من بين التجاعيد الكثيرة ...
    - ماذا هناك " Scythe " ؟ ألا زلتِ موجودة ؟
    نزعتْ الاتصال اللاسلكي عن جهازها المحمول , ثم ما لبثت أن ضغطت زر الطاقة فيه لتظلم شاشته قبل أن ينطفئ , رمتْ بالجهاز على السرير قربها و احتضنتْ ركبتيها إلى رأسها , تمتمت و هي تهز نفسها معنّفة :
    - أمٌّ سيئة ... أمٌّ سيئة ... محض أمٍّ سيئة , اللعنة عليكِ ... اللعنة عليكِ ... اللعنـ ...
    - أمي ...
    انتبهت على النداء الذي أتاها متزامناً مع الطرقات الخفيفة على باب غرفتها , خبأت الجهاز تحت غطاء السرير و تدثّرت هي كذلك , أجابت الصوّت مدّعية النعاس :
    - أدخل ثابت .
    - اعتذر على ازعاجكِ أمّي ...
    فُتِح الباب قليلاً و دخل ثابت منه و هو يخفض رأسه , استقامتْ تودد جالسة على السرير و عبثت أصابعها في إضاءة مصباح الطاولة قربها .
    - لا بأس أمي , سيؤلم الضوء عينيكِ .
    ابتسمتْ له بشحوب و تابعت أصابعها البحث عن زر الإنارة في المصباح الكريستالي حتى وجدته بعد ثوانٍ , أشعلتْ الضوء و قالت له مشيرة قربها على السرير :
    - تعال أجلس إلى جانبي .
    و كأنه لم يستوعب هذا الطلب الأول من نوعه نظر إليها بغير فهم فمدَّت يدها إليه و سحبته من ذراعه لتجلسه بقربها , ظلّ صامتاً بخشوعٍ و هي تمسح على رأسه بحنو . وصل إلى مسامعه صوتها الرقيق :
    - هل نام حواري ؟
    - أجل مررتُ على غرفته و كان مستغرقاً بالنوم .
    - و جوين ؟
    - أمّي هل نسيتِ ؟ بصراحة بتُّ أخشى الاقتراب من هذه الفتاة منذ ذاك اليوم , لقد طردتني شر طردة و هي تصرخ فيّ و تتوعدني بالموت إن اقتربت من غرفتها ثانية .
    - لقد أصبحتْ فتاة كبيرة حقاً , لم يعد ينفع أن تتفقدها مساءً .
    - و ها قد فهمتُ الأمر بـ " الطريقة الصعبة " على يديها .
    ضحكتْ بهدوء , ثم قالت و هي تداعب خصلات شعره البهيم المصففة بفوضوية محببة :
    - ماذا هناك يا عزيزي ؟
    - آآه اعتذر على مقاطعتي لوقت استراحتكِ أمّي , لكنني ... لم أركِ اليوم صباحاً و عدتُ متأخراً في المساء و لذا ... أردتْ أن ألقي التحية عليك و أطمأن على صحتك .
    - أنا بخير ... أنا بخير ...
    تابعتْ همساً و هي تقرّب رأسه منها و تقبله على جبينه :
    - طالما انتم هنا , فأنا دوماً بخير و لا شيء أخشاه ...
    - أمّي ...
    ترقرقت دمعاتٌ في عينيه و قبل أن تنحدر على وجنتيه كانت أصابعها أسرع في احتضانها ...
    - ثابت حبيبي ... هل هناك ما يزعجك ؟ هيّا أخبرني , ماما ستكون دائماً موجودة لأجلكم , دائماً ستحميكم , ستتحمل أيَّ ألمٍ عنكم ...
    - لا تقولي هذا أرجوكِ أمي , إن آلمنا نحن شيء فإنه سيؤلمنا مرّة واحدة , أمّا إن آلمكِ أنتِ فسيؤلمنا ألآلآف المرّات , لذا أرجوكِ ارتاحي و لا تتعبي نفسكِ .
    ظلّتْ ترقب وجهه النبيل بمقلتي روحها , الوجه الدافئ العطوف المتسامح , الوجه الذي لم يتعب أو يملّ قطُّ من تحمل نزقها و سطوة قسوتها الدائمة عليه , الوجه الذي يحمل رحمة ملئ السموات و الأرض و نقاءً لا يتكرر مرّة أخرى في البشر , الوجه الذي تخفي قسماته الحادّة روحاً صادقةً شفيفة كقطرات المطر البكر . فردتْ ذراعيها له فلم يتردد في أن يلقي بنفسه بينهما
    - أمّي ... أمّي ... أمّي ... أرجوكِ لا تبتعدي عنّا ثانية , لا تختفي ثانية ...
