الصفحة رقم 2 من 15 البدايةالبداية 123412 ... الأخيرةالأخيرة
مشاهدة النتائج 21 الى 40 من 287
  1. #21
    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ...
    كيف حال الأعزاء ؟ , لقد أصبحت أشتاق لكم فعلاً و انتظر على حار الجمر لأقرأ ما تكتبون .
    تنويه قبل البدء :
    اسم الرواية " الحديقة السرية "
    نوعها : خيال نفسي , لا أعرف - صدقا - إن كان يوجد نوع بهذا الاسم لكن هذا الأكثر مناسبة من منظوري

    مرحبا ثانية بجميع من يقرأ روايتي ...

    مداد ... إنني الآن يجب , يجب أن أقرأ كتابات لك بأي شكل من الأشكال , لي الشرف أن أضم اسمك لمجموعة الأدباء اللذين أقرأ لهم .

    العزيزة مداد , أولا قرأت اسمك فأحببته , انتبهت أنك من الجزائر فبهرت إجلالا , ثم قرأت ردك , ثم أعدته عديدا , فأنت ,أنت من اللذين أريد منهم و تحديدا ان يقرأوا روايتي .
    انسجامك التام مع الرواية و الشخوص ربما فاق ما لدي انا , تحليلاتك ترفع لها القبعة كما يقولون , أرجوك لا تتوقفي عن المتابعة , فأنا أحتاج أن أسمع رأيك دائما , أجتاحه بشدة .
    بداية أشكر ترحيبك بي , من دواعي فخري أن أكون بينكم .... و منكم .


    " لكل من اسمه نصيب " إنها من القواعد الفكرية التي أحترمها , لكن هناك ملايين من المناظير و الطرق لتجلّيها , ليس المعنى وحده هو من يحكم وضع صورة عميقة و ربما توضيحا غير مباشر عن الشخوص, لكن ذكاء و فطنة كبيرة أبديتها , حينما لاحظت أمرا كهذا , و إن كنت أنت تحبين الكاتب الذي يختار أسماء الشخوص بعناية , فأنا أقف احتراما للقارئ الذي يلاحظ ذلك , فهو بذلك يتحلى بنباهة عميقة أكثر بكثير مما يظن , استطيع أجزم أنك قارئة محترفة .



    النفس البشريه ... إنها لجلها وعظمتها التي أمر الله أن نتأمل فيها و نتبصر , إنها العمق الأعمق , و إنني مذ وعيتها فيّ و حولي فتنتني بالكامل و أسرارها .
    أظل أتأمل طويلا فيما يفعله الناس , لماذا و كيف صنعوا ذلك و هذا أو تصرفوا على هذا النحو و ربما كان هذا السبب الرئيسي في كتابتي لهذه الرواية الغالية عليّ , و التي اهديها لنور حياتي صديقتي الأغلى " نور " رحمها الله .

    نعم أظن أن القلب مجبول على حب من أحسن إليه , و بغض من أساء إليه , لكن ألا ترين معي أن هذا هو القلب الطبيعي , و لو طلب مني أحدهم تعريفا للقلب الطبيعي لقلت له أنه المجبول على حب من أحسن إليه هكذا بالحرف الواحد .
    لربما واجه الصعاب و المشاكل , تلك الأشياء التي لم تصل به حد التغيير الكامل و التشويه , لكن ,
    هناك قلوب هالها ما مرت به فغدت كمضغة جوفاء , لا تفعل من الأمور غير التي تبهجها مهما كان نوعها و عواقبها , إنها القلوب التي تبدأ طاهرة فتؤذى ثم تؤذى بشدة فتتغير و تتحور لتبدأ أنتقامها المرير ... للأسف بنفسها أولا , و بعد فوات الأوان قد لا ينفعها ألف طبيب - لا ألمح لأحد ... إيوان مثلا - .

    أن نخطأ أحدا على خطأ , أو نجرمه على جرم , فنجد أن له من التفسير و التبرير ألفا , تماما كقصة سيدنا داوود وصاحب النعاج , أن نكون عادلين هذا صعب , لذلك كثيرا ما أحس أن مهنة القضاة " مهنة أسطورية " , و أظل أتسائل عن كم العدل في عامليها !!

    ففي الحياة , لكل واحد تبريره , فنظل في الحلقة المفرغة ندور و ندور لا ينقذنا سوى رشيدٌ يبعثه الله لنا من عنده .

    سكون ... أنا في انتظارك دائما عزيزتي و في انتظارك طويلا .

    سيمون ... لِم الخجل ؟ متأكدة أن ما كان لنا مهما طار سيعود .... أحب مرورك و قراءة تعليفك دوما عزيزتي .
    ريشة إبداع أتمنى أن أقرأ تعليقاتك من جديد - و الله إلك وحشة -

    أطلت الكلام عليكم مجددا ... استحملوني
    قبل أن أترككم مع الجزء الجديد , دائما دائما الدعاء للأهل و الصابرين في سوريا الأحرار , بأن ينزل الله عليهم شأبيب رحمته و أن يبعث عليهم جنودا من عنده فلا يريدون من بعدهم عونا من أحد , اللهم آمين آمين .

    و دائما تواقة لسماع آرائكم أعزائي


  2. ...

  3. #22
    232cf4f3b688dcb4bf2dac7a12e04d17

    الفصل الثالث : بداياتٌ و نهايات


    سألتُها ذات مرة :
    - هل تؤمنين بمعجزة اللقاء ؟
    التفتت إليَّ و قد علت وجهها ابتسامتها البريئة الصافية ثم قالت و هي ترفع جسدها النحيل مستندة بيديها على السور الحديدي المتشابك :
    - أنا ... أؤمن بالقدر .
    ابتسمتْ ثانية , ثم أشاحت بوجهها الشاحب نحو السماء الزرقاء .
    " حسنا ... أعتقد أنني أفهم الآن ... القـــدر ... "
    أحيانا لا يكون أمامنا سوى أن نقبل , سوى أن نتقبل الأحداث التي تصادفنا , حتى لو كانت مؤلمة , حتى لو كانت موغلة في الوجع ...
    أحيانا يكون علينا أن نتحمل الجروح , أن نضغط عليها و نكتم الدموع في المُقل بشهقات تزيد من الآلآم ...
    لكننا , و مع تقدم الوقت , نكتشف أننا أعملنا التشويه في أنفسنا , و أن ما دُمِر لا يمكن إصلاحه .
    عزيزتي الغالية طيب ...
    كم أشتاق لكِ و لإبتسامتكِ التي لطالما كانت البلسم لألآمي و جروحي , فعليكِ السلام .
    و لكن ...
    " لا يمكن أن تسأل الشمس أن تكون أكثر إشراقا , أو أن تطلب من المطر أن يكون أقل هطولا , هي فقط كتلك االأمور التي تحدث ... و كفى . "
    حقا أفْتَقِدُكِ ...
    * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
    - 1 -

    أعلن عن نهاية الدرس , فعلا ضجيج خفيف أرجاء الصف الدراسي , جمعت المعلمة أغراضها و قالت مخاطبة الجمع الضاجّ :
    - جوين , عنان , طفولة و ... رسيل
    انتبهت جوين و رفعت و جهها عن الكتاب حين ذكر اسمها .
    - أنتن لم تشاركن في أي نشاط , معكن اليوم و غدا لتختارن نادٍ و تنتسبن له .
    قالت فتاة يبدو أنها واحدة من اللواتي ذكر اسمهن , كان صوتها مبحوحا لكنه ينساب كالماء و به رقة استغربت جوين أنها لم تسمعه طوال الوقت :
    - أليس ذلك اختياريا ؟!
    - كان كذلك البارحة يا رسيل , لكن اليوم صدر كتاب من اللجنة العُليا للتعليم و ...
    قاطعنها رسيل دون اكتراث : الأ يمكن أن نتجاهل اللجنة الــ ... العالية هذه و حسب
    - لا لايمكنك و لا تقاطعيني ثانية , مفهوم ؟؟
    قالت رسيل بصوت خفيض و هي تقلد صوت المعلمة : لا لايمكنك _ تابعت بتهكم و هي تجلس – إنها حقا تعيش الدور
    ضحكت الفتيات من حولها , فزجرتهن المعلمة , و قالت بغضب موجهة كلامها لرسيل : ألّا تملين من أفعال الحماقة هذه ؟ّ!
    - الّا تملين من طرح السؤال ذاته ؟!
    أجابت بكل صفاقة فأشعل هذا المعلمة , و لوَّن وجهها بالأحمر القاني
    - سنرى يا رسيل , سنرى
    - احذري أن تضيعي نظارتك , و إلا لن تكوني قادرة على الرؤية .
    قالتها ثانية بصوت منخفض , فعادت الضحكات مجددا.
    استدارت المعلمة و قالت و هي تخرج : اخترن نشاط فحسب , و أخبرن بذلك المعلمة المسؤولة , هاقد حذرتكن , من لم تنفذ فلتكون شجاعة عند صدور العقوبة .
    ابتسمت بسخرية , لتقول أن لها اليد العلية , و لا صوت يعلو على صوتها .
    كانت تريد الخروج من الباب و عيناها تنظران لرسيل شزراً فاصطدم رأسها بحرف الباب لترتفع الضحكات من جديد .
    أسرعت بالخروج و هي تفرك رأسها و تمتم بلهجة غريبة و سريعة .
    - إنها حمقاء لتتحدى رسيل .
    - أحسنت رسيل , لقد ألجمتها .
    قالت رسيل و هي تقوم و تأخذ حقيبتها :
    - آآه كم هي ظريفة !! , أمل أن تبقى على قيد الحياة و أن لا تموت بالذبحة الصدرية , لأنها لو فعلت ...
    تابعت و كأنها كانت تنظر لجوين بابتسامة على طرف شفتيها زالت بسرعة حين نظرت جوين نحوها : - فلسوف أموت من الملل .
    حملت حقيبتها , وغادرت الصف .
    استغربت جوين ما قامت به , لكنها عادت بسرعة لكتابها المفتوح
    - إنها تعجبني حين تغيظ تلك الثرثارة
    - إنه فعل شنيع .
    رفعت جوين عينيها لحبور و أكملت : - مهما كان وضع المعلمة فالكلام بهذه الطريقة يجب أن يُعارض من الجميع , إتكن تثرن الاستغراب .
    - إنك مؤدبة جدا , لو سمعتك رسيل ستضعك على القائمة .
    - لأنني مؤدبة ؟!!
    شعرت حبور أن صياغتها للجملة لم تكن سليمة , أخذت تعيد ما قالته و تبحث عن المشكلة فيه , ضحكت جوين على تصرفها الطفولي و قالت :
    - في أي نادٍ عليَّ المشاركة ؟
    كانت حبور تريد الكلام , فاستدركت جوين : - غير الطهي !!
    - لكن لِم ؟ إنه مســــــــــــــــــــــلٍ
    - إنه خطيـــــــــــــر - قالتها محاكية طريقة حبور في مط الكلام –
    قطبت حبور حاجبيها , لكنها لم تلبث أن انفجرت بالضحك , قالت بصعوبة من بين ضحكاتها :
    - أتعلمين جوين ؟ أنت ظريفة جدا .
    - حقا !!!
    قربت حبور وجهها من جوين و قالت بشقاوة :
    - ما رأيك إذاً بنادي الكوميدية ؟
    - أيتها الـ ...
    سمعت شيئا طُرق النافذة فنظرت من خلالها , كانت رسيل في الأسفل و قد رمت شيئا على زجاج النافدة , أشارت لها بالنزول فتجاهلتها جوين.
    قالت لها حبور و هي تسترق النظر من طرف النافذة :
    - من الأفضل أن تجيبيها جوين , وجهك جميل و لا يستحق
    نظرت لها جوين بغباء فأشارت لها بيديها بما يعني أن رسيل تجيد العنف .
    أرادت جوين أن تتكلم غير أن طرقة ثانية جعلتها تنتبه مرة أخرى , كانت رسيل هذه المرة تكتب شيئا على ورقة بخط عريض و ترفعه للأعلى حتى تراه جوين
    حدقت جوين قليلا , جمعت نظرها , و ركزت , حينما اتضحت لها الكلمة تراجعت للوراء بفزع ثم أخذت تركض بهذيان جعلها تتخبط في المقاعد التي كانت في طريقها .
    - جوين ماذا هناك ؟
    كانت حبور تريد أن تنظر , غير أن حملقة رسيل المرعبة التي صادفتها جعلتها تمتنع عن ذلك .

    * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
    يستمر الناس , و بغرابة , بحب الطعم الحلو , و يكرهون المرارة .
    لكنني أعتقد أن لا بأس بالمرارة .
    يشعر المرء بالطعم الحلو الحقيقي , بعد أن يجرب المرارة الخالصة ...
    كما ينضج المرء و يصبح أقوى ... بعد التجارب المؤلمة . – من مذكراتي -
    * * * * * * * * * * * * * * * * * *
    - 2 -

    في قاعة كبيرة , اجتمع فيها حشد مهيب , صعد أحدهم على المنصة وقال عبر مكبر الصوت هاشاً باشاً :
    - و الآن دعونا نصفق لإحدى الطالبات المتميزات و التي قامت بفكرة المشروع و شاركت بشكل كبير في تطبيقه , الطالبة جود جواد ...
    ابتعد مفسحاً لها و هو يصفق مشجعاً .
    وقفت جود أمام المكبر و قالت بطريقة مهذبة : - أودُّ أن أشكر جميع من شارك في إنجاز هذا العمل من مدرسين و طلبة و متخصصين , و أخصُّ بالذكر شركة “Tough Motor “ التي قامت بتوفير جميع القطع و المعدات التي احتجناها لإنجاز الـ " Machine " , و شكراً لحضوركم .
    ابتعدت جود عن المكبر و سط استغراب الجميع من اقتضابها الشديد , مرت من أمام مقدم الحفل فقال لها ناهرا : - كان جميلاً لو أنك قمت بشكر والديك !!
    - فلتقم بذلك أنت إن كنت تراه جميلا .
    رمقها بنظرة حانقة لكنه عاد بسرعة ليكمل تقديم باقي الضيوف .
    خرجت من بين الحضور مسرعة و هي تنظر لساعتها عندما استوقفها أحدهم
    - معذرة هل لي بدقيقة ؟
    التفتت ببطء خلفها , و قالت للشخص الذي و قف أمامها :
    - ماذا ؟
    - عفواً على الـ ...
    - هل يمكن أن تقول ما لديك بسرعة ؟
    بدا الانزعاج واضحا على وجهه , فأغلق عينيه الزرقاوين بنفاذ صبر
    - أنا أدعى ..
    - ثابت وسام , طالب في السنة الأخيرة بتخصص " الطب العام / الجراحة العصبية " , أنت زميل لإيوان و على الأغلب ... أتيت للحديث بخصوصه – قالت عبارتها الأخيرة و هي تنظر لساعة يدها معدنية اللون بضجر - إذاً سيد ثابت , ما الذي تريده ؟ على عجالة لو سمحت .
    - يبدو أنكِ واسعة الاطلاع
    - يبدو أنكَ ضحل الاطلاع
    - أنت لا تقدّرين الخطأ الذي ترتكبينه فيما تفعلين مع إيوان
    تطلعت له و كأنها تطالبه بالمضي , لم يبدو الآن أنها على عجلة , هل يسعدها هذا الحديث لهذه الدرجة ؟ , تابع ثابت و هو ينظر للناحية الأخرى :
    - إيوان إنه شاب طيب , إنه راق , لا أعلم عنك إن كان هذا ديدنك أم لا , لا أعلم و لا أكترث , لكن , لا تتصرفي معه هكذا أنت تستهلكين طاقته و قدرته على التحمل , هل تعلمين مقدار القدرات التي يمتلكها إيوان إنـ ...
    - هل تهتم لأمره ؟
    فَطِن لسؤالها فقال مؤكدا : - بالطبع أهتم لأمره
    - لِم ؟
    - لأنه صاحبي و يعز عليّ
    - فقط ... !
    نظر هذه المرة إليها حين أحس اختلاف نبرتها , شعر أن بها قليلا من الجدية و ليست تلك اللهجة الساخرة السابقة , كانت تنظر للأسفل و يداها تمسكان بحقيبتها بقوة و توتر , قالت حينما أبطأ الرد عليها :
    - قل لي يا سيد ثابت , لِم قد تهتم لأمر أحدهم ؟ حقا هذا السؤال عديم النفع , لكن لم أعتد أن أتجاهل الأسئلة التي لا أعرف حلها مهما كانت وضيعة و تافهة
    - أن تهتم بشأن أحد , هذا ليس بالأمر التافه و لا الوضيع
    - أخبرني إذا طالما أنك تمتلك كل هذه الحماسة ...
    تابعت و هي ترفع عينيها عن الأرض بصوت أزعج ثابت عودته لتلك الثقة المثيرة للأعصاب :
    - لو أن إيوان ... لنفرض مثلا ... أنه قام بإذائك , قام بخداعك و الغدر بك و الدوس على كل مشاعر الاهتمام و الصداقة التي تكنها له بدم بارد , قل لي , هل ستبقى على سالف عهدك من الاهتمام به و الحرص على شؤونه ؟
    أرعبه السؤال , و تلعثم قليلا , في الحقيقة , و رغم أنه يعلم أن هذا مستحيل , غير أن مجرد نطقها لما قالته , جعله يرتعش رغما عنه , و بدت عليه الحيرة .
    و أخيرا استطاع أن يجمع كلماته و أراد أن يدلي بها , إلّا أنها أشارت بيدها أمامه أن يتوقف و قالت له آمرة :
    - لا ليس لي , أنت تحتاج هذه الإجابة أكثر مني , تحتاج أن تجلس مع نفسك مطولا فيبدو أن حساباتك غير دقيقة أبداً ... و الآن ...
    أكملت و قد بدأت الابتعاد فعلا : - اعذرني , إن كنت أزعجتك !!
    قالتها بالطبع ... ساخرة .
    لقد استطاعت أن تقلب الأمر عليه , و الآن هو يخشى على إيوان بشكل أكبر من هذا المخلوق الذي استطاع أن يبث في عقله , وبلحظات , سما رعافا .
    صرخ و هو لا يعلم إن كانت تسمعه أم لا : - لا يمكن أن يفعل ذلك , مستحيل .
    قالت في سرّها و ابتسامة خبث و مكر تلوح على ثغرها : - لا تكن متأكداّ جداً , أيها الثابت !!
    * * * * * * * * * * * * * * * * *
    " أنا مثل البحر لا أروي أحداً... و لا أدّعي ذلك . "
    من " ليلة اكتمال الذئب " لمهند سيف الدين العزب
    "مخيف ذاك الشعور ...
    حالما تبدأ به لا تستطيع الفكاك منه .
    لأنك ما إن تكره مرّة واحدة ... لن تستطيع أن تحب بصدق ثانية ... قلبك سيصبح مظلماً ,
    لا شيء يمكن أن يضيئه ... ربما معجزة !!
    لذا فذاك الشعور ... مخيـــــــــــــف . "
    من مذكراتي الخاصّة : أحاديث قلبي , أصوات لا يسمعها أحد .
    * * * * * * * * * * * * * * * * *
    - 3 -

