دُعيت صباح هذا اليوم لتغسيل ميت ، فلما وصلت قد وجدت بأنه قد سبقنا رجل آخر لهذا العمل ، فغسله وصلينا عليه صلاة الجنازة ، وبعد أن دفناه ، طلب مني أحد أهل الميت أن القي موعظة داخل المقبرة بعد دفن الميت فقد ألقيت الموعظة فقلت :
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم ، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم والحمد لله رب العالمين ، الحمد لله الذي جعل الموت والحياة اختبارا وابتلاء ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد واله وصحبه الهداة الأتقياء وبعد :
قبورنا تبنى وما تبنا يا ليتنا تبنا قبل ما تبنى
قبورنا تبنى = أي أنها قد بنيت ، فالحجارة وغيرها موجودة وجاهزة للبناء .
وما تبنا = أي قبل أن نتوب ونعود إلى الله عز وجل .
يا ليتنا تبنا = أي يا ليتنا نتوب ونعود إلى الله عز وجل .
قبل ما تبنى = أي قبل ما تبنى هذه القبور .
يا ترى كم تستغرق رحلة الإنسان من أول حياته إلى مماته ؟ ؟ ! ! ستون سنة ، سبعون سنة ، تسعون سنة ، فلا بد من نقطة النهاية ، لابد من الموت {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } لابد من الموت ، لا بد من نقطة النهاية ، ولكن معظم الناس غافلون أو متغافلون عن نقطة النهاية لأن الدنيا أصبحت هاجسهم الوحيد وهمهم الوحيد ، منا من جمع مال ، ومنا من حاز على متاع ، ومنا من نال الدرجات والرتب والنياشين ، ومنا من حقق الغايات والأهداف ، ومعظمنا غافل أو متغافل عن نقطة النهاية . هذا
المزني يدخل على الإمام الشافعي في مرضه الذي توفي فيه فقال له : كيف أصبحت يا أبا عبد الله ، فقال الشافعي : أصبحت من الدنيا راحلا , وللإخوان مفارقا , ولسوء عملي ملاقيا , ولكأس المنية شاربا , وعلى الله واردا , ولا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهينيها , أم إلى النار فأعزيها , ثم أنشد يقول :
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي *** جعلت رجائي نحو عفوك سلما .
تعاظمني ذنبي فلما قرنته *** بعفوك ربي كـان عفوك أعظما .
فما زلت ذا عفو عن الذنب *** لم تزل تجود وتعفو منة وتكرما .
)يا دنيا غرّي غيري قد طلقتك ثلاثا)
هكذا قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن الدنيا الفانية..

يابن آدم.. كن في الدنيا غريب أو كعابر سبيل ، ولاتكترث بما فيها من زينة فانية..
فقد مر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من جانب القبور فوقف ونادي على أهل القبور فقال : يا أهل القبور هل أخبركم بما حدث بعدكم ، أموالكم تقسمت ، ومساكنكم بيعت ، ونسائكم تزوجت ، فهل أنتم مخبرون بما عاينتم ؟ ثم قال لو أذن لهم بالجواب لقالوا : لقد وجدنا أن خير الزاد التقوى . ثم انشد يقول :
ولو إنا إذا مُتنا تُركنا .. لكان الموت راحة كل حي .
ولكن إذا مُتنا بُعثنا .. ونُسال بعدها عن كل شيء.
وقد وصف أمير المؤمنين الدنيا بأبيات لا يسع المجال إلا لذكر بعضها ، وهي عندما حضر رجل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وطلب منه أن يكتب له عقد بيع بيت ، فنظر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، بفصاحته ، بفصاحة المؤمن ( إن المؤمن يرى بنور الله تعالى ) إلى الرجل فوجد أن الدنيا متربعة على قلب هذا الرجل ، فأمسك بالقلم وكتب اشترى ميت من ميت بيتاً ، في سكة الغافلين ، في حارة المذنبين ، له أربعة حدود : الحد الأول يؤدي إلى الموت ، والحد الثاني يؤدي إلى القبر ، والحد الثالث يؤدي إلى البعث ، والحد الرابع يؤدي إما إلى الجنة وإما إلى النار ، فقال الرجل يا علي جئتك لتكتب لي عقد بيع بيت ، أما هذا فهو عقد بيع مقبرة ، فأنشد علي يقول :
النفس تبكي على الدنيا وقد علمت= أن السلامة فيها ترك ما فيها
لادار للمرء بعد الموت ِ يسكنها =إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخيرٍ طاب مسكنه=وإن بناها بشرٍّ خاب بانيها
أين الملوكُ التي كانت مسلّطةً =حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
أمولنا لذوي الميراث نجمعها =ودورنا لخراب الدهر نبنيها
كم من مدائن في الآفاق قد بُنيت=أمست خراباً وأمسى الموت أهليها
إن المكارم أخلاقٌ مطهّرةٌ =الدينُ أولها والعلم ثانيها
والعقل ثالثها والحِلم رابعها=والجود خامسها والفضل سادسها
والبِرّ سابعها والشكر ثامنها=والصبر تاسعها واللينُ باقيها
لا تركَنَنَّ الى الدنيا وما فيها=فالموت لا شك يفنينا ويفنيها
واعمل لدارٍ غداً رضوان خازنها=والجارُ أحمد والرحمن ناشيها
قصورها ذهبٌ والمسك طينتها=والزعفران حشيش نابتٌ فيها
فقال الرجل يا علي فقد وهبتها لله ورسوله .
وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم:
يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله . صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.