    - اعتذر ثابت ... , عن كلّ تلك الحوداث المؤلمة التي أجبرتك على خوضها مذ خُلِقتَ ... آسفة , لأنّي دوماً ألقي بكلّ تلك الكلمات الحارقة المؤذية ... آسفة , لأنّي أبدو هكذا ... آسفة , ... ثابت اعتذر عن كوني أمّاً كريهة لهذه الدرجة ...
    - توقفي أتوسل إليكِ , لا تقومي بقتلي مرّاتٍ عديدة , كلامكِ يمزقني أمّي ... يهلكني
    رفع عينيه اللتين بدتا تماماً كشرفتين واسعتين مفتوحتين على السماء ... السماء الزرقاء الماطرة , مطراً هادئاً و مسالماً و حاملاً للخير , مطراً بلا عواصف و رعود , مطراً يصافح الأرض و يهمس لها " سلامً سلام ... ستبدين أجمل بثوب الرّبيع " , ياه كم هما مشرقتان ! , كيف يمكن أن تبدوان مشرقتين هكذا رغم كلّ العتمة التي مرّت عليهما ؟ العتمة التي غمسته هي بنفسها فيها , عادتْ كلّ تلك الصور تتزاحم في رأسها مجدداً على وقع نقاء عينيه المموجة بكلّ أبعاد الزرقة, أصوات الموسيقى الصاخبة , القطع اللامعة , الضحكات العالية , الدرّاجة النّارية التي استقلتها خلف أحدهم , رأت وجهها أمام المرأة ... راته و هي ترسم عليه باللون الأسود و تخاطب شخصاً ما بصوتٍ مزعج النبرات , البناية القديمة , اليد التي امتدت إليها مستجدية ألّا تتركها , اليد الصغيرة التي ظلّت تتفلّت من الأيدي الأكبر التي حاولت إيقافها , ضحكتها الساخرة " طفلٌ مقرف " , الصوت الطفوليُّ المبحوح الذي ظلّ يلاحقها و هي تستدير مبتعدة " أمي ... أمي ... لا تتركيني , لا تتركيني وحدي ... أمــــــــي "
    - أمي ...
    عادت عيناها تلتقطان الصورة التي أمامها , كان ثابت يمسك بوجهها الفارغ بكلتا يديه , كان يلاحق نظرة الشرود التي كسته بقلق , ها قد انعكست الأمور بالكامل يا تودد , و الشخص الذي كنتَ تظنُّ أنك أنتَ من يحميه , يكون في الحقيقة هو من يلف جناحي الحماية من حولك , عضّت على شفتها السفلى بغلٍّ و تمتمت بداخلها " لا يجب أن يحصل هذا ... لا يجب أن تكون الأمور بهذا الشكل "
    ابعدته عنها باستياء , و قالت و هي تنفض عن نفسها بقايا دفئه :
    - هل حظيتَ بمكالمة لطيفة معه ؟
    لم يفهم كلامها فقالت بصوتٍ عالٍ و هي تدفعه عن السرير :
    - لقد تحدثتما عنّي بسوء , أليس كذلك ؟ أنتَ و وسام ...
    - أقسم بالله أنّ هذا لم يحصل
    - كاذب ... لقد كنتَ تشتكيني إليه ...
    - لم يحدث ...
    - أنتَ ... في الحقيقة تكرهني يا هذا , أنتَ تقوم بكلّ تلك المسرحيّات فقط لتبدو أمام نفسكَ جيداً .
    - أمّـــــــــي ...
    كان نداؤه المسترحِم يشبه ذاك العالق في رأسها . جاثياً بالقرب من السرير و مخفضاً رأسه و كأنه قام بجريمة لا تغتفر , قبض ثابت على رأسه و قال ضاجّاً بالبكاء :
    - ماذا عليّ أن أفعل ؟ أتوسّل إليكِ أخبريني ماذا أفعل كي ترضي ؟ ما ...
    - تزوّج ... تزوّج و ابتعد عنّا ...
    رفع عينيه مصعوقاً لتكمل بحسيس أسود :
    - كما وعدتني
    " حينما أنظر في عينيك ... أرى قلباً موثقاً , و شخصاً يبدي تردداً كبيراً في تحريره "
    - كما تشائين أمّي , امتدت كفيه لتعانقا كفّها اليمنى برفقه المعهود , سأفعل كلّ ما من شأنه أن يسعدكِ .
    " أنا و أنت , و هاتان اليدان اللتان تعانقتا بشدة , ألم يكن ذلك دليلاً على أنك لن تختفي ؟! "