    في المكتب المنمق ذي المكاتب الفرعية متنوعة الأشكال , كان العمل على أشده و الموظفون ذوو الملابس الرسمية المرتبة يتحركون هنا و هناك بنشاط و سرعة .
    رفعت أحد الموظفات الهاتف و قالت بلهجة مؤدبة و هي تتفحص طلاء أظافر يدها الأخرى شفيف اللون :
    - نعم سيدتي المديرة .
    - ابعثي لي بأوراق التقييم النهاثي الخاص بصفقة شركة "B.G. " لاستخراج البترول .
    - أمرك سيدتي , ثوان و ستكون عندك على جهازك المحمول .
    أغلقت الهاتف بعد أن انتظرت إغلاقه من الطرف الآخر , و طرقت بأصابعها السريعة المعتادة على الطباعة فوق لوحة المفاتيح الدقيقة أمامها , ثم رفعت الهاتف و عيناها لا تزال على الشاشة التي ظهرت عليها رسالة انتظار .
    - يامن , لقد بعثت بمستندات ثلاث على الخادم الرئيسي رقم 18 برمز دخول 000BG3D18 هلّا حولتها لمكتب السيدة المديرة – و تابعت مستعجلة – و بسرعة لو سمحت .
    - حسنا ... لحظة هل السيدة " تودد " لا تزال في مكتبها ؟
    - أجل إنها لم تأخذ فترة استراحة و لا حتى للغذاء – قالت و هي تخرج مبردا من درجها و تعدل من اظفار أصبعها السبابة بانزعاج _ يبدو أن هناك اتفاقا مهما تعمل عليه ... أنت الأن ابعث بالأوراق و لنتكلم لاحقا
    - حالا .
    أغلق الشاب الهاتف , و انتقل لشاشة أخرى و هو يخرج نظارة طبية بإطار دقيق يحيط بالعدسات من الأسفل فقط , عمل قليلا على لوحة الأزرار الكبيرة , ثم رفع سماعة هاتف آخر , " ميكروفونا " صغيرا في الواقع , و قال بعد أن ضغط على أحد المفاتيح :
    - هل ممكن أن تبعثوا لي كوب قهوة بلا سكر ؟
    - حالا سيدي
    أرجع الميكروفون مكانه , و فورا سمع رجّة في جيبه , فمدّ يده إليه و أخرج الهاتف الجوال عريض الشاشة ورفيع السُمك .
    - السلام عليكم إكلير... ماذا هناك ؟
    - كنت أريد الاطمئنان على عمتي , لقد أقلقنا اتصالها البارحة بحق .
    ضحك الشاب ضحكة بالغة الأدب و قال بصوته العميق و هو يرتب شعره البنيّ الناعم بأطراف أصابعه :
    - أنت تعرفين أمي إكلير , إنها تتدلل و حسب .
    - تتدلل؟ لقد قالت البارحة أنها في لحظاتها الأخيرة , أبي جنَّ عليها , و كان يهم بالخروج إليها لولا أن أمي , و بمئة حيلة و حيلة , استطاعت أن تثنيه عن الأمر , أنت تعلم أصبح يتعب من أي مجهود , مهما كانت بساطته .
    - اعتذر نيابة عنها , إنها حنونة , و دؤوبة , لكنها أحيانا تحب أن تجمع الكلَّ حولها فلا يخطر على بالها سوى تلك الدعابة الكارثية
    ضحكت إكلير بملئ قلبها و قالت و هي تمسح عينيها : - دعابة ... يا رب السماء أغثني !!
    جلس على الكرسي الدوَّار و أخذ يحركه يمينا شمالا , سكت قليلا ثم تابع حينما توقف : هل حالة خالي ... أقصد ...
    - نعم إنها سيئة
    مسح على شعره ثانية مُرجعا إياه للخلف و قال معيداً النظارة التي نزعها لعلبتها الفضيّة الرفيعة : - أعتذر لأنني لم استطع المجيء هذه الفترة , لكن العمل ..
    - ليس عليك أن تعتذر في كل مرة , نحن أقارب , أن نسامح بعضنا و نضع لأفعال كل واحد فينا ألف عذر , أليس هذا ما يعنيه أن نكون أقارب ؟! .
    سكت قليلا لكنها استطاعت أن تسمع الضحكة التي حاول أن يكتمها , فقالت مستاءة :
    - ماذا الآن ؟
    - أغفري لي إكلير , لكن هذه الحكمة , انفلتت منه ضحكة أسرع في كتمها و تابع , حقاً غريبة حينما تخرج منك .
    - ماذا ؟ هل أبدو رعناء لهذا الحد ؟
    - لم أقصد , والله لم أقصد ... لكن التغيرات التي تحصل لك مذهلة
    - أليس أفضل من الروتين الذي لا يتغير في حياتك الرمادية
    - بدأت تتكلمين كمصممة أزياء محترفة
    - أنا كذلك , رغما عن أنفك
    - ماذا ؟ هل تبدئين شجاراً ؟
    - لا
    قال و ابتسامته الملكيّة لا تفارق وجهه النبيل : - هل تنسخين أسلوبي في الكلام ... آآه , أُعلمه الرماية كلَّ يوم ... فلما اشتد ساعده رماني , و كم علمته نظم القوافي ... فلما قال قافية هجاني ...
    قَّلدت إكلير صوت تصفيق و قالت بعد ذلك : - هل انتهت الأمسية الشعريّة الآن ؟
    - لا
    - إذن أنسحب , سلّم على عمتي و عمي, أمير , و ريف , و وريف , سلمى , أشرقت , أزهر, و رسيل
    كانت تعد على أصابعها فقالت : هل نسيت أحدا ؟
    - نعم
    - من ؟
    - أنا !!
    - وداعا
    أغلقت الهاتف , فقال و هو لايزال يضع الهاتف على أذنه : - حسنا , لقد جُنَت , أنا راضٍ بهذا التفسير .
    أعاد الهاتف المحمول لجيبه و عاد لعمله ... المعتاد , وصورة الطفلة الصغيرة إكلير... الباكية تعبر خياله .
    * * * * * * * * * * * * * * * *
    إن أخاك الصدق من كان معك و من يضر نفسه لينفعك
    و من إذا ريب الزمان صدّعك شتّت فيه شملك ليجمعك
    " أبو العتاهية "
    * * * * * * * * * * * * * * * *
    اخر تعديل كان بواسطة » Simon Adams في يوم » 02-09-2012 عند الساعة » 21:51 السبب: إضافة التصميم :أوو:

  4. #23
    - 4 -

    أقدام سريعة تركض بجنون ... كانت هذه جوين و هي تنزل السلالم الطويلة قاصدة ساحة المدرسة , حينما وصلت أخذت تلتفت في كل مكان , رأت رسيل بعيدة تقف بالقرب من سور المدرسة الحجري الجديد , و تسند ظهرها عليه .
    أسرعت نحوها و هي تصرخ من بين لهاثها : - أين هو ؟ أين هو حواري ؟
    قالت الفتاة و هي تنظر لجوين باستغراب : - ماذا ؟ من ؟
    رفعت جوين عينين شرستين نحوها و قالت و جهودها في ضبط أعصابها واضحة :
    - ما الذي حصل لأخي يا فتاة ؟
    - آأه , ذلك الظريف صاحب العيون العسلية المزرقّة ...
    تكلمت جوين و هي تدور بأحداقها علّها تراه : - هل ستبدأين الكلام أم أبدأ بجعلك تتكلمين ؟
    - لقد كان هنا منذ قليل حضرة المحقق
    - و ...
    - و ... و فقط
    - ألم يكن في مشكلة ؟!
    - و هل قلت ذلك ؟
    رفعت الورقة التي كانت قد كتبتها و شرعت تقرأها عالياً : - إنه أخاك ... – تابعت مبتسمة – أيتها الحمقاء , لا أرى أنني ذكرت شيئاً عن المشاكل !!
    - أنت غير مؤدبة
    - و أنت مغفلة
    أحسّت جوين أن الكلام مع هذه الأصناف إهانة لنفسها فحسب , استدارت لتعود بعد أن رمت على الفتاة المنتشية نظرة كره محض .
    - لكن ... هل كان يبكي يا ترى ؟؟!
    نطقت رسيل ذلك بنبرة متسائلة عابثة فتلاحق النبض في صدر جوين مؤلماً , و أسرعت من أمامها تَجُب السير لفصل حواري , و داخل قلبها , رجت أن لا يحصل شيء مأساوي ٌّمجدداً .
    سمعت الصوت الفحيحي الناعم يركض من ورائها : ليس به شيء أيتها المجنونة , حسناً اقسم لك أن لا شيء حصل , توقفي عن الركض و قولي شيئاً .
    لم تستمع جوين لها للحظات و تابعت الركض , لكنها أخيراً توقفت فجأة فاصطدمت رسيل بها .
    انتبهت رسيل لعينيها , فوجدت قضبان جفونها تحتجز حشود الدموع التوَّاقة للحرية , علمت حينها أنها لعبت لعبة نفسية فذرة جدا مع هذه الفتاة المرتعشة قبالتها , تكلمت جوين وبكفها مسحت وجهها المنتقع جزعاً و فرقاً :
    - لكم أنك وضيعة ... إنك الأحقر على الإطلاق
    لم يعتد لسانها السباب يوما , لكنها لم تجد ملاذا من كمية القهر التي تشعر بها سواه
    قالت و قد بدأت دمعاتها الانفلات من سطوة جفونها : - ما الممتع في الأمر ؟ أخبريني ما الممتع فيه ؟ هل الـ ...
    - ليس ممتعاً أبداً
    نظرت جوين للناحية الأخرى فتابعت الفتاة و هي تشبك أصابعها معا ثم تفكها بشرود : - حسنا , حصريا لك لأنني جعلتك تبكين كالأطفال ...
    التفتت لها جوين بحنق , فأكملت مبتعدة خطوتين للوراء : أعتذر أيتها الأخت , لا تنظري لي هكذا و كأنك أحد القتلة المجانين
    أغلقت رسيل أزرار معطفها الجلدي , و قالت مبتعدة : هذا فقط لأنك تشبهينها
    لم تفهم جوين ما الذي تعنيه لكنها لم تسأل , كانت ماتزال تشعر بانزعاج مهلك من تصرف هذه الفتاة الـ ... لم تعرف حقاً ما تكون بالأصل .
    أحسّت هدوءا عمّ الفصول الدراسيّ , فعلمت أن الدرس التالي بدأ , و لذا أسرعت نحو غرفتها الدراسية , فأخر ما تريده , التأخر عن دروسها .
    رسيل ... ظلت تفكر بها إلى أن طرقت باب الغرفة الدراسية .
    * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
    و النفس تعرف في عيني محدقها إن كان من حزبها أو من أعاديها
    عيناك قد دلتا عينيّ منك على أشياء لولاهما ما كنت أدريها
    " عليّ بن أبي طالب – رضي الله عنه – "
    * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
    - 5 -

