أتَى صباحٌ آخر من تلكَ الأيّام المظلمَة على قلبِ آيرون ..
وهوَ يرَى حفلَ زفافهِ يعدّ لَهُ مجدّداً .. وبات يقينه متأكداً انّه لا مخرجَ هذه المرّة !
لمْ يرى وجهَ اللصقة بيرناديت منذ ذلكَ اليوم ..
>> لـِ غاليتنآ Simon
هوَ نفسه لا يعلمْ لمَ تصرّفت بتلكَ الغرابة كمَا بدا له !
دخلَ برنارد يمشي باتزان نحوَ سيده الذي يجلس على كرسيّ المكتب ..
ويَدْفِنُ رَأْسَه بَينَ كِتَابٍ أحْمَرَ قَاتِمْ نُقِشَ بالأحْرُفْ الذّهَبِيّة عَلَى غِلافِه ..
رافعاً قدماه -بعضهَا فوقَ بعض- على المكتب الخشبيّ المصنوع من خشبِ أشجار جوردين ..
أجودِ أنواعِ الأخشاب في المملكة وأغلاهَا سعراً ..
أصبحَ برنارد محاذياً للمكتب "سيدي .. مولاي يريدكَ أنْ تتناوَل معه طعامَ الغداء برفقةِ السيّد والسيّدة مرليون"
أومأ آيرون برأسه دلالةً على فهمه .. وهوَ يحدّقُ بكتابه .. لم ينظر لـ برنارد حتّى !
ثمّ تحدّثَ برنارد مجدداً بشأن الثياب التي طلبها .. وفعلَ آي كما فعل سابقاً مجرّد إيماء ..
تنهدّ برنارد وهوَ يراه لا يبعدُ نظره عن الأحرف السَوْدَاء دَاخِلَ الصّفْحَة النّاصِعَةِ البَيَاض ..
فاستدار قاصداً الباب .. أمسكَ مقبض الباب ثمّ سمعه صوتهَ يتحدّثُ بوقار "برنارد! .. -ثمّ أنزل قدماه وَ وجهَ نظره له- هل تعرفُ أحدَهَم باسم داركنس ماجيك؟!"
حدّقَ برناد بعينه اللامعتين "أيعملُ لدينا"؟
أخذ آي يحاوُل التذكّر "لا أظنّ هذا .. ابحث لِي عن أيّ سائق يعمل تحتَ سيادة العائلات التي زارتنا وقتَ حفل زفافي السابق!
أريدُ ردّاً سريعاً منكَ بشأن هذا الأمر"!
أومأ برنارد برأسه مذعناً لطبه وهوَ يقولُ بنفسه "كلّ عائلات البلاد جاءت لتحيينا ذاكَ اليوم!
من أينَ يتوجّبُ عليّ البدء؟!"
●●●
"آن يتوجّبُ عليكِ الاعتذار لـ دارك"
لم تجبهَا بشيء فعادت والدتَها تكرر أمرهَا .. فجاءها صوتُ أنجليتا متذمّراً "ليسَ لكونِه خطيبَ أختي المستقلبيّ يتوجبّ عليّ
قبوله .. أنا لا أحبّ دارك أبداً!"
تدخلتْ بلوم بالأمر "إذاً اعتذري له كونه شقيق جوني"
نظرتْ لهَا آن بغيظ "لا أعلمُ ما الذي يعجبكِ بدراك!"
احمرّت وجنتا بلوم .. فقالت الأمّ حتّآ تتوقفَ آن عن إحراج بلوم "آن توقفي عن ذلك! .. بلو ليستْ مثلكِ
تتصرّفُ بتهوّر مَعَ من تحبّ! .. ثمّ لاتنسي أنّها في الثانِيَة بينما أنتِ لا تزالينَ في السادسةَ عشـ .. ـرة"!!
استغربت الأمّ ثيراً حينما رأت ابنتها أنجليتا غارقةً في الضحكّ فنظرت لـ بلوم محاولةً استفهامَ الأمر
فرأتها في أشدّ حالاتِ غضبهَا .. فسارت باتجاه الباب تضربُ الرض بقدمها ثمّ تحدّثت بصوتٍ مملوء بالغضب تعلنُ عن ذهابها ..
أخذتْ أنجليتا تمسحُ دموعهَا المنهمرة بسبب كثرةِ الضحك ..
فرأت والدتَهَا تنظرُ لهَا بخجل بعدَ أنْ علمت مافعلته بدونِ قصد !
فصاحت آن "سأذهبُ لأعتذرَ لحبيب بلو .. عزيزتي!"
أضافت الكلمة الأخيرة بلهجةٍ ساخرة ..
ثمّ انصرفت وهيَ غارقةٌ في الضحك .. بينما يدورُ في خلدِ الأم "اعذريني بلوم لم أقصِد إهانتكِ بنعتكِ بـ بلو!"
●●●
خرجَ جاكلين وعلامات الانتصار باديةً على شفتيه حتّى بدتْ أسنانه الصفراء ..
أثناء عبورهِ الدهليز .. كانَ بانتظاره قائد الحرس ..
نظرَ جاك بعينيه الضيقتيْن نحوَ شعرهِ الياقوتيّ باشمئزاز .. فأشار لهُ أن يتبعه ..
سارَ قائدُ الحرسُ خلفهُ بهدوءٍ شديد .. فلم يصلّ صوتُ وقعِ خطواته إلى مسامع جاكلين
وضعَ جاكلينَ يده الهرمةَ -التّي رسمتْ على عليها الحياة شتّى أنواعِ القسوة التّي تجسّد قلبه الأسود- على مقبضِ الباب ..
دلفَ جاكلين ومن تبعه إلى الداخل .. قوّسَ مستشار القصر مأبضيهِ ثمّ نصبَ ظهره على الأريكةِ الملاصقةِ للنافذة ..
بينمَا أغلقَ صاحبُ العينينِ الرماديتين الباب بهدوء -كالمعتاد-
فركَ جاك ذقنهُ التّي تحملُ بعضَ الشعيّرات تخللها البياض .. واضعاً يدهُ الحرّة بشكلِ قبضة فوقَ ركبته ..
اقتربَ منّه قائدُ الحرس حتّى أصبحَ على مقربةِ عدة أمتار ..
تحرّكتْ الشفاه -أسفلَ شَعْرِهِ الأحْمَرْ- معلنةً عن بدء الحديث"أسار كلّ شيء كَمَا تحبّ؟!"
تحدّثَ المستشار بلهجةٍ ساخرة "ليسَ كما أحبّ! .. اعلمْ أنّ لكَ دوراً هنا"
لمْ تظهر أيّ ملامح على وجهِ الجامد وهوَ يقول بصوتهِ الرنّان "احفظُ جيّداً دوري .. لقدْ أمرتُهمْ باعتقالِهَا"
ابتسمَ المستشار نصفَ ابتسامة وهوَ يحدّقُ بابنه "أحسنت! -استقامَ فجأة ووضعَ كفّه على منكبه الأيسر- لا تنسَى إيزومي! هدفنَا هوَ بلوم دانجر لا تخطئ وتجلب لِي غيّرَهَا!"
أومأ إيزومي برأسهِ ثمّ تابعتْ عيناه الواسعتان خطواتِ جاك المتغطرسَة وهوَ يسيرُ باتجاه الباب معناً عن انتهاء الحديث!
فخطَى قائدُ الحرس خطواتَهُ قاصداً الباب .. بعيناه الرمّاديتان التّي لا توحيَان بكلّ ما يدورُ في رأسهِ -لقدْ كانَ بارعاً في ملامحهِ الباردة- ..
●●●
توجّهَ بخطواتِهِ الرشّيقة معلناً عن الحريّة التّي اكتسبهَا منذُ لحظات ..
قبلَ دقائق وعلى طاولةِ الغداء ~
"مولايْ! تعلمُ شدّةَ تعلّقِ طفلَتِنَا الوحيدَة المدللةْ بابنِ سعادَتِكم! .. لقدْ كانتْ ترغبُ بيرناديت بالإفراجِ عنْ آيرون من الحِرَاسة إنْ لم يكن في هذا ..."
تحدّثَ السيّد مرليون باحترامٍ شديد .. قاطعَهُ السيّد جوناثان "بيري هيَ ابنَتُنا أيضاً!