    ظلَّ ثابت يفكر بكلامها طوال الليل دون أن يوارب له جفن , أخذ يتقلّب في فراشه يمنة و يسرة دون قرار , كان شارداً فأفزعته الطرقات المتتالية على باب غرفته , نزل من سريره مرتاعاً و أسرع نحو الباب .
    - هذه أنتِ ؟ رؤيته لجوين بهذا التوقيت جعلتْ من لهجته فزعةً بشكلٍ لا يحتاج مجهراً لملاحظته
    - و لِم تقولها هكذا و كأنك ترى أمامك ميدوسا ؟
    - لكنتُ أفضل حالاً لو كانت هي , اقترب منها و تابع و هو يرجع خصلات شعرها الليلية عن و جهها , شعر الرأس مكانه هنا , و ليس فوق الوجه .
    - لا شأن لك
    - بربكِ , ألّا تنظرين في المرأة أبدا ؟ً , شكلكِ ملائمٌ جداً كـ " بوستر " لفلم رعب بتلك العينين المضيئتين .
    - غيور .
    رمش لها بعينيه قليلاً ثم قال باسماً :
    - و الآن ما الذي تريدينه " ليليث " ؟
    كادتْ أن تردّ عليه غير أنها آثرت السكوت حتى يلبي طلبها , مدّت له دفتراً مفتوحاً و قالت محاولةً أن تجعل وجهها لطيفاً بحركة فمها المزمومة و خديها المنتفخين :
    - ساعدني .
    - عرفتُ أن ورائك مصيبة , ألقى نظرة على الدفتر ثم أكمل و هو يحاول فك رموز خطها المتشابك , هل هذا " كريبتوغرافي " أم أنه إيحاءٌ ناجم عن خطّك السيء ؟
    - ها ها مضحكٌ جداً , إنه واجب لنادي التكنولوجيا .
    - و إذاً ما دخلي أنا ؟
    - أيها اللئيم أنتِ أخي الأكبر هذا هو دخلك , و الأخ الكبير عليه أن يساعد أخته الصغرى اللطيفة .
    - حسناً أخبريني أين هي و أنا سأساعدها فوراً .
    - أيها الـ ...
    ضربته بالدفتر على كتفه فأخذه من يدها غارقاً بالضحك , فعليّاً كان يحمد الله أنه محض دفتر , فجوين تمتلك القدرة على أن تقذف أيّ شيء في وجه من أمامها حين تكون غاضبة ... حتى لو كانت قنبلة انشطاريّة , قال و هو يسترق النظر لوجهها :
    - أولاً ما هي قصة الوردات الحمراء هذه ؟ منذ متى تزينين دفاتركِ ؟
    رمت كفيّها على وجهها لتقول و هي تشدّه بهما ... كتعبيرٍ عن أنها " تلطم " حظّها و " ستنفجر " بعد لحظات من القهر :
    - يا إلهي ما أثقل دمك ! الحلّ يا بني ... أريد الحلّ , أكاد أبكي شفقة على المسكينة التي ستتورط معك
    شعرتْ بنظرات ثابت الواهية , فأسرعت مداعبة و هي تتعلق بعنقه كالشمبانزي :
    - لكن لا تقلق , فوسامتك ستشفع لك , فقط أعطها نظرة من عينيكِ الزرقاوين و ستصاب بالازهايمر , غمزتْ له بعد ذلك بوجهٍ خبير و كأنها أطلعته على أحد الأسرار الكونيّة .
    - من أين تأتين بكلّ هذا الشرّ ؟
    أخرج قلماً من جيب قميصه فلم يكن قد بدّل ثيابه بعد , ثم قال و هو يمعن النظر في الواجب الذي نمّقته جوين بطريقة مريبة جداً :
    - من هي المعلمة المشرفة عليكِ ؟
    ابتعلتْ جوين ريقها ببطء , ثم قالت تراوغ الإجابة حين نظر لها مستفهماً ترددها :
    - و ما شأنك في اسم المعلمة المسؤولة عني ؟
    - أنا شابٌ مقبل على الزواج جوين , يجب أن أوسّع دائرة بحثي ... لا تزالين طفلةً بحق .
    - اطمئن جميع المعلّمات في المركز متزوجات , ثم ألم تجد غير هذا المكان لتبحث به ؟ , هل انقرضت الفتيات من الجامعة ؟ و أحذرك لا تحاول جعلي أقم بدور " الخطّابة " , فلن أفعل .
    - مع أنه يناسب وجهكِ المتملّق .
    - أيها ...
    التفت إليها بسرعة حتى أصطدم رأسها بكتفه , قرّب وجهه إليها ثم قال ساخراً بأحرف بطيئة و متباعدة :
    - مُـ ... ـعَـ ... ـلِّـ ... م ... أليس كذلك ؟
    - مزعج ...
    قالتها ثم أسرعت بالخروج من غرفته و سدّت الباب من خلفها بقوّة , بعد لحظات عادت لتفتحه بذات الحَنَق و تختطف الدفتر من بين أصابعه ثم تمد له لسانها كإيماءة على عدم اكتراثها بمساعدته .
    - أنتِ حرّة جوين , لكن لا تأتيني بعد خمس دقائق باكية تستجدين مساعدتي .
    - و كأنك تعرف الحلّ بالأساس ... يا رأس اليقطينة .
    كانت جملتها الأخيرة أشبه بالصراخ المتحسّر لمن يدّعي الشجاعة , ارتختْ عينا ثابت بحنان مغدق ليقول بسمفونية ماطرة بالذكريات بعد أن أغلقت الباب خلفها :
    - عزيزتي جوين ... لقد كبرتِ حقّاً .

