لم تمض ثواني حتى توافد عدد كبير من البشر و اصطفوا حول جوين محدِّقين فيها بفضول فقالت بخوف :
- رسيـــــل ... ما الذي يحصل هنا ؟
كانت رسيل تريد الكلام غير أن الجموع المندفعة سحبتها و قذفت بها للخلف , ليبدأ بعد ذلك حفل تعريف من الطراز الأول .
- أنا أدعى ريف ...
- و أنا الأخ التوأم اسمي وريف و ...
لم يتابع حيث أنه سُحِب هو الآخر للخلف
- لا عليك من كل هذه الأمور , أنا سلمى يا إلهي رموشك طويلة جداً ...
- عيونها كالفستق الحلبيّ ...
- لا أيتها المعتوهة اسمه أخضر فسفوري
- لا لا , إنه أرجوانيٌّ مصّفر ...
- فلتخرســــــــــــــــــــوا
افسحت رسيل مكاناً لها من بينهم , و قفت عند جوين و قال مزمجرة :
- الا ترون أن الفتاة مبللة بالكامل و على وشك الموت من شدة البرد , يا سكان كوكب اللطف و الظرافة ؟
سحبت جوين الغارقة في الدهشة من يدها و أسرعت من بينهم و هي تهشهم عنها .
- ما هذا الصوت يا رسيل ؟ , يالصوتك العالي و كأنه ...
سكتت السيدة التي أطلت من إحدى الغرف بكرسيها المتحرك عندما رأت جوين , قالت رسيل و هي تتقدم منها و من خلفها جوين :
- آه أمي ... مرحباً ...
- رسيل من هذه الصبية الفاتنة ؟ من أين أحضرتها ؟ هل أجبرتها على المجيء ؟
- من تظنيني ؟ لست مجرمة ... ثم أجبر من ؟ , إنها تستطيع أن تقتل البشري بنظرة واحدة .
- هل تطلق " ليزر" من عيونها ؟
كان هذا سؤال ذكيّ من أخيها الصغير .
قالت جوين مصدومة : -أطلق ... ليزر !!
- أمي ... هذه ...
التفتت رسيل لجوين متسائلة : ما اسمك ثانية ؟
رمتها جوين بنظرة حادّة , ثم التفتت نحو السيدة و قالت بطريقة مهذبة :
- اسمي جوين وسام و أنا ...
- هل تطلقين الليزر من عيونك ؟
يبدو أن السؤال يلح عليه بشدة !!
- أنا زميلة رسيل فـ...
- هل تطلقين الليزر من عيونك ؟
- في الفصل ...
- هل تطـ ...
- لا , لا أفعل .
قالتها بنفاذ صبرٍ للصبي الذي التصق بمعطفها , ضحكت والدة رسيل غير أنها توقفت عندما انتبهت لثياب جوين و اقتربت لتلمسها
- يا إلهي ... إنك مبللة بالكامل ... ماذا تفعلين بوقوفك هنا رسيل ؟ أسرعي و أعطها ملابس جافة ...
- هذا ما ...
- أسرعي فحسب , ستصاب بالبرد إن بقيت هكذا .
أمسكت رسيل بيد جوين و أسرعت بها عبر الممر الضيق نحو غرفتها .
أشعلت الضوء في الغرفة الصغيرة الممتلئة بالأثاث البسيط , كانت هذه غرفة رسيل و أخواتها الثلاث سلمى و ريف و أشرقت .
أفسحت لجوين لتدخل , و أرشدتها لخزانة الملابس
- قياسنا متشابه , ارتدِ منها ما تشائين , هناك مناشف أيضاً .
أغلقت الباب خلفها بعد أن ابتسمت لجوين ... ابتسامة حانية .
تلفتت جوين في أرجاء الغرفة غير أن القشعريرة التي أحسَّت بها جعلتها تشرع في تغيير ملابسها .طرق الباب بعد دقائق و سمعت جوين من خلفه صوتاً أنوثياً جميلاً :
- هل من الممكن أن أدخل ؟
قالت جوين و هي تضع المنشفة التي كانت تجفف بها شعرها الأسود الطويل جانباً :
- تفضلي .