    حاول الاتصال مرة أخرى فكان الأمر كسابقه , وضع الهاتف على المكتب ثم استقام ونزع الرداء الأبيض الذي كان يرتديه . دلّك كتفه الأيسر فقد كان يشعر بألم مضنِ فيه لطول جلوسه خلف المكتب يراجع البيانات التي كان تأتيه تباعا من المختبر, و النتائج التي كان قد توصل لها .
    سمع صوت شلال قوي ... كان صوت هاتفه , أخذه بتثاقل و فتحه بعينين مغمضتين
    - نعم – قالها بتعب و ملل -
    - سأتكلم لاحقاً
    - جود لا ... توقفي , لا تقفلي الخط
    - لِم ؟ تبدو متعبا , لا مشكلة بالنسبة لي
    - إنها مشكلة بالنسبة لي أنا , لا تقفلي
    سكتا لفترة قالت بعدها جود بلهجة معتدلة :
    - أنا الآن أنتظر أن تقول لي أسبابا كثيــــرة و طويلة جداً و مقنعة تجعلك تتصل بي أحد عشرة مرة .
    - أريد أن أراكِ , أهذا كافٍ ؟
    - أجل
    قالت ذلك بسرعة و دون تفكير , فقال مسرعاً بدوره , في عالم السرعة هذا , : - سأتي الآن
    - تأتي الآن ؟!! , لا شكراً , لا أريد رؤية شكلك بعد عودتك من العمل مباشرة , ليس حاليا على الأقل , عندي أعمال كثيرة , و أحتاج النوم بسلام .
    - لست مريعاً كما تصفينني ؟ فأنا ابدو رائعا
    - لا تغتر كثيرا لأنك وسيم بعض الشيء .
    - ما ا ...
    سكت حينما أعاد ما قالته في رأسه , " هل ... هل قامت جود بمدحي للتو ... هل ذكرت شيئا عن كوني وسيما ؟ لا , لا يمكن إنه مجرد هذيان من جراء العمل المتواصل ... "
    - هل يمكن أن أقفل الآن ؟
    أيقظته كلمتها من سباته اللحظيّ فقال مسرعاً : - جود لحظة ... هل يمكن أن تعيدي ما قلته تواً ؟
    - شغّل تسجيل المكالمات المرة القادمة إن أردت الإعادة , سأذهب الآن فلدي أعمال كثيرة , سأنتظرك السابعة , وداعاً ... إيوان .
    أغلقت الهاتف و تركته مغيبا عن وعيه ... مدة طويلة ... كيف نسي أمر تسجيل المكالمات ؟؟ ...
    الساعة السادسة و خمس و خمسون دقيقة ... كانت جود تقف أمام المرآة و تسرح شعرها المموج الطويل , أخذت خصلتين من أطرافه و واحدة من المنتصف و قامت بتظفيرهن و ربطهن بشريطة ذهبية, أرجعت بعد ذلك الظفيرة للخلف لتنساب فوق بقية شعرها المسدول ,كانت قد ارتدت كنزة صوفية ناعمة بلون ورد القرنفل الزهريّ , و تنورة بيضاء دافئة منقوشة بخيوط ناعمة هي مزيج من اللونين الذهبي و الوردي وضعت رشتين من عطر الياسمين الذي لا تضع سواه . طرق الباب و دخلت منه والدتها , نظرت لها بسعادة ظهرت في وجهها نوراً :
    - حبيبتي جود , لِم التزين ؟
    - سيأتي إيوان الساعة السابعة
    جمعت والدتها كفيها بفرح
    - كنت أعلم أن ذلك اليوم سيأتي , كنت أعلم أن ...
    - آه ... نعم نعم لقد أتى ذلك اليوم, و هاأنا الآن أتزين لخطيبي , أليس ذلك مذهلا ؟!
    ابتسمت برقة و أكملت مواجهة والدتها : لقد صدق ظنك يا أمي , و الآن ,هل تستطيعين ثبيت هذا الحزام لي ؟
    أعطته لأمها , و أعطتها ظهرها , قالت والدتها و هي تثبت الحزام البني الباهت ذا العروة الذهبية المتوهجة , كوجهها السعيد تماما :
    - يجب إذاً أن نحضر صنوفا غالية من الأطعمة , إنه يوم مميز ...
    كانت جود تعطي ظهرها لوالدتها فلم تكن ترى الملامح التي ارتسمت على وجهها حين ردت :
    - آه ... يجدر بك ذلك , فهو مميز بالفعل , خصوصاً , و أن دقائق معدودة تبقت على مجيئه .
    انتبهت والدتها لذلك , و أسرعت في تثبيت الحزام , أنهته و همت بالخروج
    - لكن جود ما هذه الملابس ؟ لم أرها من قبل
    - لقد اشتريتها اليوم , خصيصا لهذه الليلة .
    تلاحقت أنفاس والدتها لفرط حبورها و أكملت طريقها, توقفت للحظة بعيدا – قليلا – عن باب غرفة جود المفتوح و قالت و هي لا تكاد تصدق ما هي فيه : - حمداً لك يا رب , لقد استجبت لدعائي و تضرعي , حمداً لك , أسرعت بعد ذلك للمطبخ و أخذت بتجهيز أطباق شهية و باهضة الثمن ... وشبه جاهزة.
    عند الساعة السابعة تماما , كان صوت تغريد عصفور يصدح في المنزل , أسرعت رند نحو الباب , قالت و هي تمرّ بغرفة جود : - يبدو أنه أتى
    - حسنا سأتي الآن
    ابتسمت رند ثانية , لقد كانت في الحقيقة تبتسم مذ قالت لها جود كلامها الأخير , إنه اليوم السعيد , إنه كل ما أرادته من ابنتها , أن تنفرج أساريرها , و تكون طبيعية كباقي الفتيات .
    و قفت أمام الباب و نادت بصوت محتشم : - إيوان أهذا أنت يا بني ؟
    - أجل خالتي إنه أنا
    ابتسمت ثانية و فتحت الباب , عندما أطل إيوان من الباب ببدلته الكحلية - و يبدو أنه أخذ وقته في التأنق - , راحت السيدة رند تقرأ عليه آيات من القرآن و تعيذه بالله من عين الحاسدين فاحمّر وجهه لشدة خجله, كان هذا أول يوم يرى فيه وجه السيدة رند بهذا الإشراق و الراحة , أحس بهدوء المكان , فبعث هذا السرور و التفاؤل في نفسه .
    دخل بعد أن استأذن الدخول , نادت السيدة رند و هي تغلق الباب و تدخل خلفه : جــــــود , جــــــــــــــود , عزيزتي لقد أتى إيوان .
    لم يعرف إيوان لم يحس الآن بانقباض غريب في داخله , و هل يمكن أن يكون سعيدا حتى الخوف ؟ , طرد هذه الأفكار من رأسه , إنه مصرّ أن يقضي أمسية جميلة مع جود مهما كلفه الأمر.
    جلس في الصالة الواسعة بعد أن طلبت منه السيدة رند ذلك , أخبرته أنها ستذهب لتحضر القهوة , فأشار لها برأسه شاكراً .
    لكن لِم كل هذا التوتر ؟ و هذا الانقباض المزعج لا يريد التخليّ عنه فقط لهذه الليلة , إنه شعور بغيض ... لكنه سيتجاهله , أجل ذلك ما سيفعله طوال الوقت , لقد كانت جود هادئة جدا و هي تحدثه اليوم , فلن يفسد الأمر الآن بحماقة يندم عليها ما تبقى من عمره
    طرقات الكعب العالي قطعت عليه حديثه مع نفسه , آآآه كم يمتن لها الآن ... لحظة , التفت مسرعاً وراءه , كان يريد الوقوف لكنه عاد ليجلس و كأن قدماه ما عادتا تحملانه .
    كانت جود قد وقفت قبالته الآن وابتسمت له بدفء شعر معه أن الغرفة أصبحت تغلي , و أن سترته تحبس أنفاسه التي أبت أن تخرج منه إلّا قليلا .
    - وجهك محمر جدا , هل تشعر بالحر ؟ هل أطفأ التدفئة ؟
    - آه ... إيه ... لا ... أ
    - حسنا , حسنا لا ترهق تفكيرك كثيراً.
    يعلم أنه يبدو الآن كالأبله , هو حقا يتمنى ليل نهار أن يتحسن وضعه مع جود , أن يصبحا مخطوبين طبيعيين , يتبادلان الحديث و الضحكات و الاهتمامات , لكن هكذا مرة واحدة, دون أي استعداد أو تحضير , هذا كثير, كثير جدا عليه و على أعصابه . جود تستطيع أن تتركه ذاهلا دون أن تتزين أو تلبس الجميل من الثياب , فكيف و هي تتأنق هكذا وتكلمه بـ ... بشكل عاديّ !!.
    عندما عاد من شلال الأفكار هذا , كانت جود تجلس مقابله و تنظر في وجهه بعذوبة و حنان مرخية رأسها على باطن كفها المفرودة.
    إن لم يتكلم الآن و يفتح أي حوار , فهو هالك لا محالة .
    قال مبتسما و قد تطلّب ذلك منه جهدا عظيما : - يناسبك اللون الوردي
    - يناسبني فقط ؟!
    مـــــــــــــاذا ؟ ما الذي تصنعه الآن ؟ , لا , لا , لا , لم يكن ما يحصل الآن ضمن التخطيط و الحسبان , مدّ يده لكأس ماء و ضع أمامه على الطاولة الزجاجية المطعَّمة بخشب الصندل, وهو حين فعل هذا استلحق به أنفاسه الواهنة , شربه على ثلاث دفعات .
    - تناسبك البدلة الكحليّة أيضاً .
    قالت ذلك فكاد يغص بالماء , استدركت و هي تقوم نحوه هلعة : - لن أقول كلاماً لطيفاً إن كنت تعاني حساسيّة مزمنة منه بهذه الهيئة
    - لا لا
    نطقها مستخدما ما استجمع من الأنفاس , تابع و هو يرفع بصره لوجهها الذي و كأنه يراه للمرة الأولى , صافياً و بريئاً و كأنه شطر من نور الشمس :
    - قولي لي كلاما لطيفا دائما , عـ ... عزيزتي .
    - ما هذا البؤس كله ؟؟ ...
    جلست قربه فطار ما تبقى من صوابه , وتشتّت كامل تفكيره , قالت و هي تعدل له ربطة عنقه :
    - هل هو إذاً ما دفعك لتبعث محاميا ليرافع عنك ؟
    ذابت كل المشاعر المتضاربة الآن و حل محلها فراغ قاتم .
    تابعت و قد بدأت نبرتها تستعيد ذلك الخواء الموحش : - ما كان اسمه ؟؟ - أدَّعت التذّكر - صامد , راسخ لا لا لا
    - ثابت
    كان ينتفض في الوقت الذي نطق فيه بالاسم . قالت بمرح عابث : - نعم نعم , لقد أتى يوم حفل توقيع العقد , و لكم أحرجني الموقف
    تنهدت بحسرة , هي بالتأكيد كاذبة , و مضت في حديثها :
    - لقد قال كلاما قاسيا , هل كنت تخبره أنني سيئة معك , إن كان عندك شكوى مني قلها في وجهي ولا تبدأ بنشرها في الأرجاء
    كان يرتعش , ينتفض , يغلي من الغضب هذه المرة
    - و نظراته ... آآآه هل كان يعني ؟
    التفت لها مذعورا فقالت و عميق الخيبة يلف كلامها : كيف يفعل أمرا مريعا كهذا ؟ كيف تصاحب شخصا بـ
    - أرجوك لا تكملي ... لا تكملي
    استقام من فوره , و رغم الدوخة التي أحسَّ بها إلَّا انه تمكن بما ظل معه من بقايا إرادته أن يمشي نحو الباب .
    جاء صوت والدتها مقترباً : - عذرا على التأخر لكنني جهزت الكـ ...
    قابلها إيوان في الطريق بوجهه الواجم , و كأنه لم يرها أسرع نحو الباب , و الترنح واضح في مشيته , فتحه وخرج دونما أي كلمة .
    لم تعرف ما كان هذا , أسرعت نحو الصالة حيث كانت جود تجلس مادّة قدميها على الطاولة الزجاجية و قد خلعت الحداء منهما .
    - ما ... ما الذي جرى ؟ .
    - لا شيء يذكر , لقد كانت خيبة أمل صغيرة لا تقلقي سرعان ما سيشفى منها .
    - خيبة ماذا !! , لا أفهم
    أنزلت جود قدميها على السجادة التركية الثقيلة , و حركتهما و كأن الكعب العالي , الذي لم تعتد عليه , ضايقها قليلاً
    - لا شيء يذكر , لقد دمّرت صداقته مع أعــــــــز و أغلـــــــــى صديق عنده , هل من شيء مزعج في الحكاية ؟
    سقطت الصينية الكبيرة من يدي السيدة رند فتحطمت كل القطع الزجاجية الثمينة التي كانت عليها, و أصبح وجهها خاليا , قالت و كأنها تعلمت الكلام تواً :
    - ما ... ما ... ما الذي فعلته ؟
    قالت جود بصوتها الطبيعي الذي لو تكلمت به في حديقة غناء وارفة , لأصبح جوها في لحظات كمقبرة مهجورة في ساعة السحر الأخيرة :
    - نعم تريدين التفاصيل ... لا ضير , لقد مثلت أمامه أن صاحبه الذي يظنه أوفى الأوفياء قد جاء إلي ذاك اليوم محاولا التفريق بيننا , أفهم من وجهه أنه ظن أ...
    - لا تتابعي ...
    كانت تلك صرخة توسل من والدتها , شهقت مرات عديدة , و كأن الدمع قد نفد من عينيها , قبضت على فمها لثوانٍ , ثم أخذت تضرب على رأسها بكفيها لجُلِّ المصيبة التي شعرت بها , و جعلت تستجدي بصوت مكلوم : لِم يا جود ؟ لِم يا ابنتي ؟ لـ ... انقطع صوتها للحظات و كأن أنفاسها نفدت هي أيضا , تابعت بصوت خفيض و مكسور :
    - لِم تفعلين هذا بي ؟
    كانت جود تحدق في تعابيرها و كأن شيئا أمامها لم يحصل , قالت بعد أن ملّت هذا المشهد الدرامي البائس وهي تربت على كتف أمها :
    - لا تكبري الأمور كثيرا , و اذهبي مثلي تماما لتحضري كوبا من الشاي و تشاهدي المسرحية الكوميدية التي ستعرض قريبا
    أكملت و ارتعاشة الحماس تعصف فيها : لا أكاد أصبر .... لا أكاد أصبر
    الآن رند تخشى منها , تخشى من هذا الشيطان الذي يسكن معها , تخشى من هذا الغول ممسوخ الداخل كليّاً .
    مشت جود من أمامها , فثار إعصار الغضب فيها , و استدارت لتمسك معصم جود و تسحبها نحوها بضراوة :
    - سا ...
    - ستقتليني أنا أيضاً ؟
    أفلتت معصمها ,عند هذا الحد, فمضت جود من أمام والدتها التي ... أصبحت جسماً مفرغاً .
    * * * * * * * * * * * *
    "أخر سر احتفظت به الزهرة لنفسها ... ملامح قاطفها "
    " صرخ الذئب في المشهد الكونيّ , لست إلّا مثل الغزال الذي أقتُل ."
    " بكى القاتل المأجور حينما أصبح يقتل ضحاياه من الرصاصة الأولى "
    - ليلة اكنمال الذئب , مهند سيف الدين العزب –
    إذاً ... زهرة , فذئب , فضحايا ...
    * * * * * * * * * * * *
    - 6 -

    يقود ثابت سيارته الجيب ترابية اللون و عقله لا يزال مشغولا بتلك الكلمات , و رغم أنه قام بالكثير من الأمور من دراسة و تمرين في نادي " الكراتيه " و ... دراسة مرة أخرى و غيرها ... فهو لا يستطيع التفكير بغيرها .
    " ... هل ستبقى على سالف عهدك من الاهتمام به و الحرص على شؤونه ؟ "
    إنه الآن عندما أصبح مع نفسه يفكر جديا بهذا السؤال , و بإجابته الحقيقية التي يقتنع هو بها أولاً .
    شعر برجة الهاتف فرفعه نحوه , عندما قرأ اسم إيوان لا يعلم ما الذي اعتراه , قلق , ترقب , خوف ... لا يعلم المهم أنه شعور كريه كنعيق البوم
    تردد في الرد على الاتصال , غير أنه استعاذ من الشيطان و وضع السماعة في أذنيه و أكد لنفسه أن لا خوف الآن , إلّا من لقاء شرطي مرور .
    - مرحـ ...
    - من الذي طلب منك التدخل ؟؟!!
    إذاً فقد كذَّب صادقاً , حيث أن هذا الصوت الحارق الذي يصدر من إيوان أنكرته نفسه قبل أذنه , ما السمّ الذي جرعته إياه يا ترى ؟
    - ما الذي قالته لك أولاً ؟
    - هل هذه جرأة أم وقاحة ؟ أنت تعلم إذاً قبح صنيعك و مع هذا ...
    - قبح صنيـ ... !! لا تخطأ في حقي يا إيوان , إن جو...
    - لا تنطق اسمها ...
    انهار إيوان الآن بشكل كامل و بدأ يتكلم دون وعي
    - اسمع أيها الـ ... لا تضطرني لأن إنهي كل ما كان بيننا أياً كان بأبشع الطرق التي يمكن لعقلك الـ ... التي يمكنك تصورها ...
    - إيوان أرجوك أن تسـ
    - أخرج من حياتي أيها البغيض ...
    عض ثابت على شفاهه تألما , هي إذاً تعرف كيف تتصرف بدناءة , لقد سحرت إيوان ولا تفسير آخر لتصرفاته الهوجاء هذه , لِم يلح سؤالها عليه الآن بشدة , لو أن إيوان قام بإذائه , قام بالدوس على كل هذا الاهتمام بدم بارد فما الذي سيصنعه ؟ لم يكن لديه الوقت ليفكر فإيوان عاد للتحدث بثورة و عدوانيّة :
    - أخرج من كل شؤوني و دع على الأقل ذكرى طيبة في النهاية .
    النهاية , ألهذه الدرجة يمكنها التأثير فيك يا إيوان ؟ يمكنها أن تأخذ القرار بدلاً عنك ؟ حسناً إن كان هذا الذي تريده
    - حسناً إن كان هذا الذي تريده
    أجل , لقد قال ما في نفسه عبر لوح زجاج .
    إيوان , لم يعقب لم يتكلم لم يفكر حتى بأي شيء, فقط أغلق الهاتف , مخلفا ثابت من وراءه يفكر " هل كان الأمر سخيفا جدا بينهما , لينتهي بهذه الطريقة الأسخف ؟"
    هل أنهار الحصن الحصين الذي لم يشك لحظة في صلابته و قدرته على تحمل الأزمات ؟. لَمْ يعلم لِمَ تعطلت قدرة التفكير فيه , حتى القيادة أحس بعقله الداخلي يتولاها عنه و كأنه أحس باللجام الذي ألجمه .
    يتبع ...

  5. #24
    في الفصل القادم :
    ... بلهجة مرتاعة قالت " أمــــي ... ما الذي تصنعينه ؟؟ "
    " ثابـــــــــــــــــــــت ... أسـ ... أسر...ع ..."
    نظرت له متحدية لتقول بصوت باهت : " هل تقدر على ذلك ... هل تقدر أن تفعل ذلك حقاً ؟ ... إيوان , هل تقدر أن ...
    سحبت متر القياس من أحد الرفوف و قالت موجهة كلامها لثابت : ...
    و في الفصل القادم ... ستظهر مزيد من الأزهار الزرقاء شديد الحمرة ...
    قالت له مترجمة بيديها : " هل تأتي معي لمكان .. ؟ "

    * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
    سؤال قبل النهاية :
    عندما أتت أم جود حاملة معها الصينية كانت تقول : عذرا على التأخر لكنني جهزت الكـ ...

    ما هو الشيء الذي كان معها و الذي يبدأ بحرف الكـ ... ؟
    فكروا جيدا ...

    لنا لقاء مع الفصل الرابع ... و حتى ذلك الوقت فلتكونوا على خير .

  6. #25
    لمآآآذآآآآآآآآآآآآآآآآآآآ؟؟؟ cry
    لم أشششبع!!!! :أبونملة:
    لي عودة بإذن الله 3>
    لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين

    e440

    أطفأتْ مَدينَتي قنْديلَها ، أغْلقَتْ بَابهَا ، أصْبَحتْ في المسَا وحْدهَا ؛
    وحْدهَا وَلـيْـــلُ . . . em_1f3bc

    / اللهُم احْفظْ مدَائنَ الإسْلام والمُسلْمين
    "

  7. #26





    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    لي عودة = = , للمرة الألف .
    مداد , تحطمت الصورة عنك كليا @@



    أنا عدت ~ , و أخيرا ً . = =
    جزء حماسي في نظري , سأعلق تفصيلا .
    أمممـ هل كان اسمها طيب ؟ , أتسائل من كان يفكر بها , ربما ثابت مثلا ؟! , أشعر بأنه ثابت .
    الموقف بين رسيل و جوين أثار انتباهي , لدي شعور سيء حيال تلك الرسيل أشعر بأنها خطيرة , ربما تأثر سلبا على جوين المراهقة .
    موقفها أيضا مع المعلمة كان مثيرا للغضب , عموما لست أكرهها لكن بها شيء غير مريح .
    من التآلي ؟ , أعتقد جود و ثابت صحيح ؟ , لم يكن على ثابت التدخل , لكنه فعل ذلك بدافع الصداقة .
    في مقطع يمان و إكلير , توقفت كثيرا عند الإسم أشرقت @@ , لم أسمع عنه من قبل , أعني هو فعل أساسا و ليس اسم .
    تودد لم يكن لها ظهور في الجزء .
    أما جود !! , كرهتها بكل جوارحي في هذا الجزء , عندما تكلمت بلطف مع إيوان شعرت أن بالأمر خدعة , لن تتغير في ليلة و ضحاها ! .
    أكره هذا النوع من الشخصيات الذي يفسد بين الناس , و الكريه أكثر أنها تعلم أن ايوان سيصدقها !! الكريهة = = .
    أما إيوان الغارق في الحب , شخص هادئ هو لكن الحب عصف به تماما و غشى عقله و تفكيره , لا تستحقه جود أبدا ! , أعتقد أنه بعد أن يستعيد هدوئه سيعيد
    الحديث مع ثابت , و أعجبني رد ثابت المقتضب عليه , سيشعره يفكر بالأمر مليا .
    حينما وصفتي اضطراب إيوان من تصرفات جود , أحسنتي الوصف حقا !
    أين محبوبتي إليغانت ؟!

    في الفصل القادم :
    ... بلهجة مرتاعة قالت " أمــــي ... ما الذي تصنعينه ؟؟ " > قلبي يقول أنها جوين , لا أعلم ماذا بي على جوين ! , ربما تراها مع رسيل و تغضب .
    أستبعد أنها جود مثلا , أو ربما هي اليغانيت ؟! > الجميلة watermelon
    " ثابـــــــــــــــــــــت ... أسـ ... أسر...ع ..." > إيوان ..؟! , الأحتمالات كثيرة .
    نظرت له متحدية لتقول بصوت باهت : " هل تقدر على ذلك ... هل تقدر أن تفعل ذلك حقاً ؟ ... إيوان , هل تقدر أن ... > أمممـ ربما سينفصل عن جود ! , مرححى
    سحبت متر القياس من أحد الرفوف و قالت موجهة كلامها لثابت : ... > ربما ثابت و جود ؟ , أو ثابت و أمه .
    و في الفصل القادم ... ستظهر مزيد من الأزهار الزرقاء شديد الحمرة ...
    قالت له مترجمة بيديها : " هل تأتي معي لمكان .. ؟ > لم أستطع التخمين , من لديهم احتكاك بالفتيان هم جود و جوين فقط .