    ** * ** * ** * ** * ** * ** * ** * ** * ** * ** * **
    " شعورٌ أسود ...
    كأنني أتحدّى نفسي حين أنسى ! , أليستْ هذه الذكريات هي ذاتها أنا ؟! كأنني حين أتجاهلها ... " أتجاهلني " ! "
    - من أقتم أيّامي : يوم رحل الـ " نور " -

    ** * ** * ** * ** * ** * ** * ** * ** * ** * ** * **



  14. #233
    - 6 -
    " غصون الياسمين ... الجّافة "


    - أضئ يا قلبي ... ألم تملَّ من العتمة بعد ؟!
    - و كأن هناك من نور يمكنه أنارة عتمةٍ كتلك التي "
    استكفنتني " !
    - و إذاً ... هل سنبقى هكذا للنهاية ؟
    - أجل ... حتى النهاية .


    حينما اقتربت من ذاك البيت البسيط المغلّف بشجيرات الياسمين أغلقت عينيها , ستطردها , أجل تعلم بهذا , ستمطرها كلاماً موجعاً , نعم فهي تستحق أكثر منها هذا , تستحق علبة " بنزين " و عود ثقاب مشتعل يقترنان في ازدواجية الدفئ و الموت بقربها , لا ... لا تستحق هذا بل أكثر ... أكثر بكثير , ربما هي تستحق " السعير " بنفسه , الدرك الأسفل منه تحديداً .
    طرقت الباب ليطارق سمعها صوت المرأة الهادئ :
    - من بالباب ؟
    ضمتْ جاكيتها الرّبيعي الأسود الباهظ الثمن إليها , و ارتقت بعيون البنّ الأشقر خاصّتها نحو السماء , تأخرتْ في رّدها فعاودها الصوت أعلى لكن بذات الهدوء و الرزان :
    - من هناك ؟
    - إنها أنا .
    و كأنها نطقتْ اسم " الرّجيم " , تبدّلت النبرة غير النبرة و أصبحتْ أقرب لعواء ليثٍ أسير :
    - ما الذي أتى بكِ أيتها الـ ... ابتعدي عنّا , اتركينا و شأننا أمّا في قلبكِ بضعٍ من الرحمة و مخافة الله ؟
    - أرجوكِ ... أرجوكِ افتحي الباب .
    - ارحلي ... ما الذي تنوين فعله بنا هذه المرّة ؟ ارحمينا ... ارحمينا أنتِ و والدتكِ من جحيم أفعالكنّ .
    - أرجوكِ ... أرجوكِ دعيني أدخل .
    ضُرب الباب بعنفٍ , لتفزع جود الواقفة خلفه باستجداءٍ كسير
    - ابتعدي قبل أن أستدعي الشرطة .
    - لن أذهب .
    بدأت معالم البكاء المبحوح تظهر على صوت المرأة التي أكملتْ و كأنها تستعطف أحد الشياطين :
    - ألم تنلن الذي أردتُنه ؟! لم تلاحقننا إذاً ؟ لقد ابتعدَ كما تمنَيتُنّ ... ابتعدَ من غير رجعة , فما الذي تضمره سرائركنّ الكالحة لنا بعد ؟ الرحمة ... الرحمة .
    - لم أفعل شيئاً ... لم أقم بشيء ... أنا
    التاع قلبها لمجرد معاودة التفكير به , فقالت مستدركة :
    - أنا ... كفّرتُ عن خطيئتي
    - كفّرتِ ؟؟!! إذهبي و أسألي أمّك إن كان ذنبكما تجديه كفّارة .
    - أ ...
    - غادري
    الصرخة العالية المنقوعة مقتاً لكلّ شيء يخصّها جعلتْ من جود نحتاً صخرياً شاحباً شحوبَ قَدَرِها , ما الغريب في أن تكرهها فهي تكره نفسها بالمقام الأوّل ؟ .
    - فلـ ... تسامحيني
    كانت أنيناً أكثر منها كلمة , نطقتها جود بكلّ بؤس الكون و استقرّت جاثية على عتبة الباب . ابتسمتْ ابتسامة مشَظَيَةً على كِسْرة مرآة قربها و قالت تخاطب نفسها :
    - أيّ وزر تحملينه يا جود , يا كلّ ذنبٍ في هذا الوجود .

