tunisia-tunisie-revolution


في الرابع عشر من شهر يناير/ جانفي 2011،أسقط الشعب التونسي نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن على، باعتباره نظاماً استبداديّاً تحول إلى حكمٍ «كليبتوقراطي» – أيّ نظام قائم على السرقة والفساد – مستنداً إلى سلطةٍ فرديّة قمعيّة. وقد تجسّد حكم بن علي في سيطرة عائلات مافياوية نهبت المجتمع التونسيّ ، أبرزها عائلة زوجته ليلي الطرابلسي.
كان المحرك الرئيس لهذه الثورة التونسية جيل الشباب الجامعي و المتعلم ، الذي يعتبر الأكثر ثقافة من سابقه، ويعيش أكثر في إطار عائلات نواة، وينجب أولاداً أقل، لكنه في الوقت نفسه عاطل عن العمل أو يعيش في وضع اجتماعي متدنٍّ. إنه جيل الشباب الأكثر اطّلاعاً، ويملك في معظم الأحيان إمكانية الولوج إلى وسائل الاتصالات الحديثة (شبكة الأنترنت)التي تتيح التواصل من فرد إلى آخر من طريق الشبكات من دون المرور بوساطة الأحزاب السياسية (المحظورة في مختلف الأحوال).

إنه جيل الشباب التعددّي ،المنتمي إلى شعبِ هو من الأكثر تعليماً والأرقى علمانيّةً في العالم العربيّ .ماميّز جيل شباب الثورة التونسية ، أنه جيل متحرر من قيود المدارس لأيديولوجية التي سادت في القرن العشرين ، فهو جيل جديد لا يهتم بالأيديولوجيا: فشعاراته كلها براغماتية وملموسة «إٍرحل». هذا الجيل من الشباب الذي فجّر الثورة تفوق في استخدام الأنترنت على نظيره في دول أكثر تقدماً من تونس ، على سبيل المثال، الأرجنتين وتركيا وتشيلي، حيث أن الانترنت تحول إلى سلاح المجتمع المدني التونسي في مواجهة الديكتاتورية البوليسية.

Tunisia-240-animated-flag-gifs[1]

لم تكن الثورة التونسية هذه ،ثورة إسلامية ،لأن شباب الثورة لم يستعينوا بالإسلام كما فعل أسلافهم في الجزائر في أواخر الثمانينات، ويعبّرون قبل كل شيء عن رفض الديكتاتورية البوليسية الفاسدة ويرفعون مطلب الديموقراطية. لا يعني هذا بالتأكيد أن كل الذين قاموا بالثورة هم علمانيون، بل يعني ببساطة أنهم لا يرون في الإسلام أيديولوجيا سياسية قادرة على خلق نظام أفضل: إنهم في مساحة سياسية علمانية. و ما ينطبق على الأيديولوجيا الإسلامية ، ينطبق أيضا على الأيديولوجيات الأخرى، فالثورة التونسيية لم تكن ثورة يسارية، و لا أيضا ثورة قومية ،رغم أن شباب الثورة هم قوميون (يظهر ذلك من خلال الأعلام الوطنية التي يلوّحون بها) لكنهم لا ينادون بالقومية العربية التي اختفت من الشعارات.

فالثورة التونسية هي بكل بساطة ثورة الحرية بالمعنى الدقيق للكلمة،و العدالة الاجتماعية، و المشاركة السياسية، وما ميّزها هو اختفاء نظريات المؤامرة: حيث أن الأنظمة العربية في تحليلها لأي حراك اجتماعي و سياسي تشير دائما إلى الدول الغربية وإسرائيل بأنهما السبب وراء مصائب العالم العربي. و هكذا حسم الشعب التونسي مسألة الحرية و العدالة و المشاركة السياسية ، من خلال إزاحة العوائق البنيوية المانعة للحرية ، التي تفتح له الباب أمامه لخوض المعركة الأخرى التي مدارها: بناء مؤسسات النظام الديمقراطي الجديد، و بالتالي الدولة الديمقراطية التعددية .

لقد قدمت الثورة التونسية نموذجاُ يحتذى به عربياً، لجهة أنها شكلت نهاية للخضوع والإذعان في صفوف المواطنين العرب العاديين، الذين ظلوا على خنوعهم على امتداد عقود من الزمن في مواجهة دول عربية تسلطية يدعمها الغرب، وأنظمة تقوم على أساس ديكتاتورية الأجهزة الأمنية والجيش. ‬إضافة إلى أن الثورة التونسية هي مرآة أفول النموذج الاقتصادي الريعي الذي ساد في العديد من الدول العربية، باعتباره نظاماً أنتج البطالة ، و ارتفاع الأسعار،و العجز في خلق وظائف جديدة، و ممارسة الإنكارعلى الشعوب العربية للحقوق الإنسانية الأساسية في التعبير وتمثيل أنفسهم بشكل صادق والمشاركة السياسية والمساءلة السياسية وإمكانية الوصول يشكل عادل إلى موارد الدولة والفرص التي تتيحها السوق الحرة.

%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%88%D8%B9%D8%B2%D9%8A%D8%B2%D9%8A
محمد البوعزيزي يضرم النار في نفسه