    عموما , توقعاتي أن رسيل ستأثر في جوين بشكل سيء , ثابت و إيوان سيتصالحان إن شاء الله , لدي ثقة بإيوان , و ربما سيقدم على خطوة جريئة وهي الإنفصال .
    ردي ليس وافيا كالجزء الأول , المعذرة .
    في أمان الله , سكون ~
    اخر تعديل كان بواسطة » سكون ~ في يوم » 10-02-2012 عند الساعة » 09:35

  8. #27
    سكون ... عودة حميدة يا غالية ...
    أهلا بك مجددا و دائما في " الحديقة السرية " و بكل تعليقاتك اللطيفة
    أجمل شيء نلته عندما وضعت هذا النص المتواضع هنا هو أن عددا من الأشخاص الرائعين قد انضموا لي في مناقشة عالية المستوى فلكأني بها أحاور نقادا أجلاء يثرون الروح قبل الفكر ...

    في موقف ثابت و جــــود " عدوتك اللدودة ... أفدر ذلك فهي حقا تزيدها أحيانا " , أظن أن الأصدقاء ينجرفون وراء بعض التصرفات الهوجاء يقودهم حبهم الصادق و مشاعرهم النقية , فتكون هناك أخطاء و مشاكل جسام ...
    أعدك أن يكون للغالية عليك " إليغانت " طلة مميزة و طويلة و فريدة الجزء القادم ... تودد كذلك ... و مفاجأة مع تكشف لبعض أسرار الماضي .
    أظن أن صداقة ثابت و إيوان في اختبار عسير كما يحدث مع الجميع , فإما تصرف حكيم يصلح الأمر و إما ...
    الشيء الوحيد الذي أنا متأكدة منه أن نظرتك عن بعض الأشخاص ... ستتغير كليا ... " جريئة كتير الكلمة ما !!"

    دائما سعيدة بالتواصل

    مداد الحبوبة .. " ويـــــنك ؟؟ - بالعامي هيك - "

    لم يشبعك الفصل ذو الست أجزاء و الثلاثة عشر صفحة , فكيف سأشبع أنا من ردك يا أمورة ... يعني شوية رياضيات الئصة
    ردي اليوم أعلم أنه مبعثر بعض الشيء ... سامحوني فأنا مريضة حقا هذه الأيام و لا أكاد أستطيع فتح عيني
    دعواتكم لي بالشفاء و لأهلنا في سوريا بالفرج العاجل و القريب .. لا أستطيع نسيانهم أبدا .
    و بالمناسبة , ردودكم جزء من علاجي فلا تبخلوا جميعا علي بها

    آآآه أمر مهم , ريشة إبداع منذ مدة لم أسمع ردودك و لم تطلي علينا ... أسأل الله أن تكوني بخير و أن لا يكون هناك أي مشكلة , طمأنيني عليك إن دخلت للموضوع و حسب عزيزتي .
    و إلى لقاء جديد .. و أحداث مشوقة جديدة حيث ستتشابك الخيوط أكثر , لتظهر من خلفها .... " الحديقة السرية "

  9. #28
    هل يمكنني أن أضع حجزا صغيرا هنا redface

    إن شاء الله راح أفكه غدا إن لم يكن اليوم فالقصة متاكدة إنها مشوقة جدا و لن تدعني أرحل بسهولة embarrassed
    attachment

    أندلسي :سعاة2: 3>

  10. #29
    أهلا و سهلا بك عزيزتي كوب شاي , الحجز مقبل , أتمنى أن تستمتعي بالرواية .
    اقبلي تحياتي , و ترحيبي المليء بالرورود و الأزاهير

  11. #30
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    مرحب أسماء إن شاء الله بخير

    ماشاء الله عليكِ ربي يحفظكِ و يزيد ابداعكِ

    استمتعت جدا بالأحداث و نفسيات الشخصيات المتقلبة

    و العنوان يجعلني اتسائل عن سر ارتباطه بما هو قادم

    الشخصيات بصدق تعجبني تركيبها النفسية جدا

    عائلة السيدة توود

    تعلمين شعرت إن ابنائها هم حصنها الذي تستند عليه هم حمايتها و الشيء الوحيد الذي تشعر بقربه بالأمان

    رغم صرامتها و قوتها و حبها الشديد لهم

    اعجبني ثابت شعرت الأكثر قربا للأم و الأكثر تفهما

    جوين اتعلمين احيانا قد يكون اهتمام الأهل خانق خصوصا لو يحاولن تحقيق شيء من خلال أبنائهم
    ومن دون وعي تشعرين بقهرهم للابناء الحب الشديد او الاهمال الشيد كلاهما قاتل و مدمر

    هذا ما شعرت به مبدئيا نحو هذه العائلة

    اما صغيرها فسانتظر قليلا لأجمع افاري عنه

    اما عن اليغارت صحيح اسمها هكذا

    لازلت اتسائل عنها وماذا يدور حولها ؟
    هل هي حقا مغرورة غرور اعمى ام انها تائهة حائرة فلا تجد سوى واجهة بالغة الأناقة تختفي خلفها

    الهسترية من مظهرها الطبيعي حسنا و لكن مع انهيارها وكلامها لأمها شعرت إن هناك الكثير من القطع المبعثرة تحتاج للتجميع
    وانتظر ظهورها مجددا

    جود و إيوان
    لا أعلم بخصوص جود ولكنها من طريتها مع والدتها شعرت انها فقدت الأهتمام في وقت مبكر وجدت المال والراحة الخارجية اظن لكن داخليا لا ادري حقا بهذا الخصوص

    هل هي حقا لا تؤمن بالصداقة و الاهتمام وغيرها من المشاعر

    أتعلمين اشعر انها محطمة و في طريقة لإيصال تحطمها اصبحت ساخرة و الفوضى بالمشاعر و عدم الاهتام يولد لا مبألاة قاتلة تسعى لتحطيم من ترى يملك شيئا جميلا في داخله
    كتحطيم ايوان وثابت اشعر كانه تمرد لانها محطمة فتحطم الكل معها

    اما إيوان ذكرني بشيء قراته في كتاب من فترة قليلة إن العباقرة يقعون في حب نساء تقريبا فقدن الشعور

    و قد لايجد احد سببا منطقيا لذلك ورغم ذلك يبدعون laugh

    لا اعرف ربما يرون شيء و يظلون يؤومنون به فمن احبوهم الى النهاية

    لا ادري حقا

    رد سريع فقد على ما فاتني biggrin
    اما بقية الشخصيات اريد ان اراهم اكثر لاعرف ماذا اظن بهم حقا

    محاور قصتك متفرعة و لكنها تلاقت ثلاثة مرات كما اظن اي هناك روابط بين كل التفرعات

    متشوقة للتكمل
    اما عن سؤال عن ام جود فالواقع لم اصل لشيء او لا اريد افكر و استنتج
    اريد ان اتابع واستمتعت

    ربي يسعدكِ اسماء و يوفقكِ

    بحفظ الرحمن^^




  12. #31
    ثقب ضوء gnmhS4








    مقالات المدونة
    1

    رحلة أدبية إلى كهف مظلم رحلة أدبية إلى كهف مظلم
    شاعِر بَين الصّور شاعِر بَين الصّور
    حكمة الشعر حكمة الشعر
    مشاهدة البقية


    السلام عليك و رحمة الله و بركاته

    سأبدأ حديثي بقول : ما شاء الله تبارك الرحمن

    أنهيت و لله الحمد فصلين و كنت أحسب نفسي قادرة على اكمال الثالث و لكن أحياناً تجيش النفس و تعجز عن ترتيب عواطفها فتُفضل الانتظار حتى تهدأ بعض عواصفها

    ما أجمل غوصك في أعماق الشخصيات ، و مازلتِ في كل فصل تكشفين الغطاء عن جزء من تفاصيلهم الداخلية في تدرّج بارع لا يظهر فيه جانب على الآخر ، بدأتِ القصة بمشاهد منفصلة لكل عائلة ثم أخذتِ تنسجين خيوط الأحداث معاً بمنطقية لا دخل للمصادفة فيها و لا أدري إن كانت تلك العائلات ستلتقي مع تطور الأحداث و ترتبط بخيط القدر

    لاحظت منذ الفصل الأول خلو العائلات الثلاث من فرد مهم بل من دعامة أساسية ألا و هي " الأب " و ربما خلفه تكمن بعض الأسباب التي تُفسر سلوك شخوص القصة

    ما شاء الله يا مداد لم تتركي شيئاً يُقال

    بإذن الله سأعود لأكتب رداً يليق بهذا الإبداع ... في حفظ المولى يا متألقة
    اخر تعديل كان بواسطة » أَثِـيل في يوم » 12-02-2012 عند الساعة » 19:14

  13. #32
    السَلآمُ عليكم ورحمة الله وبركاته
    أهلًا أسماء, كيف حالُكِ؟ أرجو أنكِ بخير حال

    بدايات ونهايات
    بارت حمل بدايات لأشياء كثيرة ولكن أهي النهاية لـ إيوان وثابتcry

    أحيانا لا يكون أمامنا سوى أن نقبل , سوى أن نتقبل الأحداث التي تصادفنا , حتى لو كانت مؤلمة , حتى لو كانت موغلة في الوجع ...
    أحيانا يكون علينا أن نتحمل الجروح , أن نضغط عليها و نكتم الدموع في المُقل بشهقات تزيد من الآلآم ...
    لكننا , و مع تقدم الوقت , نكتشف أننا أعملنا التشويه في أنفسنا , و أن ما دُمِر لا يمكن إصلاحه .
    عزيزتي الغالية طيب ...
    كم أشتاق لكِ و لإبتسامتكِ التي لطالما كانت البلسم لألآمي و جروحي , فعليكِ السلام .
    و لكن ...
    " لا يمكن أن تسأل الشمس أن تكون أكثر إشراقا , أو أن تطلب من المطر أن يكون أقل هطولا , هي فقط كتلك االأمور التي تحدث ... و كفى . "
    حقا أفْتَقِدُكِ ...
    صحيح تمامًا
    أحيانًا يصل الإنسان لمرحلة يرضى فيها بأي شيء يحدث
    سيئًا جيدًا لا تُحدث فرقًا لديه
    ويُكمل حياته

    أعلن عن نهاية الدرس , فعلا ضجيج خفيف أرجاء الصف الدراسي , جمعت المعلمة أغراضها و قالت مخاطبة الجمع الضاجّ :
    - جوين , عنان , طفولة و ... رسيل

    سكُوون
    لدينا اسم أشرقت laugh
    لكن لم أسمع بطفولة من قبل laugh
    أهلًا بأسمائِكِ يا أسماء attachment
    قالت رسيل بصوت خفيض و هي تقلد صوت المعلمة : لا لايمكنك _ تابعت بتهكم و هي تجلس – إنها حقا تعيش الدور
    ضحكت الفتيات من حولها , فزجرتهن المعلمة , و قالت بغضب موجهة كلامها لرسيل : ألّا تملين من أفعال الحماقة هذه ؟ّ!
    يا للإزعاج يا رسيل
    تعلمين لا أحب الفتيات أمثالُكِ أبدًا
    أيًا ما كان المُعلم يا صغيرة وحتى لو لم يكن بالمظهر المطلوب أو بالقوة التي تجعلك تحترمه أو بصرامة البعض
    فهو لم يكن مُعلمًا إلا بعد دراسة طويلة
    ودعكِ يا رسيل من هذا كُله, تلك المُعلمة امرأة كبيرة وعليكِ احترامها attachment
    < لا عليكِ أسماء أحب التحدث مع شخصيات القصص attachment


    - إنه فعل شنيع .
    رفعت جوين عينيها لحبور و أكملت : - مهما كان وضع المعلمة فالكلام بهذه الطريقة يجب أن يُعارض من الجميع , إتكن تثرن الاستغراب .
    - إنك مؤدبة جدا , لو سمعتك رسيل ستضعك على القائمة .
    - لأنني مؤدبة ؟!!
    واه, كم أنتِ جميلة يا جوين وكم أُحب والدتكِ توددattachment

    أسماء هل اسم جوين اسم عربي؟
    أعني هناك أسماء مثل أليغانت وإكلير وإيوان
    بالنسبة لي لم أرها قبلًا على أشخاص عرب لذا أكون شاكرة لو وضحتِ سرهم attachment

    كانت حبور تريد الكلام , فاستدركت جوين : - غير الطهي !!
    - لكن لِم ؟ إنه مســــــــــــــــــــــلٍ
    - إنه خطيـــــــــــــر - قالتها محاكية طريقة حبور في مط الكلام –
    laugh أنا أنا أشارك في نادي الطهي
    في الكلية عندما نمر بحوار قسم الاقتصاد وتصلنا تلك الرائحة امممم نجووع laugh
    ليس خطيرًا يا جوين الجمييلة فالمعلمة ستكون معكِ

    يستمر الناس , و بغرابة , بحب الطعم الحلو , و يكرهون المرارة .
    لكنني أعتقد أن لا بأس بالمرارة .
    يشعر المرء بالطعم الحلو الحقيقي , بعد أن يجرب المرارة الخالصة ...
    كما ينضج المرء و يصبح أقوى ... بعد التجارب المؤلمة . – من مذكراتي -
    الألم يُعلم الإنسان الكثيرattachment
    والناس يُحبون الطعم الحُلو لأنها يخافون من الألم
    فلا يكتسبون خبرات جديدة
    ويظلون عند تلك النقطة, نقطة البداية
    يضحكون ويمرحون ويتجاذبون أطراف الحديث ويعتمدون على ما لديهم من خبرات اكتسبوها حتى وصلوا لتلك السن التي تؤهلهم لفعل الأشياء دون مساعدة
    فقرروا ألا يخوضوا جولات مع الألم

    جميلة ي أسماء attachment

    ابتعدت جود عن المكبر و سط استغراب الجميع من اقتضابها الشديد , مرت من أمام مقدم الحفل فقال لها ناهرا : - كان جميلاً لو أنك قمت بشكر والديك !!
    - فلتقم بذلك أنت إن كنت تراه جميلا .
    attachment
    حسنًا لأفهم الأمر وحدي
    رند دفعت بزوجها للسفر من أجل العمل, وهي بقيت لتربي جود؟
    أراها سيدة جيدة حتى الآن
    فهناك الكثير من الأزواج يُسافرون من أجل العمل لفترات طويلة ويتولى عملية التربية الأم
    ولكن لم أرى نتائج كـ جُود فما حقيقة ما واجهته
    هل كانت مُتعلقة بوالدها كثيرًا قبل أن يُسافر منذ أمد بعيد
    وهل اهتمت رند بنفسها وأهملت جود حقًا لتصل إلى هذا المُستوى النفسي الرهيبْ!
    لقد استطاعت أن تقلب الأمر عليه , و الآن هو يخشى على إيوان بشكل أكبر من هذا المخلوق الذي استطاع أن يبث في عقله , وبلحظات , سما رعافا .
    صرخ و هو لا يعلم إن كانت تسمعه أم لا : - لا يمكن أن يفعل ذلك , مستحيل .
    قالت في سرّها و ابتسامة خبث و مكر تلوح على ثغرها : - لا تكن متأكداّ جداً , أيها الثابت !!
    همممم, حسنًا جُوود لن أكرُهكِ على ما ستفعلين
    سأحزن فقط cry
    لأنك ما إن تكره مرّة واحدة ... لن تستطيع أن تحب بصدق ثانية ... قلبك سيصبح مظلماً ,
    لا شيء يمكن أن يضيئه ... ربما معجزة !!
    لأننا عندما نُطعن ممن نُحب
    نتفاجأ بتصرفاتٍ غريبة
    نفقد الثقة
    فيصعب أن نمنحها لأحدٍ آخر
    ويصعبٌ أن نحب بنفس نقاء المرة الأولى
    وما أدراك بالقلب عندما يُظلم يا أُخيّة!

    رفعت الورقة التي كانت قد كتبتها و شرعت تقرأها عالياً : - إنه أخاك ... – تابعت مبتسمة – أيتها الحمقاء , لا أرى أنني ذكرت شيئاً عن المشاكل !!
    - أنت غير مؤدبة
    وأنا أود دفعكِ من الطابق العاشر cry لقد أخفتني أيتها الحمقاء رسيييييييييل ogre
    سكتا لفترة قالت بعدها جود بلهجة معتدلة :
    - أنا الآن أنتظر أن تقول لي أسبابا كثيــــرة و طويلة جداً و مقنعة تجعلك تتصل بي أحد عشرة مرة .
    - أريد أن أراكِ , أهذا كافٍ ؟
    إيوان يا فتىcry
    11 مرّة :فيس كادت عيونه أن تخرج:!!
    لا تعليق .. لا أدري :|
    =="
    - لقد اشتريتها اليوم , خصيصا لهذه الليلة .


    knockedout ما شاء الله
    ولكِ عين تشترين ملابس جدييييييدة من أجل ما ستفعلين
    أيبدو الأمر مُسليًا لهذه الدرجة
    attachment
    وكأنكِ تستعدين لـ عيد cry

    قالت ذلك فكاد يغص بالماء , استدركت و هي تقوم نحوه هلعة : - لن أقول كلاماً لطيفاً إن كنت تعاني حساسيّة مزمنة منه بهذه الهيئة
    - لا لا
    تبدين جميلة هُنا يا جُود, فلماذا؟

    تعلمين أسماء, لستُ مُستريحة لـ والد جود فهو تقريبًا لديه مشاعر قريبة من جود تجاه زوجته
    يراها أبعدته من أجل المال
    أخبريني لماذا تبدو لي رند طيبة جدًا رغم ما فعلتknockedout؟
    مشت جود من أمامها , فثار إعصار الغضب فيها , و استدارت لتمسك معصم جود و تسحبها نحوها بضراوة :
    - سا ...
    - ستقتليني أنا أيضاً ؟
    أفلتت معصمها ,عند هذا الحد, فمضت جود من أمام والدتها التي ... أصبحت جسماً مفرغاً .
    هل كانت تعني القتل بحذافيره!!!

    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة أسماء شاهر مشاهدة المشاركة
    سؤال قبل النهاية :
    عندما أتت أم جود حاملة معها الصينية كانت تقول : عذرا على التأخر لكنني جهزت الكـ ...