    بعد وقتٍ طويل من جرّها لجسدها المنهك كانت قد توسطتْ الحديقة العّامة , رمتْ بنفسها على أحد المقاعد الخشبيّة الطويلة , و كم تمنتْ أن تكون قد ألقتْ بها في يمٍّ بلا قرار , أو جُبّ لا نهاية له و لا قاع .
    لم يقطع ذوبانها في تلاشيها سوى الصوت القططي الذي لامس أعتاب سمعها بالكاد :
    - هل أتيتِ مع أمكِ ؟
    - هممم ...
    قالتها مأخوذة بجمال الصنعة الإلهية للطفلة الصغيرة التي عُقِدَت ذراعها بضمادٍ حول عنقها , أشارت الفتاة بيدها الصحيحة نحو لافته كبيرة توسطت المكان :
    - إنه يوم الفتيات و الأمهات .
    حدّقت جود بابتسامة الفتاة وردية الخدود , و التي لم يزدها السنّ الامامي المفقود إلّا براءة و طهراً , كرّرت الطفلة سؤالها الذي اعتمل في رأس جود لينخر في حناياه منتصراً على تجاهلها التفكير فيه :
    - هل أتيتِ مع أمكِ ؟
    انزلقت دمعة تختزل كلّ ملوحة " البحر الميّت " على وجنة جود فكأنها بها نارٌ شعواء تحرقها بلا هوادة , قالت و هي تحاول الاستفاقة من ويلها :
    - أنا ... أنا ... أنا لا أمّ لي .
    - آثفة ...
    لم تعد تستطيع الاستيعاب أكثر , لا استيعاب مكانها , و لا استيعاب ... زمانها , ارتفع نحيبها المخنوقُ تردداً في صدرها , و أصبحت الدموع طبقة زجاجيّة داكنة على صفحة وجهها المتعب .
    أحسّت باليد الصغيرة الدافئة تربت على ظهرها , ليتبعها الصوت الذي أصبحتْ تعشقه رغم أعشار الدقيقة التي سمعته فيها و حسب :
    - لماذا تبكين ... و أنتِ كبيرة ؟ الكبار لا يبكون !
    - لأنه ... مؤلم , حقاً مؤلم و موجع , مؤلم جداً ... جداً
    زمّت الفتاة شفتيها و كأنها تميز الأمر في رأسها , ثم استبشرت معالم وجهها و كأنها أدركت ما يجب فعله . تنفستْ عميقاً ثم غنّت بصوتٍ شادٍ واضعة يدها على رأس جود :
    " حيــــنما تثرق ثمثٌ أخرى ...
    حيــــنما تداعب بأثعتها الفذرَ ... أمممم
    فلتذهب يا ألم بعيداً ذداً ... بعيداً ذداً عنّي ...
    أنا لي أحلامٌ و لأنّي ...
    عميقاً في قلبي إيمـــــــــــــــــان ...
    أنا إنـ ... ثـــــــــــــان ... أنا إنثان ...
    ثماءٌ ذرقاءٌ تحويني ...
    و آمالٌ تنثيني ...
    أحذاني ... أثذاني و تثلينـــــي ...
    و ثأحلّق بذناحين ... من ألوان الطيف ...
    فلا أحذان , و لا ألآلآم , و لا كذبَ , و لا ذيف ... "
    ابعدت الفتاة يدها عن رأس جود و قالت بحماسة طبيبٍ أتقن العلاج :
    - أمي تقول أنّ في هذه الأغنية ثحراً يمكنه أن يبعد أيّ ألم ... ها هل ذال الألم ؟
    كان عقل جود قد توقف تماماً عن الإدراك في هذه اللحظة , إنه ملّاكٌ متشكلٌ من السموات العلى , لا يمكن أن يكون الذي أمامها إنساناً , قالت بابتسامة ملطخةٍ بالدموع :
    - سحراً !! ... إنها حتى بلا قافية .
    رفعتْ مقلتيها لتواجهان العينين البنيتين اللتين لا يشبه لونهما اللون في عينيها بشيء , فذلك الإشراق فيهما لا يقرُب القتامة التي تحوم في حدقتيها لا من قريب و لا من بعيد , رفعت عينيها للوجه الطهور قبالتها , و قالت و هي تمسح شعرالطفلة الزنبركي القصير :
    - ما اسمكِ ؟
    - اثمي ...
    - جود ... جود أين أنتِ ؟
    انتبهت الطفلة على النداء فقالتْ لجود على استعجال :
    - أمّي تناديني , وضعتْ يدها السليمة على جبين جود و تابعتْ , أيها الألم اذهب بعيداً ...
    طارت يدها في الهواء بعد ذلك و هي تشير بعيداً , و كأنها تدّل الألم على طريق الرّحيل .
    - هل ذهب ؟
    هزّت جود رأسها لتُجَابَه بأعذب ابتسامة بغمّازين عميقين ألحقتها الفتاة بتلويحة ودودة لتنطلق أقدامها الصغيرة نحو والدتها .
    - لحظة ...
    توقفتْ على نداء جود و استدارت لتظهر على الوجه الدائريّ الصغير أجمل نظرات تساؤل , اقتربت منها جود ثم قالت و هي تنزع عقداً ناعماً من جيدها و تعلّقه على رقبة الفتاة :
    - أتمنى لكِ مستقبلاً جميلاً ... يا جود .
    و لم تكن تدرك ساعتها لأي الـ " جودين " كان دعاؤها .
    رجعت إلى كرسيّها متناثرة الأوصال , لتفتح حقيبتها و تخرج منها دفتراً أمتلأ غلافه بعروق الياسمين جيدة التجفيف , قلّبت صفحاته حتى وصلت عن العلامة الورقيّة , ابعدتها و شرعت تكتب بالقلم العطري المعلّق في الدفتر :
    " عزيزي , كيف أنتَ اليوم ؟ أتدري ما الذي حصل ؟
    اليوم كذلك حاولتْ , لقد زرتها لكنها لا تزال تكرهني كما أنتْ , لقد أخبرتها أنني كفّرت عن خطيئتي لكنها قالت أنْ لا كفارة لذنبي .
    في الحقيقة معكما حقٌ في كرهنا أنا و تلك و ذاك ...
    و هل هناك أناسٌ طيّبون في هذه الحياة يحبون " الشياطين " ؟!
    "

