.
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
.
يسرني لقاؤكم من جديد في المنتدى العام عبر موضوع جديد ، آمل أن الجميع بخير وعافية ..
كنت قد شاركت في موضوع الأخ العزيز John Hunter .. '' إخواننا النصارى .. صياغة ركيكة لبعض ما اقتنعتُ به ''
وكتبت رداً أبين فيه موقفي حول تعبير '' إخواننا النصارى '' .. وكيف أن رفض العلماء له سلفاً وخلفاً لا يتعارض أبداً مع ما أمرنا الله به من الإحسان إليهم والتعامل معهم بالحسنى ومجادلتهم بالتي هي أحسن ^_^
.
لكن الأخت Li Hao - سامحها الله - أبت عليّ إلا أن أنشر المشاركة في موضوع مستقل ..
ولأنني استنفذت أعذاري في رفض نشر مشاركة سابقة كموضوع مستقل لا أجد إلا أن أنشر هذه رغم أنها كُتبت لتكون [ مشاركة ] وليس [ موضوعاً ] ..
فهذه هي مع بعض التصرف اليسير الذي يقتضيه إطار النشر ...
.
'' السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أهلاً وسهلاً بك أخي العزيز إبراهيم كيف حالك ؟ ^_^
سأحاول الرد بشكل مختصر لأنني عائد لتوّي من سفر ...
.
على كل حال ؛
مسألة النصارى هذه أثارت كثيراً من الجدل وزلّت فيها أقدام كثير من المفكرين ( الإسلاميين ) .. كما أنها أيضاً كغيرها من القضايا تعرضت للغلو من جهتيه ؛
الإفراط والتفريط ...
.
أفرط البعض فحقد على كل من هو غير مسلم ، حقداً شديداً أعمى بصيرته حدّ اعتقاد قتله وتعذيبه !! فإذا عجز عن القتل والتعذيب لم يتورع عن السب والشتم والخيانة والغش والتعامل معهم بأسوأ الأخلاق لأنهم بالنسبة له ( كفار ) قد حلّت دماؤهم وأموالهم !!!
وفي المقابل فرّط البعض فأحبوهم أكثر من حبهم للمسلمين .. وتأثروا بهم حتى الاقتداء ! وتميّعوا معهم لدرجة إنكار كفرهم واعتبارهم ( مؤمنين ) وأن اختلافهم معنا هو اختلاف ( في الدين فقط ) ..
صرنا نسمع الآن : '' لا يهم مسلم أو مسيحي أو يهودي كلنا مؤمنون بالله '' !!!
ومن هذا التفريط ولا شك اعتبارهم ( إخواناً لنا ) .. ومن عبارات التمييع والتطبيع معهم كما هو معروف ( إخواننا اليهود - إخواننا النصارى ) ..
.
ـــــــــــــــــــــــــ
والحق أن هذا التفريط قد تكون وراءه نوايا حسنة مرادها إعطاء صورة جيدة عن الإسلام وأنه دين التسامح والإنسانية والوسطية والمساواة إلى غير ذلك من الشعارات البراقة .. لكنه في الواقع منبثق عن فهم خاطئ للغاية .. وجهل بمقاصد الإسلام ومراد الله به في أرضه ...
ولعل بعض أسبابه برأيي هي :
- التأثر والانبهار بالتقدم الحضاري المادي لغير المسلمين .. لذلك وإذا أردنا أن نتقدم مثلهم فعلينا أن نتّبعهم في كل شيء !! فهم قد أثبتوا أنهم أفضل منا لذلك أصبحوا قدوة لنا ..
- محاولة إزالة تهمة التخلف والرجعية عن الإسلام .. وذلك عبر البرهنة على أن تعاليم الإسلام موافقة للمبادئ الأخلاقية والسياسية للغرب تبرئة لها ! لهذا أصبحنا الآن نسمع عبارات مثل ( الإسلام دين ديموقراطي ) ، ( الإسلام دين اشتراكي ) ... وقد نبه الأستاذ والمفكر محمد قطب لهذا الخلط في كتابه القيّم ( العلمانيون والإسلام ) حيث قال فيه ما معناه : '' هل نعرض الديموقراطية على الإسلام أم نعرض الإسلام على الديموقراطية ؟! '' >>> مع الأسف نلاحظ أن التمييعيين والسدّج يعرضون الإسلام على الديموقراطية وغيرها من المبادئ السياسية المستوردة .. ويعتبرون أنهم إذا أثبتوا أن الإسلام دين ديموقراطي فإنهم بذلك يبرّؤون ساحته ويحسّنون صورته أمام الغرب .. وما ذكرتُ مجرّد مثال فقِس عليه ..
- الحرب النفسية ، والشبهات التي يروّج لها المستشرقون والعلمانيون وبعض النصارى ممن يجيدون الغوص في الكتب الإسلامية بحثاً عن ( الثغرات ) !! فإذا وجدوا آية أو حديثاً أو حكماً يقبل تأويلهم الماكر فإنهم يبدؤون على الفور بـ ( التباكي ) !! ويحتجون بأن الإسلام دين عنف وأنه ضد الحرية والتسامح والإخاء وأنه يعتدي على حقوق المرأة وأنه يحارب الفن والجمال ، وأن أحكامه تظلم غير المسلمين ويستدلون على ذلك بالآيات والأحاديث التي قاموا هم بتفسيرها على حسب أهوائهم ...
