الطريف في الأمر :![]()
لحظتما أينعت ثمرةُ الظهيرة التي وهبتها شمسُكَ لقلبي , هربتُ بعيداً إلى أطراف ظلالك العارمة , ابتعدتُ عن صخب نفسي , وعن الجدران المُذعِنة لهلوساتي , أبتعدتُ عن كلّ محفزات الحياة والموت والجنون , شتمتُ الأزلْ وحاولتُ تخطي ذكرى الكلمة المتبلّدة التي يخيطون بها شفاههم كلما ناشدتهم بك وبسُبلك .
ليست صُدفة أن تاهت دمعة في تلال وجهي الذابلة , أنا أبذلُ جامّ جُهدي كي لا أنطقك , مع علمِ أن مدى الكلماتِ أبداً لا يسعك , أنا لستُ أدبية تسفُك الكلمات حتى تجعلُها مسعولهْ أو مفكرة مقيّدَة بمفاهيم تقليدية يتوارثها البشر لستُ ثرثارة أو كل تلك الأمور التي تنعتني بها فقط لأنني أسعى دائماً لراحتي التي يطلبها شخصي المُستحق لتلبية النداء , أنا في كل مرّة أخبرك وأخبرهم بأني لستُ مجنونة وإنما تنتابني خيالات بأن هناك من يرتدي الأبيض يقف خلفي ويحرك إحدى يديه كمن يسبّح بلا مسبحةٍ , قد أمتحنُ ليالٍ تعكسُ اتجاه دفّةَ مبادئي لأُربّع المثلث وأثلّثَ المُستطيل , ولكن الكل يمر بما ممرت بهِ فأنا لا أنسبُ لنفسي أيّةَ تجاربٍ خاصّة تختلفُ عن تجارب الجميع , ثمّ أنا بحق لا أفكر كثيراً بهذهِ الأمور ليسَ تسييداً مني لموقفِ المنطق ولكنّي لازلت أؤمن بأن لي قدرات تتعدى تمزيق خيوط بنطالي ولفّها حولَ أصابعي كي ألهو بها و بمضغها مثل كلبٍ عجوز قتلَ سيّده الذي لم يطعمه شيئاً سوى العظامْ . بحقْ , التفكيرُ بك لم يعد منوط بالوسائد والصمت والعواطف الحمراء ,وجهُ أمي وأبي لم يعدا يهزّاني لأفيق بوخزه الضميرْ , أنا أعدُني في كل ليلة بألّا أتذوق ثمرة لم تُنجبها بذوري , ولكن لا فائدة تُرجى , أنا أفكر فيكَ دائماً , ولا أذكر بأني تعلّقت بشخصٍ ما كما أفعل بك الآن , أفكر فيكَ كثيراً وكأن فيكَ كلّ الأمور , أو ربما كل الأمور فيك , أنتَ في ألفاظِ شغف ذي العامين المبتذلة , في محاضراتِ عادل شرقاوي المملة , في اشتباك الكراسي والأقلام , في ضفيرةِ تهاني العتيقة , في طاولة الكوي الحميمة إلى قلبي , في رؤوس أصابعي المتورمة لقرضي إياها بعدما عطبت أظافري عن النمو مجدداً , أحياناً أكاد أتحسسك في نبضي المتفاقم كلما ذُكرت أمامي قصّة حبٍ فشلَت ولكن بصيغةِ إخفاقٍ أُخرى غير التي عانيناها سويةً , أنتَ تُباغتني حتى في الضحكاتِ المكتومة خلف نكتةٍ وعدتُ نفسي ألا أضحكَ أثناءِ سردها , أنا أراكَ متمثلاً بهيئة الهواء , النور , العطر , عزاءات جيراننا, أغنيات أم كلثوم , آذان المسجد البعيد , أتذكرك في هدوءِ حارتي المُقذع بحقّ صراخِ بيتنا , و لا أنفكُ عنكَ وعن توثيقك في كل اللحظات العابرة , في كل " المشاوير " التي أعدّها فرصتي كي أفترسُ فيها منظر الحُزن الريفي للسماء المُسدلة خارجاً بنوافذ السيارة و الأشجار المُسرعة فيها ,و أجساد البشر المتلاشية عن يميني وعن يسارهم . أنا أستقر دائماً في المقاعد المرافقة لتلك النوافذ , تجدبُ كلّ الأصوات حولي وقتما هزّت السماء جذع غيمةً لتمطر , أُعيد تجسيد حياتي في مسرحية أبطالها حبات المطر, أراقبها جيداً وهي تلتئم مع بعضها البعض كي تواجهه الرياح التي تدفعها إلى العدم , أتأملها وأتحسر لأنها شفّافة للحد الذي يُعسِرها عن حملِ أيّ ضغينة لغدر الهواء وأيادينا المكتوفة عن إنقاذها , أبكي رقصاتها وتمايلها الذي يخلّف لنا نهراً من الأماني العذب .
آتي لزيارتها غداً وبينَ أذنيّ وطنٌ قاحِل عن التعابيرْ والتضاريسْ , أحييها فلا أجدُ سوى رفاتها الذي يسعل بوجهي الغُبار ولاشيء سوى الغُبار .
أتعلم
لا يصعبُ علي التغلب على نفسي في كل مرة اشتهيتُ فيها الكفّ عن الحياة والحياة والحياة والبدء في ممارسة أي شيءٍ آخر لا يحتويك , ربما لأني أُحاذر من الموت و سمعتِهِ التي تستفز هوايتي المفضلة في تقليب الصفحات الفارغة والاستغراق في تمعنها وكأنه خطت فيها أحاجي القدر الفارهة , أنا والنسيان لسنا رفقةً على الاطلاق رغم كل النذور والتضحيات التي وهبتها لبئرهِ العميقة التي توغّل فيها دلوي حتى نسي طريقه للأعلى . انا في الآونة الأخيرة تولدت لدي رغبةٌ في اقتلاع نهديّ اللذان يعرقلان شعور التوحد الذي يفترض بي أن أحسّه أثناء اقتحام جسدي برمته أرضاً صلدة موليةً لها عُهرَ وجهي وضيقي وتوسلاتي المهدورة للسقوفْ .. أنا في المرآة لطالما كنت وحدي تماماً مجرّده من نفسي إلا من طفلٍ أحملهُ بين ذراعي يتطلع بعجزٍ لمعنى القوة التي أوهموني بأن الله خلقها فينا .
أعنّفه وألقنه أننا لسنا سوى كائنات فطرها الله على الاستسلام في كلّ شهقةٍ من شهقاتها إذ تتراجع فيها لزفيرْ ..
زفير زفير زفير



اضافة رد مع اقتباس









المفضلات