  15. #234
    - 7 -


    نظر أمامه بعينين ذهبيتين زائعة , ضيّق اتساعهما ليركِّز على المرمى الذي واجهه , تنفس ثم هوى بكعب قدمه على الكرة .
    - سحقاً لهكذا تسديدة .
    ضرب أرضيّة الملعب " النجيلية " بمقدمة حذائه الريّاضيّ الذي فاز به ببطولة العام الفائت مُوَقّعَاً من أحد مشاهير كرة القدم , ثم استلقى على العشب الرطب محدقاً في تشكيلات الغيوم القطنيّة على لوحة السماء , و كأنها أكوامٌ من " عزل البنات " !
    - ما بك أوس ؟
    مدّ له صاحبه علبة المياه المعدنية ثم استلقى إلى جواره , الجو شبه الرّبيعي عاد به أعواماً للخلف قطّب منزعجاً للأمر الوحيد الذي أصبح يفكر به مؤخراً , و كعقابٍ – و طريقة إيقاظٍ كذلك – أفرغ قارورة الماء على وجهه .
    - يبدو وضعك متردياً حقاً .
    - كفّ عن مضايقتي عكرمة فلن أخطأ التصويب على " سحنتك " .
    - أفهم من مزاجكَ المتعكّر أنكَ لم ترها منذ مدّة .
    استقام أوس من اسلقائه كالملدوغ , ثم زأر في وجه عكرمة و هو يرفعه من ياقة بدلته الرياضيّة :
    - لا تأتي على ذكرها و إلّا خطتُ فمك .
    - يا رجل , أبعد عكرمة يد أوس عنه بعناءٍ واضح ثم تابع و هو يعدّل وضعيّة ياقته التي كادت أن تتمزّق , إن كانت فيكَ مروءة بحق فأظهر بعضاً من الرجولة .
    - ها ...
    - نحن في المرحلة الأخيرة من الثانوية , و أنت تمارس حكايا الأطفال هذه
    - و ما الذي تريد منّي فعله أيها اللعين ؟
    ابتعد عكرمة بحفظٍ من الله عن اللكمة الساحقة التي وجهها له أوس و أكمل و هو يهب على ساقيه مبتعداً :
    - أيها الأحمق لم أقصد سوءاً , إن كنتَ تريد فتاة قف أمام الجميع و قلّ " أريدها " .
    - أريدها ؟ أريدها في ماذا ؟
    - هل أنتَ مغفّلٌ أم مختلّ ؟ تريدها في ماذا ؟ في الزواج أيها الحائر .
    - أخرس الله لسانك , أتدري في أي سنة نحن ؟
    - أجل أدري نحن في السنة الثانوية الأخيرة و على أبواب الثامنة عشر , لقد كان الرجال في السّابق يتزوجون في الرّابعة عشر .
    - من هم اللذين كانوا يتزوجون في الرّابعة عشر ؟
    - على زمن جدّي ...
    - ما ... ماذا ؟ , هل تزوَّج جدّك في الرّابعة عشر ؟
    - لا , تلكأ قليلاً ثم تابع , لكنه رآهم .
    - رآهم ؟!! اسكت اسكت , فلتغلق هذا الفم الكبير , لقد سددّت شهيتي سدّ الله شهيتك .
    اقترب منه عكرمة ثم قال و هو يرمقه بنظراتٍ مُقَطِّبَة :
    - إذاً توقف
    - ماذا ؟
    - توقف عن ملاحقتها إن لم يكن الأمر جديّاً .
    قالها لتستقرّ في أعماق أوس عبارة صادقة , نعم كلّ الذي يقوم به مع رسيل لا يجوز , لقد أبكاها حمقه في المرّة الماضية , و من يومها لم يكن قادراً أن يضع عينيه على عينيها , فقط يرقبها من البعيد كأقذر لص , لكنه لا يعلم , لا يدري ما الذي يصيبه في حضرة رسيل , لا يدري لم يفضّل دوماً أن يزعجها كلّما أحسّ بأنه أصبح ألطف معها , لِمَ يلجأ لهذه الوسيلة حينما يشعر بهدوء حديثهما , " يا إلهي , هل أصبحتُ شاباً حقيراً ؟ " سأل نفسه و خشيّ أن تكون الإجابة " لا " فساعتها ... سيكون التفسير مخيفاً أكثر .
    كان الغروب قد أوشك على " البزوغ " ! . جمع أوس أغراضه في حقيبته الطويلة : شبكة كرته و قمصانه التي بدّلها و ...
    فزع على اللكزة التي اخترقتْ كتفه
    - ماذا ؟
    تخشّبت تعابيره على محيّاه كأحفورة عتيقة , ما كان ليصدّق عينيه لولا أن سمع صوتها مبحوح الغنّة بأمِّ أذنيه :
    - إن أصبتُ بالجلطة فستتحمل أنتَ مصاريف المشفى , ما هذه الصرخة " الطرزانيّة " بحقّ رب العرش ؟!
    - سـ ... سلامتكِ ...
    - حنون يا أخي حنون , هيّا تحرّك أمامنا مسيرٌ طويل .
    لم تقابل رسيل أيّ استجابة منه فوكزته ثانية بالعود الطويل الذي كانت تحمله .
    - توقفي عن نغزي أيتها المجنونة .
    ظهرتْ معالمها الشقيّة المذيبة لروحه على وجهها و هي تقول معاودةً نقره على كتفه :
    - لِمَ ... لِم أتوقف ؟ إنّ الأمر مسلٍّ للغاية .
    - سأريكِ الآن ما المسليّ ...
    أطلقت ساقيها للريح حينما رأت العفاريت تتقافز من هيئته , توقفتْ بعيداً عنه و خاطبته محذرة :
    - أنا في مهمة مستعجلة لأكلير , فإن تأخرنا بسببك فسأعرف كيف أجعلها توبخك , أردفت بصوتٍ ساخر يدّعي الجديّة , كابتن رابح .
    كانت تقف بمواجهة الغروب تماماً , أغمض عينيه للحظة حينما أحسّ باعوجاج مسيرهما , و قال متحاشياً التفكير في اللوحة الدافئة التي ارتسمتْ أمامه :
    - و ما هي المهمة المستعجـ ...
    أسكته وجومها الحائر في السماء الحمراء ذهبية الأطراف , ثم أفزعه ما تناهى لسمعه من عَبَرَاتٍ أطلقتها , هرول إليها بكلّ قوته حتى وقف أمامها .
    - رسيل , مابكِ ؟
    مسحت عينيها بفوضويتها المعتادة التي يذكر جيداً كلّ حركة و سَكَنَة فيها , ثم زفرت بضيق و لم تجب فعاود السؤال و لكن بإقترابٍ أكثر لما تخفيه طيّات روحها :
    - أذكركِ الغروب بإحداهنّ ؟
    - أوس أنا ...
    أجهشتْ بالبكاء فعليّاً كما بدأ المارّة بممارسة هوايتهم الأبدية " الفضول النزق " , فقد اصطفوا مشيرين نحو رسيل بوجوههم الفظة المتسائلة عمّا لا يعنيها .
    أخذت تمسح عينيها دونما وعيّ ليكفوا عن النظر إليها حينما غطّاها طلٌّ طويل , فقد وقف أوس قبالتهم و حجبها معطياً إياها ظهره , قال يخاطبها دون أن تحيد عيناه الذهبيّة الجريئة عنهم :
    - ابكي ... سأستمع لكِ حتى النهاية .
    و كأنه أعطاها المفتاح الضائع , ظلّت رسيل تنشج خلفه طويلاً ... حتى أفرغت جوف روحها المثقلة بالذكريات الفاسدة .
    ******** **** ** ** * * * *