    ما هو الشيء الذي كان معها و الذي يبدأ بحرف الكـ ... ؟
    فكروا جيدا ...

    لنا لقاء مع الفصل الرابع ... و حتى ذلك الوقت فلتكونوا على خير .
    ربنا جهزت كعكًا laugh

    بالنسبة للعنوان"الحديقة السرية"
    أشعر أنكِ تقصدين تلك الحديقة بداخل كل واحد فينا حيث تُزهر نفسك بكل ما هو حُلو
    ^ مجررد فكرة خطرت ببالي knockedout

    وَ تُثبت attachment
    ليستمتع الجميع بـ جمآل حديقتكِ , أسماء attachment

    سأكون في انتظآر الجزء الجديد attachment
    رعاكِ الله
    اللهم ارحم أبي رحمة واسعة وأحسن إليه واغفر له يا رحمن يا رحيم


    ماأضيعَ الصبرَ فِي جُرحٍ أدَاريهِ.. أريد أَنْسَى الذي لا شيء يُنسيهِ *



  14. #33
    أبحث عن أجمل تحية لألقيها على مجموعة من الناس أحبها , أحترمها و أعزها جداً , فلا أجد خيراً من :
    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    فسلام عليكم من الله يبارككم فيه برحمة من عنده حيثما كنتم ... أعزائي .

    مسكينة الأحرف , و أعجز منها الكلمات , إنها لتكاد تخفض الرأس خجلاً حيث يبدو عجزها و قلة حيلتها أمام أنواع معينة من العواطف تفرضها مواقف معينة , تماماً كحالي , أظل أتأمل كلامكم الجميل و فيّ ألف شعور و شعور , غير أن كل ذلك تأبى أن تخرجه تلك الكلمات البسيطة المتواضعة إلى فسيح النور .
    غالية كلماتكم عليّ جداً و أغلى منها ... أنتم يا من تكتبونها .
    قبل الخوض في التفاصيل أعتذر إن أطلت عليكم ( أحس أنني أمارس الغرور حين أقول ذلك... فاعذروني ) لكنني و كونوا على يقين من ذلك أشتاق لكم أضعاف أضعاف ما تشتاقون لل " الحديقة السرية " , فقد أصبحتم جزءا من أسلوب حياتي .
    بداية أسمحوا لي و لكلماتي المتواضعة الخجلى أن ترحب بعزيزتين أنضمتا إلينا :
    كوب شاي , و ثقب ضوء ( إلهي أي نوع من العقول الصافية استدل على اسم جميل كهذا !! )
    حللتم أهلاً أهلاً , و وطئتم سهلاً رحباً ... أتمنى أن تكون هذه بداية جميلة لنا سويّة ...
    أتوقع أنني أطلت الكلام و أنتم تريدون البقية ... لكن اسمحوا لي بمزيد الوقت ...
    أشكر لكم كلامكم اللطيف الذي قلتم ... و ياليتكم تعلمون ما الذي يصنعه بي !!

    كوب شاي ...
    تصحيح صغير قبل البدء :
    الشخصية الثانية في الفصل الأول تدعى إليغانت و ليس إليغارت و هي بالانجليزية " Elegant " متأكدة أنه و مع مرور الأحداث ستجدين كل القطع المبعثرة في حياة إليغانت و ستعرفين تفسير كل شيء للتتضح لك الصورة في النهاية جلية .

    آآآهٍ منك حينما قلت : الحب الشديد او الاهمال الشديد كلاهما قاتل و مدمر ... حقاً هما كذلك بالفعل , إنهما سيل جارف واحد و مهما كانت مبرراته أو مسوغاته , فهما يهدمان كل ما أمامها دون تميز ... أصبت والله .

    تحليلك لشخصيتي جود و إيوان أقل ما يقال عنه أنه ... مبهــــــــــر , فعندما تبدأ نفسياتنا بالتحطم قبل أن نتداركها بالعلاج السريع , يبدأ هو من ناحيته الانتشار كالعدوى في كل من حولنا ... ولكم هو مخيف مشهد كهذا ... الجميع منهكون فلا أحد يقدر المساعدة .
    أسعدك خالقي أنت أيضاً و وفقك في كل خطوة تخطينها و رعالك بعظيم رعايته .


    ثقب ضوء ...
    لابد لي و لامفر أن أثرثر قليلا عن اسمك البديل فهل تسمحين لي ... ؟
    لا أستطيع أن أتخيل في رأسي أبدا أن يكون هذا أسم يوحي بالحزن أو قلة الأمل ... أبدا , هي جملة واحدة الآن تجول في رأسي بخصوصه و لا من سواها شيء " الصــــــــلابة و التصميم " و لا أعرف لم أتخيل ذلك المشهد الذي تنهمر فية أشعة الشمس من ثقب في كوة مصمتة , فتكون هي دليل و دعامة الصمود لسجين الكوة الوحيد ... ( مهضوم كتيــــــــــــــر هالاسم !! و الله مبدعة )

    أتمنى أن تكوني الآن قد أتممت الجزء الثالث و قد راق لك , فالانتظار الحكيم لا يصدر إلا ممن يعرف قيمة الصبر وفضائلة ...
    أرجو من الله أن أكون دائماً عند حسن ظنكم بي , و أنا دائماً و أبداً بالانتظار لوقود آرائكم أحبتي .

    سيـــــــــــــــــــمون ... و أخيراً
    أهلاً أولاً و أخراً ومجدداً بك يا حلوة ...
    أنا دائماً بخير حينما تظلون تطلون عليّ من وقت لآخر ...

    "أهلًا بأسمائِكِ يا أسماء " !! ( بزيدها أنا مرات مش هيك ؟ يالله إزا حدن عندكن أو معارفكن إجا مولود جديد لا تترددوا أبدا بالاستشارة ... عن جد بحكي )

    كلمة صدق يراد بها وجه الله ... في صغري كنت في الصف كرسيل تماماً ( مرة خليت مس تعيط !! يا لئيمة يا أسماء ) لكن ليس الآن سيمون ... ( كبرت على الزناخة !! ) لكن بصدق هناك أنواع من المدرسين مكتوب على حبينها ( شاكسوا في حصتي ... رجاءً) برأي أن المعلم هو من بيده أن يجعل لنفسه هيبة و وقارا أو لا .

    اسمي جوين و إيوان عربيان و قد فسرت مداد في ردها قبل الأخير ( حزن !! لأنني مشتاقة لها ) المعاني بدقة متناهية ... أوجه لها تحية .
    أما إليغانت فهو إنجليزي , و إكلير من الأسماء الفرنسية القديمة ,

    أما عن نادي الطهي , أنا أوافق جوين لأنني في الطهو " صفر على الشمال " كما يقولون , و المرات القليلة التي طهوت بها كانت تجارب قاسية و مؤلمة بالنسبة لعائلتي .
    سعيدة لأن كلمات مذكراتي أعجبتك أعدك بالمزيد المفيد بإذن الله ,جعلتني الآن أذكر سبب كتابتي لهذه القصاصة , في الحقيقة ابتسم حين أذكر ذلك ... !! و دائماً أقول , أن البلور يصبح أصفى و أجود و أمتن و أرق كلما تعرض للنار أكثر ...
    بالنسبة لرند و جود ... سأترك الأمر للقادم القريب ... إن شاء ربي .

    إيوان المكسين ... ( بدكن الصراحة أنا بزاتي بحزن عليه ... )

    يبدو أنكي وجدتي عذرا لرند من بين السطور على ما فعلت ... عذرا لم تجده جود ربما ... المشكلة أن طريقة حكم الناس على أفعال بعضهم معقدة جدا بعض الأحيان و بدون أي تفسيرات عقلانية , و صدق رسول الله عليه الصلاة و السلام حين قال فعلم :
    " الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها أئتلف و ما تناكر منها اختلف " أو كما ورد بنص الحديث , فعليك الصلاة و السلام يا معلم البشرية .

    سيمون أنت الأولى بالجواب على السؤال ... لا أعلم لم تجاهله الجميع فأنا لي في ذلك مقصد ... المهم الجواب لن أبوح به الآن حتى أسمع المزيد من الإجابات ... لأنني كما قلت عندي مقصد منه .


    و في النهاية شكراً على التثبيت , أتمنى حقا أن يستمتع الجميع بالقدر الذي أستمتع به أنا .

    مداد و سكون و ريشة إبداع أهلا بكم دائماً .... ( مستحيــــــــــــــــــــــل أنساكن )

    أما بالنسبة للفصل الرابع سأضعه عما قريب فهو طويل نسبيا و أحتاج أن أصححه نحويا و لغوبا و إملائيا فقد لاحظت أنني ارتكبت بعضا من الأخطاء في الفصول السابقة , و الأيام الماضية كنت بحق متعبة قليلا و لا استطيع الجلوس للعمل على الحاسوب المحمول .

    سأضعه في أقرب فرصة و قريبا جدا إن شاء الله عز و جل .

    أخيرا و ليس أخرا , أشكر كل من يتابعني و أتمنى للجميع دوام الصحة و العافية و ... الشهية الأدبية .

    تلميح : اسم الفصل القادم أمي الحبيبة ... شكراً .
    أحبكم و الله جميعا ...
    أسماء شاهر .

  15. #34
    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

    من مقدمة الرواية تبدو شيقة ومثيرة cheeky..
    لي عودة للقراءة ..~

    إن الأماني وسط فكري لم تزل .. خلف أحلامي يغطيها الكسل
    لكنني قررت أن
    أمضي بها .. وقل اعملوا تُجنى الأماني بالعمل
    attachment


  16. #35
    أهلاً و مرحبا بالجميع مجدداً في الحديقة السريّة ...
    مرحباً ب Nise Mooon و أتمنى من كل قلبي أن تستمعي معنا بالرواية و بمناقشة كل ما تريدين قوله , و أنا كلِّي أذانٌ صاغية لما تودون المناقشة فيه ... و بصراحه أحب أراآئكم بشكل هائل , جميعكم لكم أرآء يستلهم منها الإنسان أفكار رائعة في الحياة .
    لن أطيل عليكم أكثر أترككم مع الجزء الرّابع ... لن أخفي عليكم القول كنت أريد تجزئته لجزأين لطوله , لكننني بعد ذلك قررت أن أضعه كاملاً و أن لا أقطع عليكم الأحداث فيه .
    تفضلوا الجزء الرّابع بعنوان : أمي الحبيبة ... شكراً .

  17. #36
    107b0dd2bd4310fcfd7fc176f46bab5c

    الفصل الرَّابع : أمي الحبيبة ... شكــــــراً


    - 1 -


    إن كنتَ تريد أن يحبك الآخرون أن يتفاعلوا مع مشاعرك , عليك أن تكون قادرا على إيصالها لهم أولاً , ثم تستقبل أحاسيسهم المتدفقة إليك منهم ,
    لكنني و بما أنيّ أفتقد القدرة على ذلك ... فالأمر يبدو مستحيلاً .
    في غرفته يجلس وحده حواري ينهي فروضه المدرسيّة و يجتهد في واجب الرياضيات , أضاء لون أزرق في سوار أبيض عريض لبسه في ساعده الأيمن .
    وقف ليتجه نحو جهاز لإرسال واستقبال الرسائل , قرأ الرسالة التي وصلته من والدته " حبيبي حواري , هل أنهيت فروضك ؟ , دع فرض الرياضيات حتى أعود لأرى كيف تنجزه , و ابدأ بامتحان العلوم الطبيعية , لقد اتصلت على المعلمة " بلسم " وهي سعيدة بالذي تنجزه ...
    اضطرب حينما قرأ اسم المعلمة , أكمل بعد ذلك اليسير الذي تبقى , وهو المعتاد في رسالة أمه اليومية " لا تنسى الاستحمام , الغداء سنتناوله حينما يعود ثابو - كنية ثابت – فهو سيتأخر قليلاً , لكن اطعم " زورو " , أحبك عزيزي ... ماما ."
    نظر حواري إلى القط الأبيض صاحب الرقعتين السوداوين على كلتا عينيه , كان يموء داخلا خارجا من بين قدميه , ابتسم له ثم حرك يده باشارة كوّر فيها أصابعه و قال بصعوبة : " تـ ... تـ .. ريـ .. د ط ... ا... "
    ضاع صوته في حلقه و لم يستطع الاكمال , توجه نحو باب غرفته فعاد اللون الأزرق يضيء مجدداً ,رجع للجهاز ثانية للجهاز , ليقرأ الرسالة الجديدة .
    " اترك فرض الرياضيات فأنت لا تعرف كيف تحله و حدك , حينما تبدأ في الامتحان اقرأ الدرس الأول من الوحدة الأولى بعناية لأن الدرسين التاليين يعتمدان عليه , إن لم تفهمه دعه و انتقل للدرس الرابع , انظر لأسئلة نهاية الوحدة من وقت لآخر , حسناً للآن , سأكمل لاحقاً وداعاً حبيبي "
    أعاد قرائتها ثانية , ثم انخفض ليحمل القط كبير الحجم بين ذراعيه , خرج من الغرفة نحو المطبخ و أخذ يفتح الأدراج باحثا عن طعام " زورو " بعد أن وضعه على الأرض .
    أشار للقط بيديه بإشارات جعلته يكف عن اللحاق به و اكتفى بالقرقرة الهادئة بالقرب من وعاء طعامه .
    عاد حواري لغرفته و أرسل برسالة لأمه , فجاءه الرد سريعا , " تذكرت ... أسفة حبيبي إنه في الأدراج العليا , لن تقدر الوصول له فلا تحاول , قل لجوين عندما تأتي أن تقوم بذلك , لا تحاول الوصول له لوحدك عزيزي فهذا صعب عليك أخبر جوين فحسب , اتفقنا ؟ , سأحاول الرجوع مبكرا قدر الإمكان لنكمل الدراسة معا , ابقى في غرفتك و ابدأ الدراسة على الامتحان الآن , وداعا "
    زمَّ شفتيه بضجر , و عاد للقط الذي وقف من استلقائه و كأنه يخبره أنه مستعد للغداء .
    رمقه حواري بحزن و طرق له بكفيه بأسف , قال وهو ينحني نحوه و يمرر أصابعه في فروه الكثيف اللامع : " لـ ... لا .. ط ... طـا ...م "
    تنفس بعدها بعمق و كأنه قام بمحهود كبير ,أراد العودة لغرفته ليبدأ الدراسة على الإمتحان غير أنه أحسَّ حركة في الخارج فأقترب من النافذة الواسعة . رفع الستارة الناعمة البنفسجية ذات الطبقة المخرَّمة التي تعلوها لينظر لباحة المنزل الكبير المجاور لهم .
    كان أطفال جيرانهم يلعبون بدراجاتهم الصغيرة كثيرة الألوان, كان يسمع أصواتاً باهتةً لصراخهم و صخبهم و ضحكهم , ظل يراقبهم طويلاً و عيناه لا تكاد ترمشان من فرط استمتاعه , شعر برجّة السوار على يده فانتبه له , كان هذه المرة ضوء أخضر اللون , اتجه مسرعا للباب , و فتح شاشة الاستقبال الصغيرة المثبتة على جانبه فرأى وجه جوين مبتسماً له , فاليوم هو دوام للصفوف الثانوية فقط , أشارت له بيديها مرحبة , فأسرع و فتح الباب لها و علامات السعادة تغطي وجهه الصغير بالكامل .
    دخلت وقبلته بعد أن أغلقت الباب من خلفها , قالت مترجمة بيديها : " لم يعد ثابت بعد ؟ "
    هز لها برأسه نافيا , ثم حرّك لها يديه طويلاً فقالت بعد أن انتهى : " سيتأخر !! " أكملت بانزعاج تحدث نفسها : " اللئيم , قال بأنه سيخرجني لشراء الملابس اليوم بعد المدرسة , سأريه ."
    ضحك حواري على شكل وجهها , ففركت رأسه مداعبة
    - عَلام تضحك أيها الشقي ؟ أين زورو ؟
    قالتها مستفسرة بيديها , فأشار لها بسبابته نحو فمه , ثم حرّكها يمينا و شمالا , يعني بذلك أنه لم يطعمه .
    - آآآآه , أسفة حبيبي , لقد رفعت علبة طعامه البارحة عالياً , سأنزله الآن , المسكين زورو !!
    أنهت كلامها , ثم أنزلت يديها التي تكلمت عنها على شعره الأسود المدرّج تداعبه , ذهبت بعدها لتحضر طعام القط , وقبل هذا كله ترسل بالرسالة المعتادة اليومية لوالدتها .
    ابتسم حواري لها , مشى قليلاً ثم عاد نحو النافذة , فلم يجد أحداً .
    * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
    " يقول الكفيف لصديقه , أترى عيناك ما أشعر به ؟ "
    - ليلة اكتمال الذئب , النص الفائز بجائزة ناجي نعمان للعام 2008-