فُتح الباب و دخلت منه فتاة مليحة الطلّة , ترفع شعرها البني الداكن للأعلى و ترتدي قميصا و تنورة شتويان و بسيطان للغاية , نظرت لجوين ثم أغلقت الباب خلفها , لتعود مجدداً للنظر لجوين بطريقة مستحسنة
- لا تبدو هذه الملابس بهذا الجمال عندما ترتديها رسيل .
ابتسمت جوين حياءّ , فأردفت الفتاة :
- ما اسمك ؟
- جوين .
- جوين ...
رددت الأسم أكثر من مرة و كأن لحنه أعجبها , في اللحظة التالية طرق الباب بعنف ففزعت جوين
- جوين , هل انتهيتي ؟
كان ذلك صوت رسيل ,دخلت بعد ذلك بطريقة لا تقل تهذيباً عن الطريقة التي طرقت الباب بها , فقالت الفتاة و هي تحك شعرها بطرف إصبعها باستغراب و تكلم رسيل:
- حسناً إنني الآن أفكر بالأسباب التي جمعت فتاة جميلة ورقيقة و حسناء مثلها , مع ... شيءٍ مثلك ؟
ضحكت جوين على طريقة لفظ الفتاة لكلمة " شيء " و أحست كم أن هذه الكلمة تناسب رسيل تماما , هذا إن لم تكن الأنسب .
تجاهلتها رسيل و قالت و هي تعرِّف بأختها :
- جوين هذه أختي الكبرى أشرقت , أشرقت هذه صديقتي جوين ...
- صديقة من ؟
قالتها جوين , فوكزتها رسيل قائلة : - لا تدققي على الأمور الصغيرة ... و الآن يمكنك أن تسأليها جوين
- أسألها ؟؟
قالت رسيل و قد بدأت فعليّا الضحك بشدة :
- أن تسأليها متى أشرقت ؟
و انخرطت بعد ذاك بضحك هستيريٍّ لم يشاركها فيه أحد , سكتت حينما أحست أن لا أحد ضحك معها , فقالت موضحة لجوين :
- أشرقت ... أفهمتي ؟ ... أشرقت , متى أشرقت ... يـ
- فهمتها و ليست مضحكة .
مدَّت أشرقت لسانها لرسيل ساخرة و قالت و هي تخرج من الغرفة :
- لا أظن أحداً يضحك على هذه الدعابة السمجة سواك
- للعلم فقط ... لقد كنت أول من ضحِك عليها .
أغلقت أشرقت الباب بعد أن خرجت متجاهلة رسيل تماماً, ضحكت جوين على وجه رسيل الممتقع فالتفتت لها رسيل غاضبة فزاد ذلك من ضحكها , لكن رسيل توقفت للحظات و هي تحدق في ابتسامة جوين , كانت تمعن النظر فيها و كأنها تريد حفظها , أو طباعتها في عقلها للأزل , و ارتياح غريب يحيط بها .
انتبهت جوين لتحديقها فقالت و هي تسيطر بصعوبة على موجة الضحك التي أصابتها :
- لِم تحدقين هكذا ؟
- الآن علمت لِم لا تضحكين كثيراً ؟
اقتربت من جوين و تابعت بمكر :
- تصبحين الأشد غباءً حينها ...
- أريد حقاً تصديق ذلك , لولا أنك أخر من يحق له التكلم عن الحمق , أظن أنه لا داعي للتفسير أكثر ...
حدقت بها رسيل باسمة , و لم تحرك عينيها عنها إلا عندما سمعت صوت والدتها تناديها من الخارج :
- رسيــــــل , سيجهز الغداء بعد خمس دقائق , تأكدي من أن تنزلي ضيفتك حينها لتأكل شيئاً دافئاً
- حسناً .
- لا أستطيع يجب أن أذهب .
- صدقيني لن تدعك أبداّ مهما قلت أو فعلت , عشر دقائق لن تأخرك كثيراً , سأوصلك أنا و يامن .
أحمّر وجه جوين لاإرادياً و قالت بارتباك :
- لا سأذهب بنفسي .
نظرت لها رسيل بنصف عين و قالت :
- لا يجب أنت تخجلي منه أيتها الحمقاء .