    إنه لمن المألوف رؤية الغيوم الصافية بعد ليلة طويلة ماطرة !!

    "
    لكن أ تعرفون أن فتيات المدينة الفاضلة لديهن مليون سبب للتعاسة ؟!! "

    * * * * ** ** **** ********

    - هيه ...
    التفت أوس على ندائها المتضجّر و قال بنفس لهجتها المصطنعة للاستياء :
    - ماذا ؟
    - اسمع ... أقصد ... شكراً ... ليس كثيراً
    - ما هو الـ " ليس كثيراً " ؟
    - كفّ عن ازعاجي يا هذا و إلّا أكلتكَ نيئاً بدون ملح ... و ها أنا أحذرك .
    - لا أنصحكِ بذلك ... ليس جيداً لصحتكِ
    - أتودّ التجربة إن كان جيداً أم لا ؟
    - إنّه جاهز .
    قطع الصوت النشيط هجومها " البريّ " الذي رفعتْ أكمامها استعداداً له , فأخذ أوس الثوب من عامل الكيّ شاكراً ثم قال بعد أن وافاه بحسابه :
    - إكلير المزعجة , أوتظنني " دليفري كوم " مثلاً ؟ أن تكون لك أختٌ كبرى , هذا كفيلٌ بأن يخضعكَ لتجربة قاسية طوال حياتك .
    - أنت يا بني أخوها على الأقل , قل ما الذي ورطني أنا في الأمر , اسمع اسمع قالت " أوس لن يتذكر شكل الفستان , أمّا أنتِ فقد رأيته في الحفلة " عن أيّ حفلة كانت تتكلم ؟
    - رسيل هل أنتِ متأكدة من أنه هو المطلوب ؟
    - ربما
    - جيد أنا الآن بين أكثر فتاتين جنوناً على وجه البسيطة , رائع هل أريد مغامرةً أكثر من هذه ؟
    - حقاً ؟
    تساؤلها الجديّ هو ما جعله يندم على مزاحه الثقيل , أراد أن " يرقّع " الأمر لكنها أكملتْ بكآبة مطبقة :
    - هل حقاً أبدو مزعجة لهذا الحدّ ؟
    - لا أبداً ... أ أقصد ليس كثيراً , يمكنني تحملكِ .
    - يبدو أنّ هذا ليس رأيكَ فحسب .
    أطرقتْ برأسها و مشت خطواتٍ يسيرة لتقف بعدها مصدومة من أكثر كلمة غريبة توقعتْ أن تسمعها من أوس .


