مشاهدة النتائج 1 الى 1 من 1

المواضيع: نقطة في الظلام

  1. #1

    مقال او خبر نقطة في الظلام

    (سأرجع....فلا بد من عودتي)اخر كلمات نطقها سعد قبل ان تنتقل روحه الى بارئها,
    بعد سبع طلقات متتالية اطلقتها قلوب حالكة السواد, اخترقت صدره ....احرقت قلبه ......انهت حياته.

    (لا بأس)قالت زوجتي.....(يرحمه الله)وانهارت بالبكاء فقد كان قريبا منها تعامله كاخ لها,اما انا فبقيت محدقا لبرهة غير مصدقا انه رحل, انه تركني لوحدي اواجه العالم بسواده, وظلامه, وقسوته......نظرة حقد ,اخرى ارتياح لانه لم يتعذب كثيرا فقدتشبث باحبال الحياة لبرهة حتى انقطعت .
    كان شعوري مبهما...... اغرورقت عيني بالدموع,كنت في حالة الصدمة,في حالة اللاوعي,أحسست بيد قاسية تعتصر فؤادي,
    تذكرت ما قاله لي عندما فقدت طفلي الاول
    عند ولادته,فبقيت تلك الجمله متشبثة بذهني:للاحياء ارض,وللاموات ارض,ولا يصل بينهما الا الحب.
    * * * * * *
    فقد كان يعز وطنه,وخاصة مدينته عكا,
    التي ترعرع فيها العقود الثلاث الاولى من حياته معزة خاصة,لم اتاثر بها,ولم احبها, مثلما احبها وعزها, وكانت الذكريات بحلاوتها ومرارتها تهاجمه دائما,وكان دائم التحدث عنها,وبالاخص معي انا اخاه الاصغر,فقد
    كان دائما يبدأجمله ب (هل تتذكر......؟),اما
    عندما يصل الى الذكريات المرّة المؤلمة,ذكريات الهجرة القسرية, عندها عيناه تتكلمان, وتقصان كل القصة بعينين مخضلتين بالدمع,فحلمه مثل احلام الاطفال البريئة ان يرجع اليها,ويهوي على ارضها في انفعال,يشم ثراها,يعانق اشجارها,ويضم لآلي
    حصاها.
    كان انساناً مفعماً بالانسانية, مساعداً للجميع,متعاطف....لَبِق.....يحترم الجميع بل إن الجميع يحترمه.
    اخذتُ أبكي في صمت دون ان اشعر بذلك , ويد من الغيب مدت كفها لتمسح عن جبيني الدموع.....دموع الحزن.......دموع الالم......دموع الحقد.....دموع.....دموع.....دموع.
    * * *
    اصبح صدى صوته تدور في مدارات ذهني الخيالية ....تقض مضجعي ليلة تلو ليلة,وكأن شبحه يطاردني .
    وبقي السؤال يلف ويدور في دوامة الغموض(ما ذنبه لان يقتل بهذه الطريقة؟؟؟).
    في كثير من الاحيان ألوم نفسي,فالذنب ذنبي,انا الذي شجعته على الذهاب الى تلك المسيرة,التي حاولت اختراق الحاجز لعل استطعنا ولو على الاقل زيارة عكا,اه على اه لا احد يستحق ان يلام غيري,لو لم أعطيه تلك الحقيبة التي كانت ممتلئة بالطعام,
    فحين تقدم سعد الى احد الجنود ليتحدث او بالاحرى ليتفاوض معهم,فظن انه يحمل متفجرات او قنبلة او ما شابه,وبالتالي الطلقات السبع.
    لن اسامح نفسي...........ولكن لمَ لم يتأكدوا من الحقيبة؟,لمَ عليهم ان يسارعوا بتفسير الامور كما يشاؤؤن؟فهم يجدون من القتل وسفك الدماء متعة,فأين الانسانية؟؟؟؟
    ومع الاسئلة التي اطرحها كل يوم على نفسي بلا جواب اصبحت الحياة عبئا لا تطاق, حتى انني افكر في كثير من الاحيان بالتخلص من هذه الحياة التي لا استحق ان اعيشها ,لكن يجب ان اعيشها لسعد, هكذا تقول لي زوجتي عندما تقدم لي وجبات الطعام في غرفتي, فانا مذ ان رحل سعد عن هذه الدنيا لم استطع مواجهة العالم, وكان يطغي علي الشعور بالعجز والذنب فحين آوي الى فراشي اسلم عيني للبكاء...... فابقى في غرفتي مكتئبا اطرح على نفسي اسئلة(ماذا لو..........؟).
    * * *