- عمَّن تتحدثين ؟ , ثم لِم لا يجب أن أخجل من ... من ذاك الذي تتحدثين عنه ؟
قالتها بانزعاج ففاجأتها رسيل بجواب مقنع جداً :
- لأنه يامن .
نظرت جوين إليها وقالت بعد تفكير طويل :
- ما أنت بالتحديد ... حمقاء , أم معتوهة ؟
ثم أخذت المنشفة ثانية و جعلت تنشف شعرها بعصبية و هي تلتفت في أرجاء الغرفة , نظرت للحاسب الشخصي المفتوح و قد ظهرت عليه شاشة موقع تواصل اجتماعيّ .
- هل لكِ حساب عليه ؟
- نعم .
قالت رسيل ذلك و هي تعتلي السرير ذا الطابقين , و تحرك رجليها من فوقه جيئة و ذهاباً .
- أممم .
سكتت جوين فقالت لها رسيل و هي تنزل من السرير و تقف أمامها :
- حسناً سأقول لك أنت فقط
- عن ماذا ؟
- اسمي المستعار , سأخبرك أنت فقط به
- ولم ؟ هل اليوم هو يوم التخفيضات ؟ .
- إنه ....
كانت تشير بكفيها المفرودتين بحركة واسعة لتوحي بالغموض فقالت جوين موضحة :
- حسناً إن كنت تنوين أن تجعلي من حولك هالة غموض و أسرار فانسي الأمر , لا تجيدين ذلك .
تابعت رسيل أداءها دون اكتراث :
- إنه ... نـــــاميــــــدا ..
- حميدة ؟؟
- ناميدا يا عديمة النفع , نـ ... ا ... مـ ... و ... س , ضيَّقت عينيها مفكرة في التهجئة المتبقية ,
- و المعنى ؟
- حقاً إنك بلا ثقافة يا طيب ...
رفعت جوين عينيها مستغربة , لكن رسيل تابعت مشهدها التمثيلي التراجيدي دون أن تنتبه على ما قالت :
- أنه يعني دمعة باللغة اليابانية ... دمعــــــة .
- و ما الذي تعنيه دمعة باللغة الانجليزية ؟
- و ما أدراني ؟
- حقاً لا أفهم معنى الثقافة عندك , لكن على أيَّة حال , لماذا تسمي فتاة مثلك نفسها بـ " دمعة " ؟
- لأنه يناسبي تماماً .
رمت جوين المنشفة على وجهها و قالت باستسلام :
- حسناً لقد انتهيت من المرافعة في أمرك ... إنني أستسلــ ...
لم تكمل ... ما الذي يحصل الآن ؟
كانت رسيل تحلِّق ذراعيها حولها , و تحتضنها بقوة .
- ما ... ما الأمر ؟ ما بك رسيل ؟
أفلتتها رسيل و قالت و هي تخرج من الغرفة و تخبأ وجهها عنها :
- هيَّا أسرعي ... لا بد أنهم ينتظرون الآن .
و أرجعت الباب خلفها دون أن تغلقه , بقيت جوين للحظات تفكر في الذي حصل , و في ذلك الصوت المكتوم الذي صدر من رسيل ... و هل كان صوت بكاء ؟
عندما نزلت جوين , كان هناك عدد كبير من الأشخاص يجلسون حول مائدة صغيرة الحجم بالنسبة لما اعتادت عليه , كان هناك - بالإضافة لوفد الترحيب الذي قابلها عند الباب - رجل مسن أحسّت جوين أنه الوالد , وشاب آخر يبدو أنه أكبر منها بقليل يجلس بجانب يامن الذي كان قد عاد من مدة .
عندما رأت الأم جوين قالت بصوت عالٍ :
- تعالي هنا إلى جانبي يا حبيبتي .
قالت بصوت خجل :
- أظن أنني ... حقاً يجب أن أذهب
- تذهبين ؟ دون أن تأكلي شيئاً دافئاً !! مستحيل , تعالي فقط و لا تخجلي فنحن مثل أهلك
قال الرجل المسن بصوتٍ عميق :
- تعالي يا ابنتي , هذا أقل ما يمكن أن نقدمه لك كاعتذار عمّا فعله ذاك الأهوج .