لهذا يشعر السدّج من المسلمين بما فيهم بعض المفكرين - هداهم الله - بنوع من ( الحرج ) من نصوصهم الشرعية !! فيقومون هم بدورهم بتأويلها وليّ أعناقها عبر إخفاء بعضها أو إنكارها أو اعتبارها قد نزلت في ظرف معين ( دون ضابط ) يجعلها غير صالحة للتطبيق في عصرنا هذا .. وهدفهم من ذلك - لو أحسنّا الظن -تبرئة الإسلام وتقديمه بصورة ( جميلة ) أمام غير المسلمين !!! وقد غاب عنهم مع الأسف أن كل ذلك التباكي ليس سوى تظاهراً .. وأن تلك الصورة ( الجميلة ) للإسلام هي بالضبط التطبيع الذي يطمحون إليه ويهدفون من خلاله إلى تعطيل الإسلام بالكامل ...
.
نلاحظ أن الرابط المشترك بين هذه الأسباب التي ذكرت هو [ الهزيمة النفسية ] للمسلمين .. واقتناعهم الباطني بأن الغرب ( مسكين ) وأنه يعاني الأمرّين من الفهم الأصولي للإسلام .. فوجب إذاً إعادة النظر ، وتقديم رؤية جديدة عصرية للإسلام .. تظهره بمظهر أنيق متمدّن ، حتى لو تطلب الأمر تقديم تنازلات خطيرة للغاية ...
.
ومسألة ( إخواننا النصارى ) هذه هي أيضاً داخلة في ما ذكرت .. يأتي النصارى يتباكون ويقولون : دينكم الإسلام هذا دين شرس متوحش يكفرنا ويعتبرنا غير مؤمنين ، ويمنعكم من موادتنا ومؤاخاتنا !! ثم يأتوننا بالآيات والأحاديث التي أجادوا باقتدار الغوص في كتبنا لاستخراجها .. !!!
ونحن لضعف شخصيتنا وهزيمتنا النفسية .. ولرفع العتب ، نبتسم في وجوههم ونقول : لا لا على العكس الإسلام دين ديموقراطي ومتسامح وأنتم لستم كفاراً ونحن إخوانكم وأنتم إخواننا .. ونضع الصليب بجانب الهلال في نفس المستوى ونفس المرتفع وكأنهما مثيلان !!!
بل تصل المفارقة عند البعض بأن ينصّبوا أنفسهم - أوصياء - على صورة الإسلام عند الغرب ، ويكون ذلك ضد علماء السنّة والعقيدة والحديث الذين بلغوا من العلم ما يؤهلهم للإفتاء في مثل هذه القضايا العقدية .. فأصبحنا نجد كثيراً من المتكلمين باسم الإسلام يدافع عن حقوق النصارى وينفي صفة الكفر عنهم و ( يبتسم في وجوههم ) !! لكنه في الوقت نفسه ( يعبس ) في وجوه علماء السنّة ويصفهم بنعوت التشدد والغلو ويرجع سبب تخلف العرب والمسلمين إليهم ..
جاء في أحد تصريحات الدكتور محمد عمارة : '' نحن في مواجهة خطر السلفية النصوصية '' !!
أتساءل : من '' نحن '' ؟؟ وما '' النصوصية '' ؟؟!!!
.
الحق أن مواقف من هذا النوع هي مواقف ( ذليلة ) .. وتدل على فهم سطحي جداً للإسلام ومقاصده .. وشخصية إسلامية غير واثقة من نفسها ودينها ، متذبذبة وضعيفة للغاية تفتقر لذلك ( العز ) الذي يجب أن تتمتع به ... وتفتقر أيضاً إلى ذلك ( الفهم ) بأن أحكام الإسلام هي كما هي .. قابلة للتأويل العقلي المقنع تماماً والمسكت للآخر دون الحاجة لأي تعطيل للنصوص أو ليّ لأعناقها أو تقديم ( رؤية عصرية للإسلام ) ...
.
.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
معلوم بالضرورة .. أن الإنسان لو تُرك على وجه الأرض دون شريعة إلهية تحكمه فإنه سيفسد فيها ويسفك الدماء .. وأنه لو تُرك له اختراع شرائع أو أديان بنفسه فلا أحد يستطيع تصور الفساد الذي قد يحصل بذلك ..
لهذا كانت الشريعة الإلهية هي الطريق الوحيد لخلاص البشرية من الشر الذي يمكن أن تسببه لنفسها ..
ولهذا جاء الإسلام من عند الله ديناً كاملاً متكاملاً يجب على العالم كله أن ينضوي تحت لوائه .. ولهذا بالضبط شُرع جهاد الطلب فالجهاد ليس للدفع فقط كما يتوهم البعض ..