    " و جلسنا حنباً إلى جنب , كانت صادقة كما كانت أبداً , جميلة وطيبة , و حاولت أن أشكرها على كل ما صنعته في الماضي من أجلي , وقلت لها في النهاية : - و الآن يا أجنس , أخبريني عن نفسك . "
    " و خيّل إليّ أني أسمع صوت عمتي و هي تعتب عليّ قائلة : - أوه يا تروت ... أنت أعمى ... أعمى ... أعمى ! "
    - من رواية دافيد كوبرفيلد , تشارلز ديكنز -
    * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
    - 2 -
    - ألن تعودي للمنزل , لقد طالت غيبتك عليهم ؟!
    كانت إليغانت تقول لأمها ذلك و هي تشابك الخيوط الفضيّة في مقدمة ردائها الأخضر الداكن .
    أكملت و قد أنهت ما كانت تقوم به , وبدأت تلبس في كفيها قفازات جميلة من الشبك الناعم , وقد خيطت وردة فضيّة صغيرة على جانب كل منهما :
    - أنا بخير لوحدي , ثم ألا تخافين من ترك والدي كل هذه المدّة ؟! , حتى لو كنتِ بريطانية الأصل , فلا تعتقدي أن ذلك سيثنيه عن البحث عن مرأة أخرى .
    أجابتها والدتها و هي تطل من باب المطبخ ضاحكة و كأن إليغانت نبهتها لشيء ممتع :
    - أودّ حقأً أن أراها , سيكون ذلك مشوِّقا , أليس كذلك ؟!
    رمقتها إليغانت بنظرة من نوع " آآآه لو كنت أمتلك نصف برود أعصابك !! " , قالت و كأنها تذكرت أمراً مهما :
    - اليوم ربما سأتأخر قليلا .
    - أهناك من شيء ؟
    - مقابلة مع رئيسة فرع التصميم لدينا , لقد أعتذرت أكثر من مرة , وحقيقة لا أعلم السبب وراء إصرارها المزعج هذا .
    - ربما ستنالين ترقية ؟
    - لا أظن ولا أريد , لقد تنازلت عن الترقية الرسميّة ثلاث مرات , و أفهمتهم أنني أريد البقاء كما أنا , لا أعتقد أنها ...
    - أحقا فعلت ذلك .. ؟
    قالت والدتها ذلك و هي تقترب منها و تنفض يديها المبتلتين من أثر غسيل الأواني , ثم تابعت بتعجب :
    - لِم إليغانت ؟ لِم رفضتِ الترقية حبيبتي ؟
    كانت إليغانت قد انتهت تماما من تجهيز نفسها , قالت بصوت مجروح : - لا أعلم ... ربما لأنني أخشى أن أنظر نحو السماء فأجدها قاتمة شديدة السواد .
    نظرت للمرآة مرة أخيرة , ثم أخذت حقيبتها الشبيهة بقفازيها , و أسرعت نحو الباب مدارية عينيها الغارقتين ... في الوحدة .
    أمسكت يد أمها إطار الباب بتهالك و حسرة , ثم قالت و هي ترمي برأسها عليها :
    - أسفة إليغانت , أسفة يا صغيرتي الغالية .
    * * * * * * * * * * * * * * * * * *
    " أن كنتِ برعماً ... أرجوك أن لا تزهري , فحينما تزهر الوردة الجميلة ... سرعان ما تقطف !! "
    - من ملاحظات جوالي , تاريخ غير محدد -
    * * * * * * * * * * * * * * * * * *
    - 3 -
    قبل السفر , تصبح هناك , و فجأة , ملايين التجهيزات و الأمور التي يجب إنجازها , كان إيوان يفكر بهذا و هو ينهي التوقيع على بعض الأوراق , ويرتب أخريات في ملفات يعنونها بخطه اللاتيني المرتب و الذي إن دل على شيء فهو يدل على كمية الكتابات التي كتبها فيه .
    رفع رأسه ليلتقط بضعاً من الأنفاس و شرب قليلا من الماء برويّة , لقد زادت أعماله كثيرا بعد أن استلم إدارة المشفى , حتى أحسَّ أنه يعمل خمس و عشرون ساعة في اليوم , كان أكثر ما يثير استياءه هو التصاق العمل به حتى حينما يذهب لزيارة جود , فتبدأ تلك الاتصالات بالظهور من حين لآخر , حتى فكَّر جديّاً بترك هاتفه ورائه , لكنَّ ذلك سيكون تصرفاً بالغ السوء خاصة من طبيب , لا يعلم متى قد يحتاجه أحد مرضاه .
    أنهى كمية كبيرة من أعماله , كان يريد النهوض حين سمع طرقاً على الباب , عاد ليجلس ثانية رافعا حاجبه الأيسر :
    - نعم أدخل .
    فُتح الباب و دخل منه شاب يرتدي زيّ الأطباء الأبيض , قال و هو ينظر لكمية الملفات على مكتب إيوان :
    -أعمال كثيرة ها ؟! لقد كانت هبة من الله حين استلمتَ إدارة المشفى أيها الطبيب إيوان , لقد كان المشفى يواجه خطر الإغلاق بالفعل , نحن جميعا ممتنون لك و نتطلع بفخر لإدارتك الرشيدة له , و لنا .
    - لا تبدأ بتضخيم الأمور الآن , تعلم أنكم أفضل طاقم يمكنني الحصول عليه , كل ما في الأمر هو أنه كانت هنالك بعض الأخطاء , و قد ساعدني الله على الوصول لحلها , المشفى كان بخير فكلكم هنا تعملون بجد لإنجاحه .
    ابتسم الشاب فرحاً بهذا الإطراء , اقترب من إيوان وقال باحثاً بعينيه أرجاء المكتب :
    - هل هناك ما يمكنني أن أساعد به ؟ , أعلم أنني لا أشكل هذا المجهود الكبير مقارنة مع ما تقوم به , و لكن ...
    - بلى يوجد , في الحقيقة يوجد شيء مهم لا يستطيع عمله سواك أحد – أخرج أحد الملفات من درج مكتبه و تابع و هو ينقب فيه – هناك بعض من البيانات الناقصة في هذه الحالة المرضية , سمعت بأن لك قدرة حوارية تساعدك على أخذ المعلومات من بعض المرضى المعاندين
    فرك الشاب رأسه بخجل و قال : حسناً , ربما أنا أبذل مجهوداً في هذا الأمر
    - ممتاز , - قدّم الملف للشاب الذي استلمه منه و أخذ يتفحص فيه , ثم أكمل بصوت مشجع – هذه القدرة لا تكون عند كل الأطباء , و أنا حقاً أغبطك عليها لأنني بصراحة عديم النفع في هذه الأمور , أنت مكسب مهم للمشفى أيها الطبيب أديب .
    رفع أديب عينين ممتنتين لإيوان و قال بصوت أكثر امتناناً :
    - أشكرك سيدي , أنت تظل دائماً ترفع من معنوياتي , إنك حقاً إنسان يكسب حب الأخرين بكل سهولة .
    قام إيوان من كرسيه , ثم قال وهو يتجه للنافذة القريبة منه و يحدق في شيء ليس أمامه :
    - لا أظن ذلك , لا أظن أنني أستطيع ذلك في الحقيقة ...
    لم يعرف أديب معنى هذا الصوت الحزين الذي قال به إيوان كلامه الأخير .

    بعد ذلك بزمن كان إيوان يقود سيارته نحو شقته الواقعة في أرقى الأحياء السكنية في المنطقة , و هو ما يُعرف بـ " حي الأطباء " ... لأن أغلبية ساكنيه هم من الأطباء !!
    توقف أمام شقته المستقلّة و ترجَّل من سيارته الحديثة آخذا معه مغلّفاً ورقيّاً كانت فيه أوراق بحثه الأخير , كان يهم بفتح باب الشقة حين رنّ هاتفه , أخرجه و ردّ وهو يعالج بيده الأخرى أزرار لوحة صغيرة قرب الباب الزجاجي المدعّم و يُدخِل عبرها أرقاما عديدة .
    - مرحباً سيدي , هل من خدمة أقدمها ؟
    أجابه الصوت المعروك بالخبرة و العمل الطويل :
    - مرحباً إيوان , لا أدري كيف سأقولها لك ؟ أعلم أنه ليس من حقنا و لكن ...
    بدا مرتبكاً فأدركه إيوان بأسلوبٍ هادئ :
    - ما الأمر سيدي ؟ قل ما لديك و لا تتردد أبدا , كلّي أذان صاغية لما ستقول , وثق بأنني أتفهم وجهات نظرك دائماً .
    - هذا ما يعجبني فيك يا إيوان , إنك شاب متفهم لغيرك وتترك لهم دائماً مساحة للنقاش رغم أنك كثيرا ما تكون تعرف , و ربما أكثر , كل الذي عندهم . حقيقة الأمر هو ... لقد أصبح يوم سفرك بعد غد .
    رغم الضيق الشديد الذي شعر به إيوان إلا أنه قال و بتمهل يمليه عليه إحترامه العميق للرجل الذي يحدثه :
    - هذا فحسب , لا عليك سيدي سأخذ احتياطي .
    - إنك الأفضل دائماً بني , إنك فخر لكل من يعرفك وعون كبير , حسناً أرتح أنت في هذين اليومين و أنا سأكلف من يقوم بعملك في المشفى .
    - لكن ...
    - ليس من لكن , أنا لا أحب أن أزيد الأعباء على رجل كعقاب على جدارته , أنت تعلم ما يقولون " لو كان صاحبك عسل , لا تأكله كله " .
    ضحك إيوان و قال :
    - أتعني أنني دبق كالعسل ؟
    - بل أنت أدبق , ضحك كثيرا ثم تابع , ارتح فلا أريد أن تقوم بأفعال غريبة في المؤتمر جرّاء التعب , سيكون ذلك محرجاً .
    - بدأت تخيفني سيدي , أتمنى أن أكون عند حسن ظنك و إلا فأنا أعرف ما ستكون عاقبة أمري .
    - ارتح أنت و سيكون كل شيء بخير ما يرام .
    - حسناً سيدي , بأمرك أنا .
    - و الآن , وداعاً .
    - بحفظ الله .
    أرجع إيوان هاتفه لجيبه , و دخل باب شقته الذي كان قد فُتح منذ زمن , أغلقه خلفه و فتح قفل باب شقته الدّاخلي ليدخل منه , ألقى بالمفاتيح و المغلَّف على الأريكة الكبيرة التي اتخذت شكل وردة Lotus متفتحة و بيضاء بقاعدة خضراء فاتحة اللون .
    توقف قليلاً عن المشي و كأنه يميز أمراً ما في رأسه , أخرج هاتفه الآخر و تردد كثيرا قبل أن يلمس الشاشة بإصبعه – في الحقيقة كان الهاتف كله عبارة عن شاشة كبيرة - , ضغط عليها مرتين لتظهر له الرسالة التي تظهر عند محاولة الاتصال برقم معين .
    وضع الهاتف قرب أذنه منتظراً الرد , و بيده الأخرى أخذ يفك ربطة عنقة ذات الألوان العديدة المتدرجة من اللون الأسود .
    - نعم .
    فاجأه الرّد السريع فقال مرتبكاً :
    - مرحباً جود .
    - ماذا هناك ؟
    لقد أصبحت أشد اقتضاباً معه منذ ذلك اليوم , و في المرات القليلة التي ذهب إليها بعد تلك المرة التي تحدثت فيها عن ثابت , أحس بالجو المتكهرب المشحون , السيدة رند لم تظهر أبداً , و جود لم تكن معه في الحقيقة , كانت فقط تجلس عنده , تقرأ في أحد كتبها الكبيرة , أو تدرس على حاسبها المحمول , بالمختصر كان يجلس مكتفياً بمتابعة تصرفاتها و كل ما تقوم به , دون ان ينبس أحدهم ببنت شفة , لم تفتح معه أمر الذي حدث ذلك اليوم , و لم يحاول هو الاستزادة فيه , كان يريد طيَّ هذه الصفحة فحسب , و أن يزول هذا العبوس المؤلم عن وجه جود .
    كان حينما يذكر ذلك , يذكر ما حصل بينه و بين ثابت , يعلم جيداً أنه قال الكثير دون أن يستوضح من ثابت شيئاً , و هذا خطأ فادح , لكنه لا يستطيع الأخذ و الرّد في أمر يخص جود , أراد فقط أن ينهي الأمر ... و بأي شكل .
    قال مستدركاً بعد لحظاتٍ من السهو :
    - هل يمكن أن آتـ ...
    - عندي غداً مناقشة مهمة و أريد الاستعداد جيداً , لا أريد أن يزعجني شيء .
    - بعد غد سأسافر ...
    قالها ثم سكت هنيهة ليفسح لها المجال أن تفكر قليلا فيما قال , كانت جود على الطرف الآخر تحدق في أرجاء الحديقة , التي كانت تدرس فيها أوقات الفراغات بين المحاضرات , أرجعت رأسها , المنكب على الكتب أمامها , للخلف و تابعت دون اهتمام :
    - و إذاً ... ما الرابط العجيب في أن سفرك بعد غدٍ و في مجيئك اليوم ؟!
    - هل يبدو الأمر غامضاً لهذه الدرحة ؟
    - لن نصل إلى شيء عندما تجيبني بسؤال على سؤالي , فقط ضياع للوقت .
    - لِم لا تفهمين الأمر جود ؟ , أنـا ...
    - لا تقل أنك ستشتاق لي , فهو عذر مستهلك .
    - و ما أنت صانعة إن كان الأمر هكذا ؟
    قالها بصوت عالٍ , فردت بتمهل و كأنها تحاول جاهدة الحفاظ على الهدوء في صوتها :
    - ألا يوجد أحد تتسلى معه عند ضجرك سواي ؟
    - أتسلَّى ؟ ما هذا ؟ أنا آتي إليكِ لأتسلّى من ضجر !! , كيف وصلت لهذه النتيجة ؟
    - فسِّر لي الأمر إذاً ... فأنا ما عدت أفهم شيئاً .
    - جود أنـا ...
    لم يعلم كيف سيقولها , أمسك رأسه بقوة و قال يرجوها :
    - لا تفكري بأشياء كهذه أبداً جود , أنا حينما آتي لأراك يـ ..
    قاطعته و كأنه يتكلم عن أتفه الأمور في الحياة :
    - ماذا صنعت معه ؟
    لم يفهم فتابعت كمن يحدث طفلاً , كلمة كلمة :
    - ماذا ... صنعت ... مع ... ثابت ... لأجلي ؟
    لم يعرف ماذا يقول , بل لم يعرف كيف أتت بهذه السيرة في هكذا حديث , و لِم هي مهتمة كثيراً بهذا الأمر ؟ , غموض ... غموض ... غموض , هذا ما تعطيه إياه جود ولا شيء سواه
    - و ما الذي تتوقعين مني أن أفعل ؟
    - تنهي صداقتك معه .
    - فعلت
    - حقاً ... ؟
    قالتها بصوت لم يسمعه منها أبداً , صوت تملؤه السعادة , تلك السعادة التي لشدتها تظهر في الصوت , قالتها و كأنه أخبرها بأكثر الأشياء إسعاداً على الإطلاق , ابتسم دون أن يشعر , فهي - على كل حال - الوحيدة التي تملك أن تغير أحاسيسه و مشاعره و جوَّه في ثوانٍ لا أكثر .
    - أنا مستعد لأن أتخلى عن الجميع لأجلك جود .
    - حقاً ... ؟
    ذات الكلمة نعم , لكن النبرة اختلفت تماما , كانت لهجة مختبرة , متشككة , لم تبطأ عليه فتابعت :
    - إذاً , ما الوقت الذي يناسبك ؟
    - تعنين أن آتي اليوم ؟
    - و هل عندك تفسير آخر ؟ , أنا لن أسألك مثلا ما الوقت الذي يناسبك كي لا تأتي .
    ضحك و قال و هو ينظر لوجهه في المرآة التي و قف أمامها الآن :
    - أمممم ... الخامسة ؟!
    - الخامسة و النصف !!
    - اتفقنا , لن أتأخر
    - أعلم , أعلم
    سكت كلاهما فقالت جود منهية المكالمة :
    - و الآن ...
    - جود أنا ...
    - وداعاً .
    إنها معه , تبدأ الأمور و تنهيها متى ما شاءت , نعم فهي جود , إنها وحدها من تملك مقاليد حزنه و فرحه , جنونه و سكينته , سعادته و شقائه , و هو ... مستعد تماما أن يتقبلها هكذا ... كما هي .
    أغلق الهاتف , و ذهب ليستحم و يستعد للقائها .
    * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
    نون الهوان من الهوى مسروقة ...
    فإذا هويت فقد كسبت هوانا ....
    و إذا هويت فقد تملَّكك الهوى ...
    فاخضع لحبك , كائناً ما كانا ... " إضافة الألف للضرورة الشعرية "
    * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
    اخر تعديل كان بواسطة » Simon Adams في يوم » 02-09-2012 عند الساعة » 22:20