أحسّت أن كلمة " أهوج " كثير جداً فالشاب كان يبدو من مظهره أنه غارق في ألم الذنب و الندم و كأنه اقترف خطيئةّ لا تغتفر .
جلست قرب السيدة التي ظلت تنظر لها بحبٍ كبير أربك جوين جداً , قدمت إليها صحن حساءٍ دافيء و قالت و كأنها تكلم ابنة لها :
- كلي هذا أولاً سيدفأك .
ابتسمت لها جوين و رفعت الحساء نحوها , كان الجميع يحدق فيها الآن , ابتلعت ريقها و أخذت تحرك الحساء بالملعقة بتوتر
- عذراً ... هلّي بسؤال ؟
- نعم يا حبيتي بالتأكيد .
- ما هذا الشيء الصغير في الحساء ؟
قالت رسيل بفم ممتلىء من الطعام و قد عادت لطبيعتها تماماَ :
- لا تقلقي إنه مجرد ضرس .
- رسيل
كانت هذه والدتها , مدّ يامن رأسه نحوها و قال ينهرها :
- أيمكن أن نلغي صحن المقبلات المعتاد خاصتك اليوم فقط لأجل الضيفة ؟ أعرف أن هذا صعب جداً عليك , و قد لا تنامين الليلة بهدوء إذا لم تقولي كلّ جملك الرائعة على أسماعنا , لكنها تضحية و الجميع سيقدر ذلك .
- حسناً فقط واحدة , إنها مضحكة حقاً .
قال و هو يعود لطبقه :
- لا
- إنها عن الـ ...
- إيـــــــــــــاك ...
صرخ فيها الجميع و قد علموا أنها تلك الدعابة المقرفة , و التي حين قالتها جعلت أغلبهم يتقيؤون طوال اليوم .
- حسناً حسناً , لم الصراخ ؟ لن أفهم بشكل أكبر عندما ترفعون صوتكم أكثر !!
لم تستطع جوين كتم ضحكتها بعد الآن , وضعت الصحن أمامها و غطت فمها ثم أخذت تضحك طويلاً , لم تعتد أجواء كهذه في منزلها أبداً , الجو العائلي الحميمي هذا , الضحك على الطعام , العلاقات الأخويّة بهذا الشكل , كلُّها أمور كانت تراها ... لأول مرة .
بعد غذاء صاخب , أوصلت رسيل جوين لباب المنزل , و قالت لها حين وصلوا :
- أمتأكدة أنك لا تريدين أن يوصلك أحدنا ؟ .
هزت جوين رأسها و قالت :
- سأكون بخير , لا يزال الوقت مبكراً .
ابتسمت لرسيل , و استدارت لتذهب غير أنها تمهلت قليلا و قالت و هي لاتزال تعطيها ظهرها :
- شكراً ... رسيل .
ثم أسرعت بالذهاب قبل أن تتيح الفرصة لرسيل بالكلام .
أسندت رسيل رأسها على الباب و قالت و هي تحدق في جوين بعينين مطمئنتين :
- شكراً ... لك أنت .
حينما غابت جوين تماماً عن ناظريها , شعرت بنسمة باردة تعبر إلى قلبها ليرتجف , شدت عليها الوشاح الذي كانت ترتديه ثم أسرعت بالدخول للمنزل .
كانت جوين تسير بسعادة ظهرت في طريقة مِشيتها , و ابتسامة عريضة - و لسبب معين – لا تفرق ثغرها , كانت قد وصلت الآن لنهاية المنعطف عندما رأت السيارة السوداء تقف بانتظارها .
***********************************************
FREEDOM, comes when you learn to let go …
CREATION, comes when you learn to say “NO” …
- English Proverb -
***********************************************
- 9 - لم ترَ عيون والدتها بهذه الهيئة من قبل , أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها مخيفة , إنها نظرة ٌ...
كانت جوين تقترب من سيَّارة و الدتها المركونة على رأس المنعطف على مهل دون أن تعرف لِم تفعل ذلك , عندما اقتربت من السيَّارة , ضغطت تودد على أحد الأزرار في لوحة القيادة ففُتح لها باب المقعد الخلفيَّ , دخلت جوين و هي تتابع نظرات والدتها و تنتظر أن تبدأ معها حديث التأنيب و التوبيخ الطويل .
جلست بتململ بعد أن أغلقت الباب من ورائها فشغلت والدتها السيارة على الفور .
- أمي أنـ ...
شغَّلت تودد التلفاز ذا الشاشة الرفيعة المثبتة في مقدمة سقف السيَّارة , و أعلت صوته كثيراً .
انكمشت جوين في مكانها بقلق , هل يمكن أن تصرفها و تأخيرها كان سيئاً لهذه الدرجة ؟ , لم تكن تعلم بالتحديد , لكن الشيء الذي تعلمه جيداً هو أن والدتها غاضبة منها حاليَّاً, غاضبة منها جداً للحدّ الذي يجعلها ساكنة هكذا .
أخذت تفكر في الأعذار التي ستقولها لها حين يصلون للمنزل , ستقول ما حصل لها , ربما ستكون غاضبة في البداية , لكن وقتما تعلم أنها اضطرت لذلك فستتفهم الأمر , ستقول لها أنها كانت على وشك أن تمرض , أنه لو لم ... لو لم ...
أخذت الكلمات تتبخر من رأسها و نبضات قلبها تتواثب خبط عشواء, لم تعلم لم بدأت تشهق و ترتجف بضراوة , قبضت على فمها بكفها بقوة , فأخذت الدموع تفرّ من مقلتيها دون أي سيطرة أو تعقل .
لِم ؟ لِم بدأت تبكي و تبكي و تبكي بحرقة و تألم ؟ , أمها حتى لم تقل لها حرفاً فلِم ؟ , يبدو أن الصمت أحياناً أبلغ , و أقسى من ألف كلمة جارحة .
مسحت دموعها بظاهر كفها , فلكأنما غمستها في بحر عميق لشدة ما ابتلت , حاولت أن تُهَدِّأ من روحها التي جنت , و نفسها الغارقة في الخوف . و كأن الوقت لا يتحرك , و كأن رحلتهما بدأت منذ الأزل كان كل شيء لحظتها يسير ببطء مضجر و مثير للأعصاب .
هي الآن تريد أن تعود للبيت بسرعة , تريد أن تغلق عليها غرفتها , تريد أن تدفن نفسها تحت الغطاء للأبد , تريد أن ينتهي كل هذا الذي - وهذا ما كان يميتها ذعراً - لم يبدأ بعد .
يبدو أن هناك رحمة مزجاة من الله لها هبطت عليها حينما وصلوا البيت , و هي التي ظنت أن كابوس الصمت هذا لن يرحل أبداً , الآن سيدخلون المنزل و ستبدأ والدتها بتوبيخها و ستطمئن نفسها حينها , زمن عجيب هذا الذي يبعث التأنيب و التوبيخ فيه السكينة للإنسان !!
ترجلت تودد من السيارة و سارت فسارت جوين خلفها عن بعد ,فتحت الباب بمفاتحها و ولجت المنزل بعد أن نزعت حذائها الجلديّ النفيس , و كان هذا تماما ما فعلته جوين من بعدها .
استقبلهما حواري مهللاً فوجم حين رأى وجه أمه الـ ... لا هذا وجه ما عرفه من قبل قط , لقد أنكرته نفسه و جوارحه , خاطبته بيديها دون أن تنبس بخيال حرف , فأسرع نحو غرفته متحيراً و أغلق الباب على نفسه .
هما الآن وحدهما , جوين في نفسية لا تحسد عليها , و لا يتمناها حتى عدو لعدوه , أبكمتها الرهبة , و أغلق الخوف فمها بالشمع الأحمر , ذهبت تودد من أمامها للحظات نحو المطبح و السكون المريب وحده الذي يحيطها , ثم عادت بعد ذلك لتمشي نحو جوين و تقف أمامها واضعة يدها اليمنى خلف ظهرها .