    تذكرت موعدي مع الطبيب, فقد كنت في الم مبرح منذ شهرين, وحتى الان.... واليوم نتيجة الفحوصات التي اجريتها, فارتديت ملابس الخروج لاول مرة منذ اسبوعين ,ودّعت زوجتي ورمقتها بنظرة حزن, ثم اغتصبتُ ابتسامة باهتة ليخفي الاكتئاب الذي يكسو وجهي, ثم قالت لي بصوت مطمئن(ان شاء الله خير),اكتفيت بهز راسي تعبيرا عن الموافقة وخرجتُ ,ساد السكون الشارع كله واحسست بان البعض يطالعني بنظرات تعجب واخرين بتهكم واخرين بحزن وقفت على طرف الشارع, و السماء تضاء ببرق خاطف,اعقبه رعد متقطع,واندفع هواء بارد عبر العيون الجامدة, فأحذت قطرات الماء تتساقط بايقاع منتظم كدقات الساعة , انتظرت سيارة اجرة لاقلها الى المستشفى, الذي كان يبعد عن القرية مسافة طويلة ,وانا واقف واسمع همسات تقولfrownشوف اخيرا طلع من داره)وهمسات اخرىfrownالله اعلم وين رايح؟؟)واخرىfrownاصلا الحق عليه لازم يتحمل المسؤولية).لفني صمت ثقيل, فلم اواجههم , فجل ما كانت تنطق به افواههم كان لا شك في صحته,فبقيت اسمع.....ارى.....اتألم.....لا اتكلم .
    اخيرا جاءت السيارة ركبت فيها, وقلت للسائق الى مستشفى المدينة هز رأسه, وانطلقنا
    كان السائق كثير الاسئلة, وكنت اجيب عن كل سؤال بسرعة, فأعطيته فكرة اني لست مهتما بالكلام, وعندما نظرت اليه رايت سعد فقلت متمتاfrown سعد ,سعد),فرد علي السائق وهو
    ينفث دخان سيجارته:ماذا؟؟؟؟؟
    فاجبت بسرعة بديهة:كنت افكر ان تستطيع ان تعطيني سيجارة.
    -بالطبع.تفضل
    اشعلتها واصبحت افكر بيني وبين نفسي:يا إلهي حتى السائق تخيلته انه سعد ماذا يحصل لي؟؟
    توقفنا عند اول حاجز(محصوم)وكان مكتظا بالسيارات سيارة تلو اخرى كان صفا غير منتهي فالواضح انهم اغلقوه فانتظرنا شبه ساعة ونيف.
    واثناء الانتظار, كان السائق يحدثني عن ابنه الذي استشهد في الانتفاضة الثانية, وهو سبعة اعوام, والدموع تنحدر من عينيه في صمت, حدثني عن مدى اشتياقه له وعن ذكرياته معه فضحك على الذكريات المضحكة وبكى مثل الاطفال عندما قص علي قصة استشهاده ,حاولت مواساته الا انه كان يحاول اخفاء الدموع ووجهه المحمر, ثم حاول تحويل الموضوع بسرعة, فسألني: وانت هل فقدت احدا من قبل؟؟؟؟؟؟
    لم انبس ببنت شفه ,وكأن الصمت وضع يده على فاهي, ولفني بثقله.
    اخيرا جاء دورنا ,اشار الجندي بسبابته لان نتقدم بالتكسي, فتقدم السائق قليلا اتجه جندي نحونا على الارجح لرؤية الهويات وما لبث ان اقترب الجندي من السيارة, حتى رايت السائق يمد يده من جيبه, وكل جسمه من جبينه حتى اخمص قدميه يتصبب عرقا, كنت اراقب بحثاثة ارميه بنظرات متفحصة ,ظننت انه سيخرج محرمة ليمسح عرق وجهه, ولكن الذي لم اتوقعه هو ان يخرج مسدسا, ويطلق النار على الجندي, حاولت الخروج قبل فوات الاوان ,لكن ابواب السيارة كانت لا تعمل من الداخل ,حاولت فتح الشبابيك في الخلف الا انه قد فات الاوان, فقد بدات طلقات هوجاء من هنا,ومن هناك ,وضعت يدي على راسي, واثنيت ركبي واخفضت نفسي ,احسست بان قلبي يكاد ان يثب خارج صدري.
    هذا اخر ما اتذكره حتى فتحت عيني, واذ بجنديين اثنين يزجوا بي الى السجن.
    اثار المكان اشمئزازي , الجثث تترك لتتحلل اياما واسابيعا وحتى اشهرا ,ذلك كان واضحا من رائحة الموت التي تعبق المكان, وتتسلل الى انفي,البناية التي وضعت فيها كانت قديمة ,رثة,عفنة,الجدران مشقوقة .
    صداع راسي يؤلمني جراء سماع الصراخ من الغرفة الموجودة بجانب الزنزانة التي كنت فيها فلا بد انها غرفة........
    وبعد ساعتين او ثلاث جاء جنديين فتحوا الزنزانة, وقيدوني مرة ثانية ومسك كل منهما ذراعي بعنف ثم جاء ثالث منهم لاحظت بيده عصابة فتقدم نحوي وربط العصابة حول عيني كنت ارتجف من الخوف , قلبي يدق بعنف احسست ببرودة كأنها برودة الموت تنفخ في وجهي فمصيري بايدي مراهقين لا يتجاوز الواحد منهم التاسعة عشر عاما يا للسخرية.........
    سحبوني كنت لا ادري شيئا ثم توقفنا فسمعت دقات خفيفة على باب خشبي ثم از الباب ازيزاورائحة الدخان تغطي الرائحة الكريهة التي تعبق من المكان.
    اجلسوني على كرسي وفك احد الجنود العصابة كنت ارى في البداية بشكل ضبابي ...يكاد الظلام يغشى عيني اردت فرك عيني الا ان يداي مقيدتين وراء ظهري اضافة الى الم معدتي المبرح الذي لم استطع احتمال اوجاعه كنت اعلم في صميمي باني اشكو من علة كنت احاول ان اقول لهم لكن كلما انفرجت شفتاي للتكلم رد علي صوتا يقول لي(اخرس.....ما تحكي الا بس نسالك)
    ثم اردف سائلا(شو كنت تعمل في التاكسي؟).
    اجبت فورا (كنت في طريقي لل.......)
    لكنه قاطعني قائلاfrownقلتلك تخرس ....شكلك حمار ما بتفهم متل كل العرب,قال شو! انتو كنتو اصحاب حضارة)
    واصبح يقهقه هو والذين معه,لم اجرؤ ان اتفوه بكلمة او حتى النظر اليهم ,وفجأة وقف الجميع تحية واحتراما للضابط العسكري الاعلى الذي دخل الغرفة على غرة فاخذ يطرح الاسئلة على الجندي الذي تكلم معي فاجاب بالعربية متعمدا لي ان اسمع frownلا.....بيرفض يحكي أي شي بنكر كل تهمة ...شكلو ما رح يتعاون معنا خلص نوديه للغرفة التانية من بعد اذنك طبعا).
    انفعلت واصبحت اصرخ مدافعا عن نفسي وانعته بانه كاذب ,فنظر الي نظرة حقد ثم قال بتهكمfrownانا كذاب هون خمسة جنود تشهد اني صادق).
    علمت عندئذ انني انتهيت فاما المرض سيقتلني او هم,وكنت في صميمي اتمنى ان يكون المرض فأردت ان اموت بكبرياء لا بذل.
    واصبحت تلك الكلمة التي يهابها الجميع تطن في اذني........الموت......حتى انني لم احظ بتوديع عائلتي ....زوجتي التي وقفت بجانبي عندما هبت المشاكل العائلية علينا كانت هناك بجانبي .....حاولت التفكير بذلك من النواحي الايجابية بانني سارى اخي.......
    ربطوا العصابة مرة أخرى ولم يكتفوا بذلك بل ان ذاك الجندي الكاذب خلع حذائة وجاربه ووضعه في فمي كنت أحاول إخراجه لكن بلا فائدة......كنت على وشك التقيؤ.
    جروني إلى غرفة أخرى دخلتها مع جندي واحد فك العصابة رأيت ما لا يرى ......لقد كانت غرفة التعذيب ......الدماء تلطخ الجدران كأنها أطليت حديثا بلون احمر ......صراخ تلو صراخ.
    ثم استطعت أخيرا إخراج الجورب القذر لقاء ذلك اجبرني على رؤية رجل وجندي آخر يقتلع أظافر يديه وهما يقولا لي طوال ذلك الوقتfrownما تخاف......هسة دورك).
    وبردة فعل طبيعية أغمي علي.
    * * *
    فتحت عيني فجأة,واستويت جالسا في فراشي,كانت ظلمة داكنة تشيع في جو الغرفة وترسم ظلالا باهتة على الجدران,اين أنا؟هل أنا في عالم الأموات؟
    أم في السجن؟
    أدرت عيني القلقتين في أرجاء الغرفة واستقرتا على السرير المجاور حيث كانت زوجتي متقوقعة تحت اللحاف لا يستبين منها سوى خصلات من شعرها الكالح.
    مددت يدي إلى نضد قائم بجانب السرير,أشعلت سيجارة ورحت انفث دخانها في غيظ مكبوت ,كان طعمها مرا في فمي وتاقت نفسي إلى رشف فنجان من القهوة ,التفتت إلى زوجتي فوجدتها ما زالت تغط في نومها العميق تشخر شخيرا متواصلا يعلو تارة وينخفض تارة أخرى.