  18. #37
    تنظر في الشاشة المضيئة أمامها باهتمام بالغ , تلتفت حولها كل حين لتتأكد أن لا أحد يراقبها , رغم أنها في غرفة لا يدخل لها أحد إلا بإذنها , جفلت بشدة حين رنَّ هاتفها فسحبته بيد مرتعشة و كأنه عقرب أو ثعبان .
    رفعت تودد الهاتف لأذنها بعدما فتحت الاتصال , فجاءها ذلك الصوت المشؤوم :
    - ما الأمر لِم تبطئين الرد ؟
    - اعتذر , لم أسمع .
    - متى ستأتين ؟
    - حواري غداً عنده امتحان و أنـــا ...
    - عنده ماذا ؟ لم أعرفك ... منذ متـ ...
    قالت مقاطعة بصوت مهزوز :
    - لقد تكلمت عن هذا سابقاً , اسمحي لي أرجوكِ .
    - أحتاج المال ...
    - سأبعث لكِ به
    - عشرة الآلآف .
    - حسناً .
    أغلق الطرف الآخر الاتصال , هكذا حتى دون أي كلمة أخرى ينهي بها , ظلت تحدق في الهاتف بعينين محمرتين غاضبتين , و حينما أظلمت شاشته و ظهر وجهها عليها , أحست كم أن الزمن يمضي مسرعاً بالنسبة إليها , و أحست بدوار شنيع يتملكها .
    لكنها أخفت كل ذلك عندما طرق الباب , و لم تنسى أن تغلق الشيء الذي كانت تعمل عليه في حاسبها المحمول .
    * ** *** **** ***** ****** ******* ********
    " الماضي ليس مجرد كأس ماء نشربه وانتهى ... "
    ******** ******* ****** ***** **** *** ** *
    - 5 -
    في مكان ملىء بالمتدربين ذوو اللباس الأبيض و الأحزمة متعددة الألوان , كان ثابت يتهيأ للتباري مع أحد المعلمين ضخام البنية , قاما بتحية بعضهم , و ما أن انقض المعلم الضخم على ثابت حتى قام بدوره بتقيد كلتا يديه للخلف بحركتين لا غير , حاول الرجل الفكاك غير أن صوته علا بعد ذلك حين علم أن لا جدوى من المحاولة :
    - آآه , يكفي يا ثابت , إنه مؤلم حقاً
    أسرع ثابت و حرّره ثم قال معتذراً بأدب جمٍّ:
    - أعتذر معلمي , سامحني لم أكن أعلم , اعتقدتُ أن حركة كهذه لن تؤلمك .
    - و ما أصنع أنا إن كنت تسابق الريح في إتقانك للمهارات ؟ , أصبحت أخشاك يا رجل !! .
    ابتسم ثابت و قال و هو ينظر لساعته :
    - ستجعل مني مغروراً يوما ما بلا ريب , أعلم أنك تفعل هذا لتكسبني الثقة فحسب .
    - حسناً هذا التفسير من مصلحتي فلن أعترض , هل ستغادر الآن ؟
    - آه عذراً , هل أبدو مستعجلاً ؟ , هناك بعض الأعمال عليّ انجازها .
    قال المعلم و هو يحك ذقنه :- امممم أعمــــــــال ... بدأت أفكر في نوع هذه الأعمــ ...
    - معلم , ليس ثانية ...
    ضحك المعلم من لهجة ثابت المعاتبة , ثم قال و هو يذهب من أمامه :
    - حسناً حسناً , لكن ألا ترى معي أنك يجب أن تبدأ البحث سريعاً ؟, فأنت في السادسة و العشرين و الـ
    - وداعاً .
    قالها ثابت آملا أن ينهي هذا الحوار الذي لا يفتأ معلمه طرحه كلّما رأه , دخل غرفة تبديل الملابس و فتح إحدى الخزانات وجعل ينظر لنفسه في المرآة و هو يمسح شعره بالمنشفة الملتفّة على عنقه .
    لا يعلم لِمَ يشعر أن مسألة الزواج بالنسبة إليه مسألة بعيدة جداً وغير مطروحة تماماً , هل لأنه لم يجد الفتاة المناسبة بعد ؟ , أم لأنه لا يستطيع تخيل نفسه في أسرة أخرى غير أسرته الآن ؟ , أم لأن ...
    سحب المنشفة و رمى بها على أحد الكراسي القريبة , ثم أخذ ملابسه ليستعد للمغادرة .
    عندما كان يريد الخروج من صالة التدريب جاءه اتصال , نظر لشاشة هاتفه المحمول فرأى أنه من البيت , أسرع بالإجابة حينها
    - ماذا هناك ؟
    كانت جوين هي من تحدثت : - هل يمكن أن أتصل بك يوماً دون أن تفزع و كأنني نهايتك و هي تتصل بك ؟
    ضحك ثابت على أخته و قال و هو يحاول أن يكون مقنعا :
    - صدقيني لما فزعت لو كانت هي , أمّا أنت ...
    - يالجرأتك ثابت !! , أنت تمازحني و كأن لا شيء حصل ! .
    - و ما الذي حصل ؟
    قالت بغضب و جنون واضحين :
    - مالذي حـ ... أيها الـ ...
    و أغلقت الهاتف بعد ذلك بقدر لا بأس به من الغِل
    - جوين ... جوين يا حمقاء ... - أكمل في نفسه - ,حسنٌ , لا تحاول أبدً أن تَعِدَ فتاة بالخروج للسوق و تحنث , ستكون نهايتك .
    أعاد الهاتف إلى جيبه و هو يشعر بالأسى على جوين المسكينة , و علم أنها ستخاصمه مدة لا بأس بها , فجعل يفكر في كيفية إرضائها و هو يركب سيارته و يشغلها .
    بعد دقائق كان أمام مبنى كبير بُنِيَ على شكل " بكرة " خيوط كبيرة , ركن السيّارة في المكان المخصص , ومشى من أمامها و هو يضغط على زر الأمان في مدالية عُلق فيها مفتاح سيارته .
    دخل المبنى و اتجه إلى الفتاة التي جلست خلف مكتب الاستقبال
    - عذراً لديّ موعد لاستلام قطعة .
    كان ينظر للأسفل و هو يمد لها بوصل دوّن عليه رقم القطعة , والمبلغ المتبقي للدفع , أحسّ أن الفتاة أبطأت عليه فنظر نحوها متسائلاً , كانت تحدق فيه دون أن يُغلق جفناها لثانية واحدة وابتسامة بلهاء ظهرت على وجهها, أزعجه ذلك فطرق لها بخاتمه الفضي على الطاولة الزجاجيّة , فانتبهت , قالت و هي تحاول أن تخرج صوتاً ظريفاً :
    - أي خدمة ســ ... سيدي .
    مدَّ لها الوصل بنفاذ صبر و قال : إنه من الأنسة إكلير .
    - إيه ... آآآآه ... إكلير .
    قال بصوت منزعج و غاضب هذه المرة :
    - هل سترسلينه لها أم أذهب لشأني ؟
    - ماذا هناك ؟
    أطلَّت إكلير من أحد الغرف , نظرت لثابت ثم للفتاة مفتوحة الفم ثم لثابت غير فاهمة ما يحصل , تقدمت منه و أخذت الوصل حينما رأت أن الفتاة لا ترسل و لا تستقبل كشبكات الاتصالات هذه الأيام .
    نظرت فيه لثوان , ثم قالت حين تذكرت و هي ترفع بصرها لثابت :
    - آآه نعم أنت الذي أردت ذلك التصميم ... آآه نعم نعم تذكرت – عادت لتقرأ اسمه من الوصل – السيد ثابت ... نعم
    ابتسمت و قالت و هي تشير لأحد الغرف دائرية الباب :
    - من هنا لوسمحت
    - أشكركِ .
    قالها و هو يرمق الفتاة الأخرى , صاحبة الفم المفتوح , بطرف عينه ... باشمئزاز .
    دخل الغرفة الواسعة خلف الفتاة , فبادرته الحديث مقلِّبة بيديها بعض القطع المعلقة في خزانة الملابس التي صممت على شكل مسرح عرض :
    - عذراً على ما فعلته زين , إنها جديدة , اعذرها فهي صغيرة – أكملت في سرِّها – و أنتم أيضاً تتأنقون أكثر من اللازم .
    و يبدو أن كلام النفس عندها ينطق , فقد قال ثابت لها مستفسراً عن هذا الكلام الخفيض :
    - هل قلتِ شيئاً ؟
    التفتت إليه مبتسمة و تابعت و هي تخرج قطعة من بين القطع :
    - لقد وجدتها .
    رفع ثابت حاجبه بغيرما رضاً عن الإجابة ثم قال :
    - هل يعني ذلك أنها انتهت هذه المرة فعليَّاً ؟ .
    فردت إكلير القطعة أمامها , حكت رأسها و هي تقلبها و كأنها لا تعلم من أين تبدأ
    - لم تنجز , أليس كذلك ؟
    رفعت عينيها نحوه خجلة , و قالت بعد مذة :
    - ليس الأمر أننا لم ننجزها , لكن أخشى أن طلبك مستحيل التلبية .
    - و لِم هذا ؟
    مسكت طرفاً من أطراف القميص رماديّ اللون و قالت و كأنها تستخدمه للشرح :
    - انظر لنوع هذا القماش , إنه ثقيل جداً ليتحمل ياقة مزدوجةً و مبطّنة , آسفة سيد ثابت , لكن ...
    - لأن نوع القماش لا يتحمّل ؟
    - صدقني إن التصميم الذي طلبته لا ينفع على هذا النوع من القماش .
    - ما هو الذي لا ينفع على هذا النوع من القماش ؟
    التفت الاثنان لمصدر الصوت , أمَّا إكلير فقالت :
    - آه إليغانت , إنّ السيد ثابت يريد ياقة مزدوجة و مبطنة , لكنني أرى أن هذا القماش ثقيل و لن تستطيع الألة أن تمر في المرّة الثانية , ستبأ بتمزيقه بدل خياطته .
    مشت إليغانت نحوهم , و عندما وقفت جعلت تنظر للشاب الواقف أمامها طويلاً , أطول من اللازم , و كأنها تقوم بقراءة أبعاده , التفت ثابت نحوها حينما طال سكوتها , فقالت تخاطب إكلير دون أن تهتم بنظرة الانزعاج على وجهه القسيم :
    - ما هو القياس t ؟
    فتشت إكلير في القياسات المدوّنة على " الباترون " الذي أمامها ثم قالت و هي تجعّد ما بين حجبيها الرفيعين :
    - لم أسجله !!
    - و كيف تعملين دون قياس مهم مثله ؟
    قالت ذلك و كأن إكلير قامت بشيء فظيع و عكس مجرى الحياة الطبيعية , سحبت متر القياس من أحد الرفوف و قالت موجّهة كلامها لثابت :
    - هل يمكنني أخذ قياس صغير ؟
    قال ثابت بصوته القوي الهادر , مما أكسب عينيه الجادتين بريقاً رجوليَّاً لافتاً :
    - المرّة الماضية , كان يوجد رجل .
    فهمت إليغانت أنه لا يودّ من امرأة أن تأخذ قياسه , فقالت مبتسمة و هي تدفع له بمتر القياس على الطاولة أمامه :
    - المسافة بين الكتفين من أصول الرقبة , تابعت و هي تدّعي الأسف و الحسرة في صوتها , أيسر ليس موجوداً هنا اليوم .
    قصدت بذلك الرجل الذي يعمل في قسمها .
    نظر ثابت باستخفاف إلى متر القياس الموضوع قربه , و قال و هو يلتفت إلى إكلير :
    - عندما يأتي السيد أيسر هل من الممكن أن تتصلي بي .
    هزت إكلير رأسها له غير فاهمة معنى الحوار القصير الذي دار أمامها , فحيّاها ثم خرج , دون أن يلتفت حتى إلى إليغانت .
    ظلت إليغانت تراقبه و هو يخرج بعينين ممحصتين , و عندما ذهب تماماً من أمامها , فتحت عينيها باستغراب تشوبه ... الحماسة , تلك التي تظهرعلى محياها حينما تصادف تصميماً فريداً أو قياسات معينة تعجبها .
    قالت و هي تتقدم من إكلير و تسحب الـ " باترون " من يدها :
    - رائع ... رائع , شيءٌ رائع ... و أخيراً...
    سحبت قلماً غصنيّ الهيئة من جيب ردائها مثلثي الشكل – الجيب طبعاً لا الرداء - , ثم أخذت تكتب على الـ " باترون " قليلاً من الأرقام , بل وصححت بعض المكتوب منها , تابعت بنشوة و هي تغلقه :
    - لقد قابلته أخيراً ...
    تطلعت إكلير دون أن تفهم ما الذي تعنيه , ثم صاحت و كأنها علمت سرَّ الكون الدفين :
    - آآآه إليغانت , أتعنين أنك ... هو ... أنه هو ...الـ ...
    - هو الـماذا أيتها السعيدة بعقلها ؟ , هل كان ذكاؤك منذ الولادة , أم أن حوادث الدهر هي من أنتجته ؟
    أكملت إليغانت و هي تأخذ القطعة و تتفحصها بعينين متقدتين حماسة و كأن ما بيدها أحد الآثار النادرة , أو الكنوز الغالية :
    - زبوني الأسوء يا عزيزتي ... زبوني الأسوء , فلن تستطيع مصممة الأزياء أن تصل للكمال , قبل أن تقابل زبونها الأسوء .
    لفت القطعة على ذراعها بخفة , و استدارت عائدة إلى غرفة تصميمها الخاصّة بعد أن أخذت الـ " باترون " الخاص بالقطعة معها .
    تابعتها إكلير بعينين مدهوشتين بالكامل , ثم قالت في سرّها – بصوت مسموع بالتأكيد - :
    - يجب أنا أيضاً أن أبحث عن زبوني الأسو...
    قاطعها صوت إليغانت التي أطلت عليها من الباب مبتسمة بطريقة لم ترها إكلير من قبل :
    - ما الذي أراده مجدداً ... السيد ثابت ؟!!
    * ** *** ***** ******* ***********
    " تولد السعادة من حب الغير ...
    و يولد الشقاء من حب الذات ... "
    - من حكم العرب -
    * ** *** ***** ******* ***********
    - 6 -
    كان قد وصل إلى البيت , ذلك البيت الذي أصبح يشتاقه ويفتقده ولا يشعر بالراحة في سواه , ليس لشيء إلّا لأنها هي من تسكن فيه , أحيانا تتصرف نفس الإنسان بطريقة حتى هو نفسه ينتقدها بشدة , لكن في نفوس البشر... يختفي المنطق تماماً .
    طرق الباب فسمع صوتها العزيز :
    - أهذا أنت إيوان ؟
    آآآه لو تعلم عن الذي تصنعه حين تناديه باسمه , عندما تقوله , يحس أنه شيء آخر , غير ذلك الشيء الذي ينطقه الآخرون , غيره بالكليّة .
    - نعم جود , إنه أنا .
    فتحت له الباب , و أفسحت له المجال للدخول, كانت ترتدي ثوباً كتانيّا طويلاً و تضع و شاحا صوفيّاً جميل النسج فوقه, و كان كلاهما باللون الأسود الحالك . دخل مغلقاً الباب خلفه ونزع معطفه الذي تبلل من قطرات خفيفة سقطت من السماء , بحث عن مكان ليعلقه فأشارت إليه مادّة يدها نحوه .
    - هاته .
    كان صوتها خافتاً و شديد الإرهاق هذه المرة , أعطاها المعطف , فأخذته على مهل و مشت نحو أحد العلّاقات الحجريّة الثقيلة المنقوشة بعناية , علقت المعطف عليها بهدوء و رويّة , ثم التفتت إلى إيوان مشيرة له بالدخول , دخل من خلفها و الاستغراب يحيط به من كل جانب , هل هي متعبة من الدراسة ؟ , هل عليها أعمال كثيرة ؟ , هل هي ... مريضة ؟ راعته الفكرة الأخيرة و زادت من خشيته على جود .
    - أين خالتي ؟
    حاول بذلك أن يجعلها تتكلم فحسب , أجابته و هي تغلق إحدى الستائر الذهبية كثيرة الطبقات وصوتها لا يكاد يصله :
    - إنها نائمة .
    - هل هي متعبة ؟
    - لا أعلم .
    أنهت ما بيدها و نزلت من على الأريكة التي كانت قد أعتلتها لتستطيع الوصول للستارة .
    - سأحضر الشاي .
    - ما الأمر جود ؟
    التفتت نحوه ببطء و قالت بشفتين مثقلتين :
    - أيُّ أمر ؟
    - لست بخير أبداً , فما الأمر ؟ , إن كان وجودي مزعجاً جداً بالنسبة لك و يتعبك إلى هذا الحد , فسأغادر .
    نظزت في عينيه مباشرةً ومطوّلاً , فأحس بارتباك عظيم , قالت و هي تقترب منه :
    - هل هما هكذا دائما ؟
    لم يفهم ما الذي عنته , بل لم يكن يستطيع الفهم أو الإدراك في الأصل لحظتها, تراجع خطوتين لاإراديّاً و قال بصوت مبعثر :
    - ما هـ ... هما ؟
    - عيناك !! , هل هما سوداوين جداً هكذا دائما ؟
    - وهل تتغير ألوان العيون في العادة ؟
    قالها لسانه بأمر من عقله الباطن , إذ إن عقله الظاهر أخذ إجازة في الوقت الحاليّ .
    ابتسمت , ثم ما لبثت أن تحولت ابتسامتها إلى ضحكة قوية و سعيدة , نظرت إليه بعد أن انتهت , بعينيها المتعبتين وأردفت :
    - ألا تريد الجلوس ؟
    - مابك جود ؟ هل تريدين إصابتي بالعته و الجنون ؟
    - أجل , أريد ذلك , هل ستغضب ؟
    - ليتني أستطيع ذلك , ما الأمر جـود ؟ هل أنتِ متعبة ؟
    - سأظل متعبة دائماً و أنا معك .
    وجهها لم يكن معه , و عيونها الآن و كأنها لا تراه , صوتها الضائع في كل زوايا الغرفة كان يريد أن يصل لأحد آخر , عادت لتقول بذات النبرة التائهة :
    - سأظل متعبة طالما أنني معك , أنت تقتلني في الواقع .
    لم يعد أي شيء , الآن , واضحاً بالنسبة له بتاتاً , هل هو من تعنيه بكلامها الواهن هذا ؟ هل هو من يقتلها و هي معه ؟ لا , لا يمكن أن يكون ذلك صحيحاً , فهو آخر شخص في العالم , و حتى أبعد من ذلك , يمكن أن يضمر لها تعباً أو سوءاً .
    عاد لينظر لوجهها البائس فقالت له و هي تجلس على أحد الأرائك الوثيرة :
    - هل تتمنى لو أنك لم تعرفني ؟
    الآن لم تعد له القدرة على التحمل أبداً , لِم تقول أشياءَ كهذه ؟ , إنها تميته بالتدريج .
    جثا على ركبتيه أمامها و قال ينفي بشدة و لوعة :
    - مستحيل !!, كيف يمكنني أن أتمنى سخفاً كهذا ؟ , جــود أقسم لكِ ... أقسم لكِ أنني أتحسر على الأيام التي قضيتها دون أن أكون معك , عندما – انقطع صوته قليلا لفرط انفعاله ثم تابع بسرعة بعد إذ عاد ثانية – عندما أذكر اليوم الذي قبلتي خطبتي لك فيه , سعادة لامحدودة تغمرني , جود أنا ... أنا ...
    - لن تتركني أبداً .
    - سأموت إن فعلت , سأموت إن ابتعدتِ عني ...
    - و الأخرين ...؟
    قالتها مستفسرة فقال و هو يغرق في عالم عينيها : - ما بالهم ؟
    - هل ستموت لو تتركهم ؟
    ظلَّ ينظر إليها فأكملت بصوت حانٍ :
    - إذاً , هل ستتركهم لأجلي ؟
    - هل سيسعدكِ ذلك ؟
    ظلَّ ينظر لعينيها , وهي كذلك , بعدها هزت رأسها بالإيجاب فقال :
    - سأفعل , سأفعل كل ما يسعدك .
    أغمضت عينيها لحظة , و حين عادت و فتحهما , نظرت له متحدية لتقول بصوت باهت : " هل تقدر على ذلك ... هل تقدر أن تفعل ذلك حقاً ؟ ... إيوان , هل تقدر أن تهجر الجميع لأجلي ؟ "
    - نعم , قالها دونما تردد .
    - غير صحيح ...
    - شاهديني فحسب .
    - و لِم تفعل ذلك ؟
    - لأنني لن أتوانى لحظة واحدة عن فعل مايسعدكِ ... عـزيـ...
    سكت فقالت له بهدوء : - قُلها ...
    ارتجفت شفتاه , و كأنما ثلجٌ هبط عليهما , حين قال :
    - عزيزتي ... غاليتي ... و روحي التي بها أعيش ...
    - إذاً , سنرى ...
    استقامت من أمامه و مشت قائلة :
    - سأحضر الشاي .
    لم يكن الآن يهتم لأمر تركه للأخرين أو عدمه , كل ما كان يفكر فيه ... صوت جود الذي عاد لفراغه من جديد .
    كانت تهمس في نفسها و هي تخرج من عنده و كمٌّ كبير من الحقد في عينيها : " سأعلِّمك مفاهيم الحياة الحقيقة , أعدك . "
    *****************************************
    قصاصة ورق قديمة و ممزقة الأطراف كتب عليها بخط سيء :
    " أن نبقى معاً , هذا ما تعنيه الحياة بالنسبة لي . "
    ****************************************