رفعت جوين عينيها المرعوبتين بصعوبة للأعلى , نظرت لعيني أمها للحظة فما استطاعت أن تطيل النظر أكثر , إنه مخيف , إنه أكثر المواقف إخافة في حياتها , فلينجها الله مما هي فيه الآن , و إن كانت لها دعوة واحدة مستجابة في هذه الحياة فلينجها الله بها و لا تريد شيئا بعد ذلك أبداً أبداً .
- هل هم أفضل ؟
هل كان هذا صوت والدتها ؟ هي رأت شفاهها تتحرك نعم , لكنّ هذا الصوت الأسود لم يكن يوماً لأمها , تحشرجت الكلمات في أول حلقها و لم تستطع إخراج شيء منها , غير دفعات ضعيفة من الهواء الجاف .
أكملت تودد بوجه مرتعش :
- لَم كنت سعيدة هكذا ؟ هل هم أفضل مني ؟
- لا
هذا كل ما استطاعت أن تقول قبل أن تنجرف في سيل الدموع الصارخة , غير أنها توقفت , انفرجت عيناها الهلعتان و تحركت أحداقها فيهما بجنون , شهقت شهقة عظيمة كادت تمزق روحها قبل صدرها , وشلت أطرافها عن الحراك بالكامل .
- يا إلهــــــــــــــي
" يا إلهي , إن كان هذا كابوس فأتوسل إليك بجلالك و عظيم مغفرتك أن توقظني منه , فإن ما يحصل كثير جداً حتى على كابوس . إما إن كانت هذه هي الحقيقة فأغمض عينيَّ للأبد , فلا أعود لهذه الحياة بعد ذلك من جديد "
خذلتها قدماها فانكبت على الأرض كقطعة قماش بالية , أخذت تزحف للوراء مستنفذة بذلك ما تبقى لها من بقايا تحملها , و بلهجة مرتاعة قالت : " أمي ... ما الذي تصنعينه ؟؟ "
قالت ذلك و هي تحدق في أمها التي أمسكت سكيناً بيدها و قالت مرتعشة :
- اقتليني جوين , اقتليني و تخلصي من تعاستك للأبد .
في سيَّارته كان ثابت يراقب الطريق , لا يعلم لم أصبح اليوم سعيداً فجأة هكذا ؟, لم يبتسم طوال الوقت لاشعورياً ؟ , ظل يراجع كل ما قام به فلم يعرف السبب , هل كان ذلك بسبب نتيجة التدريب الميداني المرتفعة التي حصل عليها اليوم ؟ , لكنه حصل على مثلها مرات عديدة , أم بسبب تدريب " الكراتيه " الجيد الذي قام به ؟ , أم ...
رنّ هاتفه المحمول فوضع السماعة اللاسلكيّة في أذنه و ردّ متابعاً الطريق بعينيه و ابتسامته الطويلة لا تزال تغمر شفتيه :
- أجل مـ ...
- " ثابـــــــــــــــــــــت ... أسـ ... أسر...ع ..."
بصوت مخنوق قالتها , بهذيان وشرود وتوسل نطقت جوين جملتها تلك و كأنها أرسلت أخر نداء استغاثة بأخر أنفاس تبقت فيها
صرخ ثابت و هو يفلت المقود من يده :
- جوين ... ما الأمر ؟
- أســـ ... ر ....
سمع بعد ذلك صوت سقوط الهاتف أرضاً .
- جوين ... جوين ... جويــــــــــــــــــــــــــن .
بدّل السرعة لأعلى مستوً , و انطلق مذعوراً نحو المنزل , و قد حلّ ظلام رهيب على عقله .
* **** ********* ****************
" ما أحلى الفجر !!
شيء من ظلمة الليل ...
شيء من ضوء الصباح ...
مثل القلب الذي لا يعلم ما الأكثر فيه الحزن أم السعادة . " - من مذكراتي بعنوان : المرض حين علّمني -
* **** ********* ****************
تلميح الفصل القادم :
" مجرد شواهد قبور ... "
* * * * * * * * * * * * * * * * * *




اضافة رد مع اقتباس















!!
, كانت حالة خمول مريعة .
, آه المقطع الأخير الخرافي ! , توقف الدم في عروقي تماما . 
)


المفضلات