    انزلقت عن السرير كمن يهرب من خواطر مضينة واتجهت إلى النافذة وفتحتها بحركة عصبية فتسللت أشعة الفجر إلى داخل الغرفة وعمرتها بنورها الدافىء كانت الشمس تتوهج عند الأفق كتلة ملتهبة من النار ,أثارت فيّ كل إحساس فالشمس كالمصباح الكبير ينير العالم ,ثم طرق الباب طرقات خفيفة اتجهت نحو الباب والطرقات تعلو شيئا فشيئا فتحته فركت عيني وإذ بسعد ,عانقته بقوة فقال وكانت تطل من عينيه نظرة متسائلة :ما بك؟
    -لا شيء .اشتقت لك يا أخي .
    -لقد رأيتني أمس أليس كذلك؟ على أي حال هيا لنذهب إلى الطبيب لنرى نتيجة فحوصاتك.
    قلت بتفاؤل:نعم سأرتدي ملابسي.
    -ما زلت تريد الذهاب إلى المسيرة؟
    -لا.....أرجوك لا.
    -حسنا.
    بقيت محدقا هنيهة ثم بان كل شيئا متضحا لقد كان كابوسا ,بدأت أفكر إن كنت استطعت الفرار من كابوسي فهناك آخرين لا مفر لهم من كوابيسهم الواقعية التي تطاردهم طالما كانوا على قيد الحياة ....
    اخر تعديل كان بواسطة » ملك الحزن في يوم » 01-09-2005 عند الساعة » 12:24
    0


  2. ...

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter