بسم الله الرحمن الرحيم
فتح المدائن ـ الوعد الحق
الزمان/ الثلاثاء 18 صفر – 16 هـ
المكان/ المدائن عاصمة كسرى على نهر دجلة.
الأحداث/
بعد الانتصار الباهر الذي حققه المسلمون في القادسية، وما تحقق فيه من كسر لمعظم قوات الفرس، أصبح الطريق بعدها مفتوحًا لعاصمة الفرس العظمى ‘المدائن’؛ فجاء الأمر من الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالتوجه مباشرة للمدائن، فتحركت الجيوش الإسلامية في ستة وعشرين ألف مجاهد أواخر شوال 15 هـ، وقد تحولت كلها لسلاح الفرسان لكثرة ما غنمه المسلمون من الخيل في موقعة القادسية، وأثناء الطريق للمدائن أزالت الجيوش الإسلامية الحاميات الفارسية الموجودة في الطريق حتى انتهى المسلمون لمدينة بهرسير الحصن الأول لمدينة المدائن، وذلك في غرة صفر سنة 16 هجرية، حيث فرض المسلمون حصارًا شديدًا على المدينة، وضربوها بالمجانيق، وحاول يزدجرد أن يطلب المصالحة، ولكن المسلمين يرفضون لأنهم قد جربوا غدر الفرس في أكثر من موقعة قبل ذالك، وتحدث كرامة لأحد المسلمين من الصحابة تجعل الفرس يفرون من المدينة بسرعة كبيرة؛ حيث تكلم أبو مغرز الأسود بن قطبة بكلام بالفارسي عن سر من أسرار كسرى لا يعلمه إلا المقربون؛ مما جعل الفرس يعتقدون أن المسلمين ليسوا بشرًا؛ بل من الملائكة والجن! ففروا مسرعين من المدينة، ودخلها المسلمون في 16 صفر من الهجرة النبوية الشريفة.
عندما تحرك المسلمون من بهرشير متوجهين إلى المدائن، وكان ذلك في أثناء الليل والأشجار كثيفة، وأثناء مواصلة التقدم ناحية المدائن لاح لهم وسط الظلام، وفي ضوء القمر القصر الأبيض؛ حيث إيوان كسرى، فصاح المسلمون كلهم بصوت واحد: ‘الله أكبرً! أبيض كسرى[1]، هذا ما وعد الله ورسوله!’ نعم، لقد وعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك أثناء حصار المشركين للمدينة في غزوة الخندق، عندما اعترضت صخرة عظيمة طريق الحفر، فنزل لها النبي صلوات الله وسلامه عليه، فضرب أول معول فيها، فخرج شرر ولمعان، ثم ضرب الثانية والثالثة فظهر مثل ذلك، وهو يكبر ويقول: ‘أعطيت مفاتيح الشام، وإني لأنظر قصورها الحمر الساعة’، ثم قال: ‘أعطيت فارس، إني لأبصر قصر المدائن الآن’ وقد كان الوعد الحق.
‘’
توجهت الجيوش الإسلامية بعد مدينة بهرشير للمدائن، وكان يفصل بينهم نهر دجلة، وكان شديد الجريان، وفي وقت المد وارتفاع المياه، وحث الناس القائد سعدًا بالعبور، ولكنه أحجم خوفًا على أرواح الجند، فجاءه رجل من الفرس فقال له: ‘ما يقيمك ؟ لا تأتي عليك ثالثة حتى يذهب يزدجرد بكل شيء في المدائن’ ووافق هذا الكلام عند سعد أنه رأى في نفس الليلة رؤيا حق، أن المسلمين يعبرون بخيولهم نهر دجلة، فقام في الناس خطيبًا يحثهم على الجهاد في سبيل الله والصبر، وعزم عليهم في قطع نهر دجلة سباحة للطرف الآخر حيث مدينة المدائن.
كان للفرس على الطرف الآخر للنهر حامية تدافع عن الشاطئ في حالة عبور المسلمين في السفن؛ حيث لم يدر بخلدهم أن العبور سوف يكون سباحة على الخيل! فندب سعد في الناس من يبدأ ويحمي لنا الفراض [أي الشاطئ] حتى تتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم من الخروج، فقام أول فدائي متطوع، وكان بطلاً من بني تميم وفارسها ‘عاصم بن عمرو’، وتبعه في التطوع ستمائة من ذوي البأس والشجاعة النادرة، ثم انتخب من هؤلاء الستمائة ستين من أشجعهم حتى يكونوا رأس حربة هذه الكتيبة التي سماها سعد: ‘كتيبة الأهوال’ وأي أهوال أعظم من عبور هذا النهر المتلاطم الفائض سباحة على الخيل!، فاندفعت الكتيبة داخل مياه دجلة الهادرة، وأمواجه المتلاطمة، لتعبر إلى الطرف الآخر فكان في مقدمتها ستون فارس وهاؤلاء هم مقدمة ستمائة فارس وهاؤلاء الستمائة هم مقدمة ستة وعشرين ألف فارس!، وما إن اقتربت من الطرف الآخر للشاطئ حتى صُعق الفرس من هول المفاجأة، واندفعوا هم الآخرون داخل النهر حتى يصدوا هجوم كتيبة الأهوال، وعندها قال عاصم بن عمرو الرماح الرماح اشرعوها وتوخوا العيون، فضغط المسلمون على الفرس في النهر حتى دفعوهم للخروج إلى الشاطئ مسرعين، ثم عاودوا القتال مع الكتيبة حتى جاء رجل من الفرس، فقال لإخوانه من الفرس: ‘علام تقاتلون وقد هرب أهل فارس والمدائن وتركوكم؟!’ فعندها فرت الحامية الفارسية من على الشاطئ، واصبح الشاطئ خاليًا، وعندها أرسل القائد عاصم بن عمرو إشارة للقائد سعد بأن الشاطئ قد أصبح خاليًا، والطريق أصبح مفتوحًا لعبور باقي الجيش.
أعجب عبور في التاريخ!: هذا هو أدق وصف لعبور جيوش المسلمين في نهر دجلة؛ حيث أمر القائد سعد الجيوش بنزول الماء وعبوره على ظهور الخيل، وقام رضي الله عنه ودعا للجيش دعوة خاصة ـ وكان رضي الله عنه مستجاب الدعوة ـ، واندفع الجيش المسلم، وتعداده ستة وعشرين ألفًا على خيولهم يعبرون النهر الهادر في منظر فريد وعجيب من نوعه، فغطوا الماء حتى ما يُرى الماء من الشاطئ، وصار كل اثنين من الجيش يتحادثان فيما بينهما كأنهما يمشيان في البر في أمن وسلام! ولم يفقد منهم شيء من متاعهم ولا رجالهم، ولم يغرق رجل واحد، وكلما صادفتهم منطقة عميقة في النهر ظهر للمسلمين صخور يقفون عليها حتى لا يغرقوا، وذلك من عناية الله بهم وكرامته لجند المسلمين، وكان كل فارسين يعبران بجوار بعضهما حتى اذا غرق احدهما ساعده الآخر وكان يرافق سعدًا رضي الله عنه أثناء العبور الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه، وتكامل عبور الجيش كله، ودخلوا المدائن وقد أصيب الفرس بالرعب والدهشة، وظنوا أن الملائكة هي التي حملت المسلمين أثناء العبور، وفر كسرى يزدجرد ومن معه من الباب الخلفي للقصر الأبيض خوفاً وذعراً من مواجهة المسلمين ويرافقه في هروبه خواصه وحاشيته وأهل بيته إلى مدينة حلوان، دعونا نعود للماضي قليلاً حيث كان كسرى أنوشران يقيم مذبحة لكل الذكور من عائلة آل ساسان حتى لاينافسه أحد على الملك فقتلهم جميعاً عدى يزجرد الذي هربته أمه من الباب الخلفي للقصر الأبيض إلى أخواله، بعد تلك السنين الطويلة يهرب يزجرد من ذات الباب ذليلاً لكن هذه المرة هرب وهو كسرى الفرس وكبيرهم، والمفارقة هي أن سلمان الفارسي رضوان الله عليه قد دخل هذه المدينة فاتحاً عزيزاً بعد أن خرج منها قبل سنين هارباً من أبيه ودين المجوسية ضارباً بذالك في نفس الوقت أروع الأمثلة في الولاء والبراء إذ يقاتل أهله وقومه من أجل الدين الذي آمن به، وكان أول المسلمين دخولاً هم كتيبة الأهوال تليها الكتيبة الخرساء، فلم تجدان أي مقاومة أثناء الدخول، ثم دخل باقي الجيش واستقر في المدينة، وكان من عجيب ماحصل هو أن أحد الفرس دعى أصاحبة فقال لهم أرموا كرة فرموها فرماها بالنشاب فما أخطأها ثم ذهب إلى أحد المسلمين واقترب منه ورماه بالنشاب فلم يصبه فمالبث المسلم أن فلق هامة المجوسي وتفرق عنه اصحابه!، ودخل سعد رضي الله عنه إيوان كسرى ‘القصر الأبيض’، أحد عجائب الدنيا بعد أن فاوض سلمان الفارسي من بقي في هذا القصر وكان مما قال لهم: ‘إني منكم في الأصل وأناأرق لكم ولكم في ثلاث أدعوكم إليها ما يصلحكم أن تسلموا فإخواننا لكم ما لنا وعليكم ما علينا وإلا فالجزية وإلا نابذناكم على سواء إن الله لا يحب الخائنين’، فاستسلمت الحامية ودخل سعد القصر وهو يقرأ قول الحق: {كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قومًا آخرين}، وصلى في الإيوان صلاة الفتح ثمان ركعات لا يفصل بينها، ثم جعله مسجدًا بعد ذلك ثم جمع سعد الغنائم التي عجز المسلمون عن إحصائها وكان منها كنوز كسرى التي لم يشهد المسلمون مثيلاً لها ثم أرسل خمسها إلى عمر رضي الله عنه وكان منها تاج كسرى وسواريه فألبسهما عمر لسراقة بن مالك تنفيذاً لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لسراقة، وبنهاية هذا الفتح كانت شوكة الفرس في قد كسرت في بلاد العراق ولم يبق لهم سوى معركة واحدة هي معركة فتح الفتوح معركة نهاوند العظيمة التي أنهت إمبراطوريتهم المجوسية نهائياً والحمد لله رب العالمين.
——————————————————————————–
[1]حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ قَالاَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ « لَتَفْتَحَنَّ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ كَنْزَ آلِ كِسْرَى الَّذِى فِى الأَبْيَضِ » . قَالَ قُتَيْبَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَلَمْ يَشُكَّ. " البخاري "
المصادر :
1- تاريخ الطبري
2- البداية والنهاية لإبن كثير
3- موقع ويكيبيديا
4- عدة مواضيع على الشبكة
روابط مفيدة :
* محاضرة فتح المدائن للشيخ وجدي غنيم 1
* محاضرة فتح المدائن للشيخ وجدي غنيم 2
* محاضرة فتح المدائن للشيخ وجدي غنيم 3
هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين




اضافة رد مع اقتباس
جزاك الله خير و اكثر من مواضيعك الحلوة












زهرتي 
المفضلات