فدولة الإسلام هي دولة العز والكرامة والنفوذ .. والظهور على غيرها .. ولو تأملنا الأحكام السياسية للإسلام المتعلقة بالتعامل مع غير المسلمين فلا أعتقد أننا سنجد أكثر سماحة منها في أي شريعة وضعية أخرى !!!
لكن مع الأسف الشديد لا وجود لتلك الدولة الإسلامية المنشودة حتى الآن .. وسوف تكون بإذن الله كما بشرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو عن موقفنا تجاه النصارى في ظل الظروف الحقيقية التي نعيشها في الواقع .. والجواب عن هذا واضح كما حددته النصوص الشرعية وكما تم تقريره من أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم المعروفة في كتب السيرة ..
- نعتقد بكفرهم .. فهم ليسوا مسلمين فضلاً عن أن يكونوا مؤمنين !! ( باعتبار أن كل مؤمن مسلم لكن ليس كل مسلم مؤمناً ، فكيف يكون غير المسلم مؤمناً !! ) وإذا كنا نبغض من المسلم فعل الذنب .. فإنه ليس بعد الكفر ذنب !! لذلك فهم يستحقون بغضنا لهم بسبب كفرهم ... ويحتاج فهم هذا لشرح طويل للمفهوم الحقيقي لما نسميه في العقيدة بـ ( الكفر ) !! وليس هذا مكانه ..
- بغضنا لهم بسبب كفرهم لا يعني أن نحقد عليهم مطلقاً .. أو أن ننبذ نوعهم الإنساني باعتبارهم حيوانات أو جمادات .. بل نعتبرهم محلاً لدعوتنا ولا نيأس منهم أبداً .. فربما هم لا يعرفون الإسلام أو وصل إليهم بشكل مشوّه ..
فإن قال قائل بأنهم بذلك معذورون بجهلهم ولا يستحقون بغضنا .. نقول بأن الله لم يجعلهم كفاراً إلا لعلمه باستحقاقهم ذلك بسبب خبث نفوسهم .. ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ... لكن لا نقطع رجاءنا فيهم ، فإذا أسلموا فذاك هو المراد .. وإذا ماتوا على كفرهم فتلك إرادة الله بهم وهو سبحانه أعلم وأحكم ... والله لن يبخل عليهم بنعمة الإسلام لو علم أنهم يستحقونها .. [ لا يُسأل عمّا يفعل ، وهم يُسألون ]
- نعاملهم بالحسنى ما أمكن .. وندعوهم إن استطعنا بالحكمة والموعظة الحسنة ، ونجادلهم بالتي هي أحسن كما أمرنا الله عز وجل .. لا نظلمهم ولا نعتدي عليهم ولا نغشهم ولا نسرقهم ولا نكذب عليهم ولا نؤذيهم بشيء أبداً صغيراً كان أم كبيراً ، مادياً كان أم نفسياً .. بل نطبق عليهم أخلاق الإسلام السمحة بأقصى ما نستطيع .. وهذا - لو فهمنا - جزء من دعوتهم إلى الإسلام بشكل غير مباشر .. فكم نسمع من قصص لأناس أسلموا فقط تأثراً بمواقف أخلاقية مشرّفة لبعض المسلمين ..
- كل ما سبق .. لا يعني أبداً أن نقدم لهم أي تنازل أو مجاملة عقائدية .. أو أي مظهر من مظاهر التمييع والتطبيع معهم بأي شكل من الأشكال ..
وأسأل الله أن يوفّقنا وإياكم لما فيه خير .. ''
.
الموضوع مفتوح لآرائكم وتوجيهاتكم ونقاشاتكم .. ^_^
وأذكر ختاماً بأن تعبير [ إخواننا النصارى ] هو واحد فقط من بين تعبيرات أخرى تبدو جميلة وبرّاقة في مظهرها السطحي لكنها في الواقع تنطوي على معاني خطيرة للغاية ..
وتأثيرها الخفي يتغلغل في العقول شيئاً فشيئاً ليصبح جزءً من ( طريقة تفكير ) المسلم المعاصر ..
ولو تأملنا في هدفها الرئيسي وغايتنا النهائية سنجد أنها تقود حتماً - على المدى الطويل - إلى إبطال عقائد الإسلام ونقض عراه الواحدة تلو الأخرى ..
لن نستغرب إن وجدنا أنه ما من معتقد إسلامي يعارض أهداف الغرب وأطماعه إلا وله فكرة أو عبارة ( جميلة وبرّاقة ) معطّلة له بشكل خفيّ غير مباشر .. ومدسوسة بعناية في العقول العربية الساذجة ..
والله المستعان ..
.
في أمان الله وحفظه ^_^













.. ولكنه يعطي أصلا للمسألة ومدعاة للتفكير فيها بدون تشنج ولا مبالغة ^_^ 






.. قارن بينه وبين كتاب فهمي هويدي "مواطنون لا ذميون" .. والله تشعر براحة ومتعة شديدة واقتناع يغزوك ويستولي عليك بالحجة الناصعة وأنت تقرأ كتاب هويدي ! .. سلام ~ هدانا الله جميعا .

المفضلات