  19. #38
    - 7 -
    قرب باب المدرسة , في المكان المخصص لإنتظار العربات , كان حواري يقف منتظراً وصول أمه لأخذه . رغم أنه في نفس مدرسة جوين إلّا أنه لا يسمح حتى لها بأن ترافقه للمنزل , الجميع يذكر ذلك اليوم التي تذاكت فيه جوين و عادت به مخالفة أمر والدتها التي لا يعلم أحد تفسيره , كيف أن تودد أصبحت في مزاج غريب فجأة, كانت غاضبة في وقتها , غاضبة جداً , كيف صرخت عليها و أنَّبتها بعنف , كيف بقيت مدَّة طويلة لا تكلمها . لذا , و بعد تلك الحادثة التزم الجميع بهذا القانون للأبد .
    كان يقف محدقاً بانسجام تام في الأطفال من حوله , كيف أنهم يتمازحون , و يتحدثون و يضحكون , كان يرقب السعادة على وجوههم عن كثب , و كأنه يخزنها في عقله حتى لا تُنسى , و حين يشعر أن أحدهم انتبه إليه , يعاود بسرعة النظر للأسف و التحديق في قدميه .
    أحسَّ بضربة خفيفة على كتفه فالتفت خلفه , كان أحد الطلاب اللذين يدرسون معه , ابتسم لحواري و أشار له مودعاً , ردَّ حواري الابتسامة و لوّح له طويلا مبدياً سعادة كبيرة . تخطاه الفتى قليلا ليلتقي بواحد أخر فقال له الأخير و هو يرمق حواري بنظرات مستخفّة :
    - ماذا ؟ هل ترافقه ؟
    ضحك الفتى ساخراً و قال و هو يمط شفتيه تقززاً :
    - مع من ؟ لا تكن أحمقاً , أفعل هذا من أجل تقييم الخُلق , إن عليه علامات كثيـ ...
    - ألا تخجل من تصرفك المشين ؟
    رفع الولد بصره متفاجأً و مذعوراً نحو المعلمة طويلة القامة الواقفة أمامه , قال و قد تلّون وجهه بمئة لون :
    - الـ ... المعلمة بلسم ...!!
    كانت تلك هي المعلمة المسؤولة عن فصل حواري , عقدت يديها أمامها بغضب و استهجان ثم قالت و في عينيها اشمئزاز عميق :
    - اذهبا الآن من وجهي , أمّا عقابكما فسأناقشه غداً مع والديكما .
    كان أحدهماً يريد الكلام
    - أغربا عن وجهي فوراً ...
    كان صوتها المخيف قد أثناهما عن أي فكرة بخصوص الكلام , طأطأ رأسيهما و غادرا و الخجل يكسوهما و يفيض .
    ظلت ترمقهما حتى اختفيا تماماً , تنهدت بحرن محركة رأسها يمنة و شمالاً و عدلت غطاء رأسها الأبيض ذي التضليعات السوداء و الوردية و الذهبية , ثم سارت بعد ذلك إلى أن وصلت للمكان الذي وقف فيه حواري , لم ينتبه لقدومها فربتت على كتفه برّقة , التفت مسرعاً نحوها , و ما إن رأها حتى صُبغ خدّاه بالأحمر .
    لم تقل شيئاً لبرهة , وهو لم يفعل , كانت تنظر في وجهه البريء و تمعن النظر , و في رأسها احتشدت ملايين الصور و الكلمات .
    أخيراً استطاعت النجاة من موج الأفكار الصاخب في رأسها .
    - هل تنتظر أحداً ؟
    قالتها و هي تحرك يديها بالإشارات المناسبة , هزَّ رأسه إيجاباً . بعد قليل من الصمت المتردد قالت مترجمة بيديها : " هل تذهب معي لمكان ؟ "
    كان حواري ينظر للجهة الأخرى وقت صمتها , لكنه عاد لينظر لوجهها عندما قالت ما قالته أخراً , نظر لها و علامات الاستغراب بادية على محياه الجميل .
    أشار لها واضعاً كفه المفرودة بشكل طوليٍّ قرب فمه , ثم حرَّك سبابته يميناً وشمالاً يقصد من ذلك أن أمه لا تسمح بهذا .
    ابتسمت بحنان و اعجاب , ثم رفعت يدها اليمنى للأعلى على جبينها فيما يشبه التحية العسكريَّة , ثم مدَّتها للأمام وهي تطوي جميع أصابعها للداخل عدا الإبهام الذي أبقته مفروداً للأعلى
    - فتىً صالح .
    قالتها مبديةً إعجابها على صنيعه و خُلقه .
    ابتسم كردٍّ على إطرائها . قبض كفّه اليمنى و فرد اليسرى فوقها , ثم أشار بها خلف ظهره , وعاد ليقبض كلتا كفيّه معاً واضعاً اليسرى فوق اليمنى , فقالت له :
    - أمك سترجعك للمنزل بعد أن تنتهي من العمل ؟! حسناً , يبدو أن حجتك قوية !!
    عادت مرَّة ثانية لتحدق في عينيه الهادئتين , ربتت على كتفه في النهاية ثم مسحت على رأسه بلطفٍ و حبٍ شديدين , هذا قبل أن تستدير ملوّحة له بذراعها ... و تودعه .
    ظلّ حواري مدّة طويلة يتابعها , حتى بعد أن غابت عن ناظريه تماماً , كان قلبه يخفق بقوة عندما تكون أمامه , ابتسامتها العذبة هي الشيء الوحيد الذي يحب المدرسة لأجله , لأنه يعلم أنها هي الشيء الوحيد الحقيقي , و كل الأشياء الأخرى ... زائفة .
    ** ** ** ** ** ** ** ** ** ** ** ** ** ** **
    " كان الشلال لايزال قويّاً ينحدر بجنون فوق رأسي ...
    لِمَ أحس أنني مازلت في العاشرة من عمري ؟ و أنني خلف تلك الجدران أرتعش ... و أبكي ... و يموت بكائي بشهقات أكتمها في حنجرتي ...
    لِمَ ابتلع الصمتُ المكانَ من حولي فلم يبقى إلّا قوة الشلال تضعف يدايّ عن التأشير لدائرة التصويب ؟
    ... كنت أبكي بقوة ... و تذوب دموعي في مياه الشلَّال ... "
    من روايتي الثانية : " عنان "
    *** *** *** *** *** *** *** *** ***
    - 8 -
    الّلوح الممتلء عن آخره بالمعادلات , و القلم الذي ينقر فوقه بخفّة , و التثاؤب الذي أصبح ينتشر و كأنه مرضٌ معدٍ , لم يوقف كل ذلك سوى الصوت الإلكتروني الذي أعلن عن نهاية اليوم الدراسيّ .
    وضعت معلمة الرّياضيّات القلم على حرف اللوح , ثم مضت تجمع أشياءها المنثورة على الطاولة .
    وقفت جوين بعد أن أنهت كتابة الذي على اللوح على دفترها , نفضت يدها اليمنى بإرهاق , ثم أخذت تلملم أشياءها و ترتبهم داخل حقيبتها المدرسيّة .
    ودّعت حبور و أسرعت الذهاب لموقف الحافلات متوسط البعد عن المدرسة .
    الوقت في أواخر ساعات العصر حين تبدأ السماء بلبس ثوبها الأحمر الدافيء ,و الصقيع الذي يغطي جوانبَ الشوارع النظيفة حديثة الإنشاء و قممً الجبال التي تحف المكان , و كأنما هو في ذلك وشاح شفيف رقيق يغطي وجه عذراء خجلة .
    شدّت جوين و شاحها الصوفي – الذي صنعته والدتها لها – حول فمها , و وضعت يديها المترجفتين - رغم القفازات الجلديّة التي ارتدها – في جيبيّ معطفها الكشميريّ الطويل .
    كانت تمشي برويّة , خافضة رأسها نحو الأرض تفكر في الأسبوع القادم و كيف أنه سيكون متخماّ بامتحانات المرحلة الأولى و أنشطة النادي الذي التحقت فيه عنوة.
    لم يخرجها من أفكارها تلك سوى رشقة الماء الباردة المختلطة بالجليد , و التي غطتها بالكامل في لحظة ,
    - آآآآآآآآآآآه .
    شهقت , و قد قيدت المفاجأة لسانها , و حجبت التفكير عن عقلها .
    توقفت السيّارة , التي بدا عليها أنها تتبع لإحدى الشركات بذلك الشعار المطبوع على جانبها , غير بعيد من جوين و ترجل منها شاب بثياب رسمية أنيقة , أسرع نحو جوين و الحياء مما فعل جلّيٌّ في وجهه النبيل .
    - يا إلهي !! ... ما الذي فعلته ؟! , حقاً أنا آسف , آسف جداً , لم أكن منتبهاً ... أنا آسف , اعذريني ...
    رفعت له جوين عينيين حارقتين , و ألقت عليه بنظرات لو نطقت لقالت " حقاً ؟ أنت آسف ؟ رائع أنك آسف , لقد أنتهت المشلكة تماما و ثيابي جفت من جديد !! ... هل أنت مختلٌ أيها الرجل ؟؟ "
    كان الشاب متوتراً جداً ويفرك يديه غير عالم بما يجب عليه فعله .
    - يامن !! مالذي تفعله عندك ؟
    صعقت جوين لسماعها ذلك الصوت هنا , الصوت الحفيفي الحادّ ذي النغمة المميزة , التفتت خلفها لترى رسيل تنظر إليها من الأعلى للأسفل , ثم من الأسفل للأعلى بنظرات متشفيّة و سعيدة على مظهرها المبتل عن آخره .
    أطلقت ضحكة منتشية و قالت مشيرة بيدها لجوين :
    - بالضبط , أنت الآن خرقاء بالكامل , هنيئاً .
    أولاً : لم رسيل تنادي هذا الشاب باسمه ؟
    ثانياً : لم هي هنا أصلاً ؟
    ثالثاً : هل نعتتني – هي بالتحديد – للتو بالخرقاء بالكامل
    رابعاً : هل هنأتني على ذلك أيضاً ؟
    كان هذا يجول في بال جوين و هي تنقل عينيها بين الشاب و رسيل , حسناً يبدو أن المفاجأة الحقيقة لم تكن في ذلك كله ... ذاك أن رسيل مشت لجهة الشاب و قالت له محاولة الوصول لكتفه البعيد عنها و التربيت عليها :
    - أحسنت , أحسنت يا أخي .
    مرحباً ... أخوها , الآن تشعر جوين أنها بلهاء تماماً , بل تشعر أن لا رأس لها من الأساس , لِم يجب عليها أن تشتبك مع هذه العائلة بهذا الكم و النوع , و في هذه المدة القصيرة , و بهذه التفاصيل المريعة ؟
    عادت رسيل لجوين و قالت و هي تسحبها من ذراعها : - هيّا الآن ...
    أفلتت جوين ذراعها بعصبية صارخة : أين تسحبينني يا فتاة ؟ من سمح لك بأن تلمسيني من الأساس ؟
    - هل سئمت الحياة لهذه الدرجة ؟
    - ماذا ؟
    - إن بقيت هكذا مبللة في مثل هذا الجو , فسنقدم نحن بدورنا التعازي لعائلتك في الغد .
    نظرت جوين لنفسها , كانت المياه حقاً تغطيها من أكتافها إلى أخمص قدميها , و أصبحت تلقائياً ترتجف بقوة . ألقت على الشاب الخافض الرأس نظرة كره بصفته المسؤول رقم واحد بما حلَّ بها , أحسَّ بذلك فازداد إحمرار وجهه خجلاً .
    أمسكت رسيل بيدها ثانية و قالت موضحة عرضها :
    - منزلي قريب جداً منه هنا , إنه على رأس هذا المنعطف , تعالي لأعطيك ملابس جافّة بما أن أخي المتهور هو السبب وراء النكبة التي حلّت بك – أكملت مشددّة على البقية – لا لشيء آخر .
    سحبت جوين يدها من الفتاة ثانية بتردد
    - أمي ... لا تسمح .
    - أعلم , و ربما كذلك ستغضب لكن هل ستكون أسعد إن متِ اليوم ؟ , اتصلي بها و أخبريها ...
    - ليس معي هاتف
    - نحن سنتصل معها إذاً
    كان هذا يامن و قد سحب هاتفه الجوّال من جيبه
    - لا أعلم رقم هاتفها لأننا نتصل معها من المنزل على هاتف عملها .
    قال يامن و كأنه وجد حلاً : - أين تعمل إذاً ؟
    - في شركة ... و لا أعلم اسمها إن كنت تفكر بالسؤال .
    أحسّت جوين أن البرودة الآن تنخر عظامها , انتبه يامن لارتجافها فأسرع نحو سيارته و عاد بمعطفه , أراد أن يعطيه إياها لكنها ابتعدت رافضة
    - أرجوك
    كان صوته يمتلء بالشعور بالذنب , و الحيرة فيما يمكنه فعله , أشفقت عليه حينما قال مؤنباً نفسه بشدة :
    - اعتذر حقاً لأنني وضعتك في هكذا موقف , دعيني أوصلك أنت و رسيل للمنزل , أرجوك ستصابين بالمرض إن بقيت مبللة هكذا , إنه ذنب كبير لا أستطيع تحمله , أرجوك يا أنسة , أعلم أن هذا ربما يكون غير لائق , لكن قولي لي أي شيء يمكنني فعله لإصلاح هذا الخطأ الفظيع ...
    " لِمَ هو مؤدب لهذه الدرجة ؟! ثم ما بال كلمة ذنب هذه ؟! و كأنه قتل أحدهم !! " عبرت هذه الكلمة رأس جوين فضحكت حين تذكرت رسيل و مرض الأدب الجم المزمن الذي تعاني منه , هل يمكن أن يكون الأخوة أضاداً لهذه الدرجة ؟
    عبرت جسدها رعشة قاسية , حسناً لم يبق في الأمر مزاح أو مزايدة , ستموت حقاً لو لم تتدفأ الآن و بسرعة , نظرت نحو رسيل و قالت تخاطبها بلا حيلة :
    - هل هو قريبٌ جداً ؟
    هزت رسيل رأسها مؤكدة , فتابعت جوين :
    - إذاً خذيني إلى هناك لو سـ ...
    خلعت رسيل معطفها و لفته حول جوين ثم ألتقطت يدها , حتى قبل أن تكمل , و قالت ملوحة ليامن وهي تجرّ جوين ورائها :
    - اتبعنا أنت , وداعاً .
    شعرت جوين أن دفئاً كبيراً سرى في جسدها ... دفئاً أكبر من دفء المعطف ذاته .
    و كما قالت رسيل بالضبط , خطوات كانت قليلة تفصلهم عن بيتها , تعجبت جوين , مع قربه , من تأخر رسيل عن الدوام كل يوم .
    قرعت رسيل الجرس فجاء صوت صغير و لطيف و مندفع بعد لحظات :
    - من أنت ؟
    - أنا رسيل , أيها الحريص على نفسه .
    - ما هي كلمة السرّ ؟
    - حسناً أزهر , أفتح الباب و لا تبدأ بالتذاكي , فالجو بارد جداً على موجات ذكائك العاتية .
    سمعت معالجة القفل , ثم فُتح الباب و أطل من ورائه طفلٌ زاه الوجه, بنيُّ الشعر و ناعمه .
    حدّق في جوين ببلاهة , فدفعته رسيل للخلف بلطف
    - حسناً سنرسلها لمعملك لاحقاً لتتأكد من أنها بشرية و ليست من الفضاء الخارجي لأن عيونها خضراء " بستاشيو " .
    أدخلت رسيل جوين و أغلقت الباب من خلفهما .
    تراجع الفتى للوراء و كان يريد الكلام فقالت رسيل مسرعة :
    - لا أزهر ... لا تفعل ذلك
    لكنه صرخ بقوة :
    - لقد أحضرت رسيل معها فتاة خضراء العيون , لقد أحضرت رسيــ ...
    غطت رسيل فمه بسرعة , لكنها أحست برَّجة تحت أقدامها فقالت بخوف :
    - حسناً ... نحن الآن في كارثة .
    لم تمض ثواني حتى توافد عدد كبير من البشر و اصطفوا حول جوين محدِّقين فيها بفضول فقالت بخوف :
    -

  20. #39

  21. #40
    مرحبا بالجميع مجدداً , أعتذر منكم نيابة عن الانترنت شبه المختل الذي يصلني , لقد انقطع في تنزيل أخر الفصل .... إليكم بقية الفصل الرَّابع , و أهلاً بك ريشة إبداع و حمداً لله على السلامة .
    تذكرة الدخول المعتادة : الدعاء الدعاء لأبطال الحرية بالثبات و النصر القريب ولشهداء الحق بالقبول في عليين , اللهم آمين آمين

    البقيَّة ...


الصفحة رقم 2 من 15 البدايةالبداية 123412 ... الأخيرةالأخيرة

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter