مدخل :
بستان أوردتي ما اكتفى بجداول الدّم المتدفّقة يريد مطرها ... زهور الشّرايين ما شبعت حسنًا تغار من ياسمينها ...أنهار الدّمع الصّارخة غزارة على أرض خديّ ما اكتفت قوّة تريد طاقة حبّها ... زرتها يومًا ثم أعرضت عنها وهي ترجو بقائي ... واخترت دونها غربةً علقميّة لا تحلّيها مزارع قصب الكوكب ... ــــــــــــــــــــــــــــ
والرّوح تلوذ فرارًا عند ذكر اسمها تخاف تعذيب الضّمير و الآلام ... فتبقى صامتةً تجرح نفسها لعلّها بذلك تنسى أو تتناسى .. أو لعلها تندب حظّها العاثر متحسّرة لما كان ...
والجسد ما أدراني عنه ... كتوم ظالم لا يرضى أن يقول ما به ولا يكتفي بمقاتلة نفسـه الظّالمة على ذاك الكتمان .. فأراه يصيح الأوجاع وأحسّه يصرخ الأمراض شوقًا لذلك المرج الفتّان ...والضّمير الذي كان بالأمس يصرخ أضحى اليوم أخرس عندما ذكرت أماه ، فلم يفتح فاه ...
يا ويلي ماذا فعلت لأحظى بقلب موجوع وروح تصيح و لا تدرك وجسد لا يصمت عن التّعذيب ؟
صرخت صرخةً لا تعلم لم خرجت ولكنّها استجابت وخضعت لحنجرتي ..
فأجابت الرّوح واجمةً ويحك ! ... أوتتمنّين منيّ الصّمت ؟!
حرمتني هوائي وركضت ... رجوتك لا تفعلي ... وطأتني واستمعت ... يداي هاتان ..يداي هاتان صافحتا حصباءها الحنون المتدفّئ على شمس حضارتها التي لا تغيب ... واحتضنتاه إلى صدريّ الجريح أفرز الحصى ترياق نعومته على الصّدر الذي صاح ابتهاجًا : وافرحتاه! أتاني الشّفاء بعد سنوات العلل ...
فجريت إليّ وضربتني على يدي فسقطت الحصّيات يغشاها دمعي ...
وعاد الصّدر إلى صمت الجرح الأليم ... أبعد كلّ هذا لا أصيح ؟..لا والله سأصيح ...لا والله سأصيح لعل الحصى يسمعني فيأتي إليّ ...أو لعلّها هي تسمعني فتردّ علي وتهز الكرة الأرضية ... حملتني مكرهة وغادرتي أرضها ... جعلتني يتيمة دونها ... أصيح هنا ... وقد كنت عندها سعيدة أرقص فرحًا وطربًا ...
أردف القلب ينوح : بها عانقت وردةً أحببتها وغار دمي من احمرار بتلاتها الخجلة من جمالها ... جوريّة لها أميل ... بادلتني العناق بسعادة وهي تشعر أن للسعادة رحيلًا ...
عانقتني بحرارة كأنّها إن فعلت ضمنت الخلود ..أو صعدت إلى الجنّة ... اختلط دمي بحمرتها ... فأضحى له شذىً يسـلب العقول بحياته وحيويّته ... جررتني من عليها فانهمكت وريّقاتها تناظرني بوداع .... ليتك ما جررتني ... فأنا هنا وحيد ودمّي فسد حزنًا ولا مجدّد له ...أبعد هذا كيف لا أصيح ؟ وكيف يكتفي بستان أوردتك بجداول دمّ ثلثه جافّ ونصفه فاسد وآخره يتحسّر على مطرها المنسكب كنسمة أمّ ...
وكيف لا تغار ورود شرايينك الذّابلة من ياسمينها المتفتّح جمالًا وحياةً ؟
أنهى الضّمير جلسة شكاوي نفسي لنفسي وما استطاع منع لسانه من الحديث حين سمع قرينيه .... فقال بعتب :
رأيتهم يدمّرونها ... شاهدتهم يدنّسونها ويقتحمون حرمتها ... شاهدت عينيها اللتين تنفجران حسنًا وبريقًا تدمعان من كفوفهم الباطشة المخرّبة ... سمعت صوتها يصرخ مبحوحًا ...وكنت الوحيدة السّامعة فأكملت طريقك وعضضت على لسانك وخرستي رأيتهم وأمسكتهم بالجرم المشهود حينما لوّثوا شواطئ حضارتها واتّهموها بالضيق والافتقار إلى الحريّة ... وكنت تعلمين أنّ كل سمكة في شواطئها تتنفّس حريّةً ... وكنت تدركين أنّ كل عشبة خلف مراجينها تحمل كنية (الحرة)فلم تنطقي بكلمة واحدة ..
أبعد هذا لا أعذبك ؟؟ وتريدين منّي عدم اتّهامك بالنّكران ؟؟
صرخ الجميع مع صرختي قائلين :
إمّا أن تعيدينا إلى محبوبتنا أو نذرك لآلامنا وفاجعاتنا ...سكتت لوهلة ثم قلت : معكم حق ... إليك عائدو يا صبيّتي الحسناء ... إليك عائدة يا صغيرتي العذراء ... خسئوا لن يدنّسوك ما عاشوا يسبون نور أعين أهلك ... ومن هم يا حوريّتي ؟ ومن هم يامن لامني القلب والضّمير والجسد والرّوح في هجرك وتركك ...لأعودنّ إليك والقلب يقاتله الحنين إلى ورودك الجوريّة ... لأجرين على دربك والأنفاس تتلاهث بحروفك ... ثم لأزرعنّ براعم حبي الطّاهر على ترابك الطاهر أمام أعينهم النّجسة ... ولأنشدّن قصيدةً في غزل محاسنك على أسماعهم القبيحة ... فليعلموا أنك أمان آمنة يا حبيبتي ... ما عجبت والله من اشتياق قلبي لك ... ففيك ثلاثة وعشرون مليون قلبًا ينبضون بحروفك ...
فنقول : سين لتنبض القلوب سور الحريّة ... ونقول : واو لتنبض الأفئدة الوفاءّ والوطنية ونقول راء فتنبض الخوافق رضى ربّنا خالق البشريّة ونقول ياء فتنبض الأصاغر كرهًا للهمجيّة ... ونقول تاء فتتوالى النّبضات تألّق حوريّة ...
مخرج : هلّا سامحتني جلالتك ؟ هلّا سامحت خادمتك يا دوقة العالم ؟ سامحيني واسمحي لي أن أغسل لحمي الرّديء الذي تخلّى عنك بفراتك الطاهر طهارة قلبك ؟ دمت لي يا حوريّتي دمت لي يا سوريّتي ...
أختكم ماء المطر الطاهر ...
سوريّة بخير ...قائدًا وشعبًا




اضافة رد مع اقتباس








المفضلات