لِذا -حاوَلَ رفعِ صوتِهِ قدرَ المستَطَاع- باسْمِي أنا حاكم مملكةِ أكلاستيل أعلنُ أنْ الأمير آيرون جوناثان جلادمبيو أكلاستيل وليّ العهد!
قدْ أفرجَ عنهُ من هذه اللحظة!"
ثمّ ابتسمَ ابتسامةً وديّةً قاصداً بِهَا وجهَ بيرناديتْ -الجالِسَةِ بجوَارِ آي- فرّدتْ بواحدةٍ مماثِلة !
●●●
التَقَيَا مُجدّداً فِي حَدِيقة القَصْرِ الوَاسِعَة لكِنّ هَذَا اللقَاء لَيْسَ كَسَابِقِه !
فَهُوَ مُدبّرٌ فِي الخَفَاء !
"إذاً أنْتَ سَائِقُ بِيرنَادِيتْ الخَاص؟!"
ابتَدأ آيرون حَدِيثَة بصوتٍ يَعْتَلِيه الصّدْمَة .. عَادَتْ مَلامِحُه للجُمود"خاطِبٌ وتَعْمَلُ عِنْدَ امرأة؟"
لمْ يَتَحَرّكْ دارك ومَلامِحُه الجادّة الصّارِمَة كَمَا هِيَ "ما المُشْكِلَة؟"
ارْتَبَكَ الأمِيرُ بَعْضَ الشّيْء ورمَشَ عِدّةَ مَرّات .. ثمّ تمتم "كَاَنّكَ رَجُلٌ لَعُوب! خاطِبٌ ويتَسَلّى عِنْد امرأة!"
بَلَعَ آي ريقَه آمِلاً أنْ تَكُونَ كَلِمَاتُه أدّت مَفْعُولَهَا !
ردّ دَارك بِسُرْعَة فَاجأت آيرون"ما الذّي يُرِيدُه سُمَوّهُ مِنّي؟"
كانَ دارك قد أخفضَ بَصَرَهُ للأرْض ومَلامِحُه كالجليد لا إشارَة فيهَا لشيْء !
لمْ يَعْرِفْ آي ما يَجِبُ قَوْلُه فَهُوَ لمْ يَعْلَمْ بمَا اخْتَلَجَ بِقَلْبِ داركنس .. فرَدّ بأوّل كلمات خطرتْ ببالِه "أوْصِلْ سَلامِي لبلومْ!
وتَعْرِفُ أيْنَ تَجِدُنِي إنْ طَرَأ شَيْء!"
ثمّ استدار ومَشَى مَشْيَة القِطّة المُعْتَادَة .. بَيْنَما شَعَرَ دارك بِـ أحْرِفُ ما بَيْن السّطُور ..
●●●
وَقَفَ بمُحَاذَاتِهَا ألْقَى نَظْرَةً خَاطِفَة عَلَى شَعْرِهَا اللهِبِيّ وهوَ يُلْقِي التّحِيّة ..
رَدّتْ التّحِيّة بِخَجَل وَأصَابعهَا تَتَشَابِكْ لاحْمِرَار وَجنَتَيْهَا ..
لاحَظَتْ أنّ دَارْك بَدَا غَرِيباً كَمَا بَدَا لَهَا آخر مَرّة ..
فَحَدّقَتْ بِمُقْلَتَيْه تَسْتَفْهِمُه "مَاذَا هُنَاك؟!"
-" أريدُ التّحَدّثَ مَعَكِ بِشأن ...!"
ارْتَبَكَ مِن تَحْدِقِهَا فَنَظَر للأرْضِ بِصُورَةٍ سَرِيعَة ورَمَشَ عِدّةَ مرّات واكْتَسَتْ وَجْنَتَيّه حُمْرَةً لَطيفَة ..
بَلَعَ رِيقَه ثمّ عَزَم أمْرَه عَلَى الإفْصَاح فَحَدّقَ بِهَا بِجِدّيّة "بِشَأنِ خُطْبَتِنَا! .. سأفْسِخُهَا"
التَمَعَتْ عَيْنَاها الدّكِنَتَان بفعل أشعّة الشّمس .. وأخذت ضربات قَلْبِهَا تتسَارَع !
وَ دَاركنس يُقْنِعُ نَفْسَه "أنَا لا أفْعَلُ هذَا لأجْلِ آيرُون!"
المفضلات