  16. #235
    قراءة أكثر من ممتعة أتمناها لكلّ من طرق أعتاب " الحديقة السريّة " مشاركاً كان أم زائراً ... أم ضيفاً مجهولاً .
    لجميعكم ...
    ودّي و عميقَ احترامي ~<@

  17. #236
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ~
    ياااه جزئين !!
    حجز الاولى للجزء الجديد zlick

    لي عودة بإذن الله embarrassed
    بِآلإستغفآرِ .. ♥
    ستسعدُون ، ستنَعمون , ستُرزقون من حيثَ لآ تعلمون
    [ أستغفرُ الله آلعظيمَ وأتوب إليه ]

  18. #237


    اااااه تتبببا أسممممماااء cry .
    أنا على وشك البككاء cry .
    كيف يمكنك ربط الشخصيات بهذه الطريقة الرائعة cry ؟
    هذا الجزء صادم جددا و يرببط معظم الشخصيات بطريقة ملتوية !!
    لم أتوقع أن تجمعي بين جود و رسيل , أما جوين و إليغانت فتلك حكاية أخخرى cry .
    ااه يا أسمماء .
    تباً لنفسي الكسولة ! , لابد أن أتأكد من كتابة رد طويل لهذا الجزء بالغد ogre .
    crycry .

  19. #238
    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته جميعاً ...
    أهلاً بكم أعزّائي ,

    فقط أحببتُ أن أشير لأمر كان في نفسي منذ زمن و آليتُ إخفاءه أكثر ,
    أعزائي و يا غاليين عليّ , لا أودّ أن تكون الردود شيئاً ثقيلاً عليكم أو مزعجاً لكم و ليس هذا من نيّتي في شيء , أحب أن أسمع أراءكم بل و أؤثرها على كثير من مشاغل حياتي و أعطيها الأولوية في كثير من أوقاتي و لكن , لا أريدها أن تكون مبعث ضيقٍ لأي أحدٍ منكم , أو إحراجٍ بل أريدها اختياراً و أمراً من قرارة النفس لا ضغط فيه و لا إكراه , فمن كانت لديه ظروف أو ضاقت عليه الأوقات فليمض بها من غيرما اعتذارٍ على تصرف ما من خطأ فيه , و لذا فأرجوكم لا تكتبوا أو تزجوا باعتذار لأنني أتفهم ظروف كلٍّ منكم و أقدر حياة كلّ واحد و أعلم انها بها الكثير الكثير من الظروف و المشاغل , وفقكم الله لكلّ خير .

    وقتاً طيّباً و حيّاكم الله جميعاً .
    صاحبة الموضوع .
    اخر تعديل كان بواسطة » سوريا حرّة في يوم » 24-09-2012 عند الساعة » 16:50

  20. #239

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
    كيف حالك عزيزتي اسماء ؟ بخير وصحة ان شاء الله ..
    الأجزاء تصبح احلى في كل مرة ^^ .. أحببت هذا الجزء كثيرا ..
    كان به من الغموض وولد لدي ما يكفي من الحيرة ليزداد عشقي لرائعتك ..
    ..
    جود ، يا الله .. لا اعلم ما اقوله عنها ، مسكينة لقد تآلمت لحالها ، ليست سيئة كما يصفها الجميع ، بها شيء حنون ودافي ، تكفي عروق الياسمين الجافة لتدل على ذلك ..
    جود الصغيرة : يا إلــهي ما احلاها ^^ احببت هذا الملاك الصغير كثيرا ^^
    تودد كرهتها حقا في هذا الفصل ! لم اعد استطيع تميز مشاعري تجاهها ، لماذا تستمر في توبيخ نفسها بهذا الشكل ؟ لماذا لا تكف عن ايذاء ثابت بكلماتها القاسية رغم انها اعتذرت قبل برهة من الزمن !! ..
    وما يزال ثابت افضل مثال للشاب البار بأهله !! احببت شخصيته كثيرا ^^
    ..
    رسيل ، هذه الفتاة بدأت احبها حقا ، رغم كل طبقات الصبيانية والجنون فيها فإنها فتاة رقيقة وحساسة ^^ وتلك النزعة للشجار في دمها رائعة حقا ^^ اود فعلا التعرف على فتاة مثلها ^^
    أوس ! لا اجد ما أقول عنه ، سوى شوقي لمعرفة تلك الكلمة المتعجلة التي ارسلها خلف رسيل ^^
    ..
    احببت هذا الفصل كثيرا ^^ وتفرغت قليلا من امتحاني البائس لأقرأه ^^ وزاد شوقي للتالي ^^
    أضن أن الرواية ما تزال في فصولها الأولى صحيح ؟؟ إن كان كذلك فهو رائع laugh ^^

    دٌمتِ مبدعة عزيزتي ، ودٌمتِ بألف خير ^^
    تقبلي مروري وردي القصير ^^

  21. #240
    غالية جداً يا وايت و والله عزيزة على القلب ...
    ليس لأنكِ تتابعين الرواية و تشاركين فيها أو لأنك تمتدحينها لكن سبحان من يلقي في القلب محبة حتى دون عميقِ معرفةٍ .

    أسعدكِ الله و أهلاً بكِ دوماً ...
    و لي بالتأكيد عروجٌ آخر و تعقيب حقيقيّ مجدد .
    سلامي و كثير ودّي ~<@

    ملاحظة : أشعر أنّ دراستكِ في أحد الفروع العلّمية و لا اعلم ما سبب هذه الشعور ( مرّة أخرى ! ) .
    اخر تعديل كان بواسطة » سوريا حرّة في يوم » 25-09-2012 عند الساعة » 15:34

الصفحة رقم 12 من 15 البدايةالبداية ... 21011121314 ... الأخيرةالأخيرة

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter