- 9 -
في صباح اليوم التالي , كان ثابت عائداً للمنزل بسيارته مع أمه و جوين , و الوضع قد عاد تماماً لما كان عليه مسبقاً , بعد لقاء جوين وتودد الذي امتلئ بالدموع و الاعتذار , و بعدها ... كأن شيئاً مما حصل لم يحصل , على الأقل بالنسبة لتودد , نزل من السيارة ثم اتجه للباب الخلفي و فتحه لوالدته , كان يريد أن يمسك بيدها لينزلها , غير أنها أبعدتها قائلةً :
- لم أصبح عجوزاً بعد .
ضحك ثابت و قال و هو يتنحى من أمامها قليلاً :
- هناك طريقة واحدة لنثبت ذلك .
رفعت له عينيها الحادتين و قالت ناهرةً :
- ثابت ...
تراجع للوراء و قال و هو يذهب ليفتح الباب لجوين :
- هل تذكرين ؟ عندمـ ...
- ثابت أقسم أنني أمتلك قوة كافية لمعاقبتك بشكل قاسٍ فلا تختبرني .
- بصراحة لا أودّ ذلك أبداً , فكلانا يعلم أنني من سيندم في النهاية
- جيد .
قالتها واستدارت لتعود للمنزل .
كانت جوين تريد أن تزل لكنها أحسَّت بالخدر في رجليها , انخفض نحوها ثابت و لف ذراعيه حولها :
- تعالي سأحملك .
قالت مبتعدة : - لا , أستطيع المشي وحدي , أستحي أن تحملني أمام النَّاس .
ضيَّق ثابت عينيه الزرقاوين غير مصدق ثم قال بضجر و هو يحملها عنوة :
- و أنا أستحي أكثر إن رآك الناس تمشين كالبلهاء , تخطين خطوة و تضحكين نصف ساعة بعدها .
حاولت أن تفلت نفسها , لكنه نظر لها بحزم فكفت .
كانت تودد تراقبهما من أعلى سلم المنزل الحجري بامتعاض , قالت مستخفة و هي تفتح الباب بشدة :
- ظرفاء جداً !!
ما إن فتحت الباب حتى أسرع حواري نحوها متهلل الوجه , حملته على الفور و قد تبدلت معالم وجهها , و كسته الفرحة عن آخره , أخذت تقبله بحنان و شوق كبيرين فقال محاولاً أن يمسك الأحرف التي تطايرت من لسانه في كل مكان :
- اشـ ... تقـ ... ت لـ ... لك ... - ضغط عل نفسه و تابع - كثـ ... ثير ... اً ... ماما .
نظرت لوجهه ثم احتضنته بقوة مرة أخرى و هي تقول :
- و ماما اشتاقت لك أيضاً , اشتاقت لك أكثر من كل الشوق في هذه الحياة يا حبيبي .
أخذت تبكي و تضحك في نفس الوقت , وضعته على الأرض و أدارت وجهها عنه لتمسح دموعها الغزيرة .
دخل ثابت من الباب و أنزل جوين , نظر في عيني أمه , و لم يفهم معنى تلك النظرات فيهما , أشاحت بصرها عنه بسرعة و قالت تحدث بيديها حواري قبل أن يصل لجوين :
- ماذا تريد من ماما أن تطهو لك ؟
سكت قليلاً و كأنه يفكر , ثم قال دون أن يحرِّك يديه :
- كاسـ ... ترد .
ضحكت تودد من قلبها و قالت و هي تداعب شعره الأسود اللامع حيناً , و تشير بيديها مترجمة له حيناً آخر :
- كاسترد , و هل هذا يعد طهياً ؟ , حسناً يا حبيب ماما سأصنع لك اليوم كل الذي تحبه .
داعبت شعره ثانية , و مشت خطوات توقفت بعدها ... " لِم لم يتكلم بالإشارات معي اليوم ؟ " , لا تعلم لم شعرت بألم في معدتها و هي تفكر بذلك .
ما إن رأى حواري جوين حتى أسرع نحوها يحتضنها , انخفضت أمامه و قالت بمرحٍ عظيم و هي تترجم بيديها :
- لقد كدت أجنّ من شدة ما اشتقت لك أيها الفتى , لحظة ما هذا هل توّرد خداك للتو ؟ مني أنا ؟ و كذلك – مررت كفها من أخمص قدميه إلى رأسه مدعية أنها تشبره ثم تابعت – كذلك طولك زاد
استقامت ثم قالت لثابت :
- أمتأكدٌ أنه هو نفسه حواري الذي تركناه ؟ لا لا لا هذا شاب ناضج وسيم لم أره من قبل .
ضحك حواري كثيراً و هي أيضاً , لكنها حين نظرت لثابت وجدته شارد الذهن تماماً .
أسرع ثابت خلف والدته وترك جوين تلاعب حواري في غرفة الجلوس , ما إن وقف قبالتها حتى بادرته السؤال بلهجة صارمة :
- ما الذي حصل مع حواري في المدرسة ؟
- لا شيء
- هل رافقه أحدٌ وقت بقائي في المشفى ؟
- لا أعلم .
قالت بقسوة و غضب :
- و ما الذي تعلمه إذاً ؟
- أمي ...
لم يعرف بم يجيبها فأخفض رأسه بخجل .
- ليس خطؤك , نعم , نعم ليس خطؤك , إنه ذنبي أنا , لقد تركته يوماً بأكمله دون أن أسأل عنه , إنني أم فاشلة ... نعم أمٌ حمقاء فاشلة .
- أمي لا تقولي ...
- سأذهب لأشتري حليباً , أريد أن أصنع له ما طلب .
- دعيني أذهب أنا .
توقفت عن المشي قليلاً و نظرت له , كانت نظرة مليئة ... بالعدوانية , تابعت المشي بعد ذلك , وثابت من ورائها غارق في حزن لانهائي .
*** * * * *** *** * ** ** *** * ** *
قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم : " رغم أنفه , رغم أنفه , رغم أنفه - قيل من يا رسول الله قال - من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة "
رواه أبو هريرة .
* * * ** * *** ** ** ******* ** **
- 10 -
في وقتٍ متأخرٍ من العصر, كانت والدة رسيل تجلس بالقرب من مدفأةٍ قديمة ضَعُفَ وهجها , و إلى جانبها يامن يراجع بعض السطور في برنامج قواعد البيانات الخاص بالشركة , يمحي سطوراً ويطبع على أثرها أخرى بسرعة و ينقِّل عينيه بين شاشة الحاسب المحمول و جداولٍ كبيرة أمامه .
- يامن , قالتها أمه بتردد
- أممم .
- هل رأيت صديقة رسيل التي أتت ذلك اليوم ؟
- أممم .
- فتاة رائعة أليس كذلك ؟
- أممم .
- إنها جميلة و مؤدبة و ذكية و الجميع هنا أحبها .
- أممم .
- و ما ... رأيك إذاً ؟
- أممم .
قرَّبت كرسيها منه و أطبقت شاشة الحاسب المحمول بغضب .
- أمي مهلاً , لِم فعلت هذا ؟
قالت منزعجة من عدم انتباهه لها :
- لأنني لن أتحدث معك طوال الوقت و أنت تموء أمامي كالأبقار فقط , أنت لم تسمع كلمة مما قلت .
- بل سمعت .
- و ماذا قلت إذاً ؟
وضع يامن الجهاز جانباً , و قال مبتسماً و هو ينخفض عند قدمي أمه و يمسك بيديها :
- كنتِ تتكلمين عن صديقة رسيل التي أتت إلى هنا ذاك اليوم , و التي هي بالمناسبة لاتزال في المرحلة الثانوية يا أمي .
- و ما المشكلة ؟ أحرامٌ أن تخطب فتاة في المرحلة الثانوية ؟
- لا يا أمي ليس حراماً , ولكن ...
- ليس من لكن , و إكلير ؟ ما مشكلة إكلير ؟ هل هي أيضاً لاتزال في المرحلة الثانوية ؟
ضمَّ يديها بقوة و قال يقبلهما :
- أمي أتوقع أنني شرحت لك الأمر أكثر من مرة .
قالت بانفعالٍ أموميٍّ بحت :
- لم أقتنع , أنت الآن في الثلاثين من عمرك , فكيف تريد مني أن أصدقك حين تقول أن الوقت لايزال مبكراً على الحديث عن الزواج ؟ .
لفت وجهها للناحية الأخرى لتخفي عينيها الدامعتين عنه , لكنه استقام من فوره و قال وهو يحاول النظر في وجهها :
- أرجوك أمي ... أقسم أن هذا هو السبب .
- أعلم ...
أخذت نفساً عميقاً و قالت و هي تفلت يديها من يديه لتمسح بها عينيها :
- أعلم أنك تفعل هذا لأجلنا ...
أخفض رأسه ساعتها و لم يعلم ما الذي يمكن أن يقوله . تابعت و هي تنزل يديها عن عينيها المحمرتين و تعتصر كفيها بشدة :
- أعلم كيف تفكر , إنك تشعر بالذنب لو سمعت إحدى أخواتك تشتهي شيئاً و نحن لا نقدر أن نوفره لها , فكيف إن فكرت بالزواج , و من ثم تركنا , كل هذا لأنك العائل الوحيد لهذه الأسرة , إنك تشعر أنها أنانية و خيانة كبرى لنا أن تتخلى عنَّا بهذا الشكل و تبدأ حياة خاصةً بك .
- ليس الأمر كما تقولين ...
- بل هو كذلك , لكن أتعلم ؟ أتعلم كم أتحرّق شوقاً لرؤيتك في أسرتك الخاصة , تحيا حياتك الخاصة بعيداً عن أصفادنا التي تكبلك للأسفل دائماً .
- أمي ...
أرجعت كرسيها للخلف و مضت من أمامه , و أنينها المكتوم يملء الأجواء .
أراد أن يلحق بها , أن يحتضنها , أن يفعل أيَّ شيء لإسعادها و إرضائها , فهي الأخيرة في هذا العالم كله , في نظره , التي تستحق عناءً أو أحزان , لكنه لم يستطع .
رمى بنفسه على الأريكة التي أخضعها الزمن و أخفضها , ثم رمى بيده على وجهه مفكراً لوقتٍ طويل .
- لن أسمح بأن تجعلوها تقترب لهذه العائلة .
التفت للصوت الذي خاطبه , كانت تلك رسيل تقف أمامه و تضع يديها في جيبي منامتها , قال و هو يعاود إراحة رأسه على الأريكة – التي لم تعد أريكة أصلاً - و يضع يده فوق وجهه :
- هل كنت تتجسسين ؟
- لا أكترث و لا يهم بالأساس , لن أسمح لكم أن تدخلوا جوين في عائلتنا .
ضحك فقالت بغضب و بيديها حاولت إبعاد يده عن وجهه :
- لم أقل نكتة في الحقيقة , يامن أنا أتكلم بجدية , لا تحاول الاقتراب من جوين .
- اسمها جوين إذاً .
حرَّكت عينيها نحوه متعجبةً من طريقته , فأكمل بذات اللهجة الماكرة :
- لو أردتِ الصدق , هي جميلة , بل جميلة جداً , ربما ...
- يـــــــــــــامن .....
قالتها بتوحشٍ و حاولت الانقضاض على رقبته , أبعدها عنه بجهدٍ كبير , ثم قال و هو يحاول تقييد يديها المتقافزتين إلى عنقه :
- أمزح أيتها الخرقاء .
- أفلتني و سترى .
- أقسم أنني أمزح , حسنٌ , أعتذر , و الله أعتذر و لن أكررها من جديد .
- إياك أن تتكلم عنها بهذه الطريقة القذرة مرَّة ثانية , أفهمت ؟
- حسناً حسناً فهمت , لكن أرجوك لا تمزقيني قطعاً مجهريةً , فيضطروا لتقييد سبب وفاتي ضد " مجهول "
- دعني , لن أفعل شيئاً
أفلتها و ابتعد عنها يسيراً فصرخت فيه :
- عندما أقول أنني لن أفعل شيئاً فهذا يعني أنني لن أفعل شيئاً , ماذا تظنني ؟ لا أملك كلمة شرف !!
قال يحدث نفسه و هو يحك شعره مفكراً :
- الله أعلم من أي صبيّ أخذت تلك الكلمة
- ماذا قلت ؟
- ليس من شيء
عاد ليأخذ حاسبه المحمول و الجداول التي كان يعمل عليها فسألته سؤالاً جعله يترك ما بيده و ينظر نحوها ببلاهة :
- أ تحبها ؟
ابتسم ثم قال و هو يتوجه نحوها ويلف ذراعه حول رقبتها , و يقربها منه :
- أحبكم أنتم , أحب عائلتي التي عشت معها كل أوقاتي الحلوة و المرّة - قرّبها منه و أكمل بعد أن ضربها على رأسها بيده الأخرى ضربة خفيفة - أنتم و حسب .
قالت و هي تحك رأسها متألمة :
- هذا ليس حباً , بل مصارعة .
تركها , ثم قام ليلملم أغراضه , توجه بعد ذلك نحو الباب , توقف عندما وصل له , ثم قال ملتفتاً نحوها :
- لكن أتعلمين ؟ , هناك وجوهٌ كثيرة للحب , وجوه قد نراها في بعض الأحيان كرهاً خالصاً .
لم تفهم رسيل ما عناه , لكنها أعتبرت كلامه ضرباً من ضروب " حكمة ما بعد العصر " !!
لكن يامن حين تركها , لم يعلم لِم أحسَّ أن هناك شيئاً صغيراً يزاحم ليجد له مكاناً داخل قلبه , و لم يعلم كذلك لِم أحسَّ أنَّ هذا الشيء قد وجد له مكاناً بالفعل .
********** ***************** **************************
" أكره " أرقام السوبر " ...
ذلك أن الكلام ليس دونما ثمن , أبداً ليس دونما ثمن ...
و الكلام كلَّما كثر زادت الأخطاء فيه . " - مجرد فكرة -
*************




اضافة رد مع اقتباس


..
..
..!
!
< ايوا بدأت بالتهديد الله يخلف علينا
~



المفضلات