أولاً : مفهومه
النقد لغةً : هو التمييز بين الصحيح والزائف من العملات النقدية والورقية .
أما النقد الأدبي اصطلاحاً : هو دراسة الأعمال الأدبية – الشعرية والنثرية – والكشف عما فيها من عناصر الإبداع وجوانب الجمال أو الرداءة ’ والقوة أو الضعف ’ ثم إصدار الأحكام النقدية المناسبة على تلك الأعمال .
الفرق بين النقد الأدبي والبلاغة :
هناك عدة فروق سأُجملها كالتالي :
أولاً : تُعنى البلاغة بفصاحة الكلمة المُفردة وفصاحة الجملة من حيث الصياغة والسلامة من العيوب ’ ومطابقة مقتضى الحال . أي أنها تبحث عن مظاهر الجمال اللغوي والدلالي .
أما النقد فاهتمامهُ منصب على دراسة النص الأدبي كله ’ مراعياً التوقف عند المؤثرات العامة أو الخاصة ’ البيئية والنفسية ’ ومع ذلك لا يُهمل البلاغة وإنما يعدها أداة من أدوات النقد والتذوق .
ثانياً : تتضمن البلاغة علوماً جماليه يفيد منها المبدع أو المنشئ قبل إنشاء النص ’ مثل أن يتعرف طرق القصر والتقديم والتأخير ’ وصور البيان كالاستعارة والتشبيه وما نحو ذلك .
أما النقد - وإن كان قد تضمن أصولاً وقواعد نقدية مفيدة – فإنهُ يتجاوز هذه النظرة القبلية ويزيد عليها النظرة البعدية – وهي الأهم – حيث يقوم بقراءة النص قراءة تحليلية ثم الحكم عليه .
ثالثاً : البلاغة علم استوعبه العلماء تحت مسمياتٍ ثلاث وهي :
المعاني ’ والبيان ’ والبديع ’ أما النقد فلا يزال يجمع بين العلم وقواعده ’ والفن وسُبل تذوقه ’ لأن قواعد النقد تتسم بكثير من المرونة . كذلك يستجيب النقد لحاسة الذوق الفني ’ وهذا ما جعلهُ يُصنف تارة في قائمة الفنون وتارة في قائمة العلوم .
ثانياً : وظيفته
للنقد وظيفتان علمية وجمالية ’ كما يلي :
1 – الوظيفة العلمية : ويستفيد من هذه الوظيفة كلٌ من الأديب ’ والقارئ ’ والحياة الأدبية .
فالأديب المدرك لوظيفة النقد يدرك من خلاله مكامن القوة والضعف في أدبه ’ ويصحح مسارهُ الأدبي ’ ويرعى موهبتهُ وينميها وفقاً للتوجيهات النقدية التي أسديت إليه .
أما القارئ فإن الناقد بالنسبة إليه كالصراف .
قال أحدهم لخلف الأحمر : إذا سمعتُ الشعر واستحسنته فما أبالي ما قلت فيه أنت وأصحابك .
قال له خلف : إذا أخذت درهماً فاستحسنته فقال لك الصراف إنه رديء هل ينفعك استحسانك ؟!
ومن هنا ندرك أهمية النقد بالنسبة للقارئ ’ إذ يُساعدهُ على فهم النص ومعرفة مواطن الصحة والخطأ ويساعده على حسن الاختيار ولا سيما إذا وضع الناقد يدهُ على مواضع الخطأ اللغوي أو الفكري في النص ’ ووضع لها البديل المناسب ’ وبالنسبة للحياة الأدبية فإن النقد يُسهم في رقيها وارتفاع مستوى الإبداع بين أدبائها . وبوجود النقد يكثر الإنتاج الأدبي الجيد ويقل الإسفاف في الأدب ’ ويرتفع صوت الأدباء المُجيدين ويخفت صوت الأدعياء . وبالنقد يسود الفكر الراقي ويختفي الزيف .
2 – الوظيفة الجمالية الفنية : ومهمة النقد من منطلق الوظيفة الجمالية تتجلى في تفسير النص وتحليله ’ والحكم عليه بالجمال أو القبح شكلاً ومضموناً ’ فمن ناحية الشكل يدرس النقد لغة النص ومفرداته وأسلوبه وصوره الفنية وجرس ألفاظه وإيقاعاتها . وفي مجال المضمون يعالج النقد أفكار النص من حيث الجدة والابتكار والمعاني الكلية والجزئية ’ ورؤية الأديب الخاصة ’ وتمثله للقيم والعلاقة بين الشكل والمضمون ’ ويدخل في ذلك دراسة حياة الأديب وبيئته ومعتقده ’ لأن ذلك كله يترك أثراً في معاني النص .
ثالثاً : تطور النقد الأدبي وقضاياه
هذا الفرع قد لا يكون المغزى منهُ هنا سوى الفائدة العامة فقط لا غير ’ لذلك سأقوم بإدراج ملخصٍ عنهُ فقط .
بدأ النقد الأدبي في صورة ملاحظات في العصور التي سبقت عصر الازدهار وهو العصر العباسي ’ وفي هذا العصر ظهرت مؤلفات نقدية متخصصة كان من أبرزها :
كتاب ( عيار الشعر ) لابن طباطبا ’ وكتاب ( العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده ) لابن رشيق القيرواني .
وقد تناولت هذه الكتب جملة من القضايا النقدية لعل من أهمها ما يلي :
1 – وحدة القصيدة : وتشمل الوحدة الموضوعية والوحدة العضوية وإذا فاتت الشاعر الوحدة العضوية كما نرى ذلك في بعض قصائد الشعر العربي القديم لا سيما الجاهليُّ منها ’ فلا ينبغي أن تفوته الوحدة العضوية ’ وهي ترابط أجزاء القصيدة واتساقها فنياً حتى تبدو في صورة واحدة متناسقة .
2 – اللفظ والمعنى : احتدم النقاش في هذه القضية مبكراً مع بداية نشأة النقد في بداية العصر العباسي الأول ’ ومصدر هذا الخلاف هو أفضلية أحدهما على الآخر ونتج عن هذا الحوار ثلاثة آراء نقدية :
الرأي الأول : يقدم اللفظ على المعنى ويرى أنصار هذا الرأي أن الأدباء يتميزون عن غيرهم بهذا الأسلوب الذي يعد نتاج الموهبة والتعلم ’ فجاءت عباراتهم زاهية قشيبة ومعانيهم مغلفة بغلافٍ جميل .
الرأي الثاني : يقدم المعنى على اللفظ ’ ويرى أنصاره أن المعنى هو العنصر الأهم في الكلام ومن أجله أبدع المبدعون ’ وأن الألفاظ ليست سوى وعاء للمعاني ’ وأن لدى الأدباء القدرة على ابتكار معانٍ نادرة ورائعة لا تجدها إلا في أدب المبدعين .
الرأي الثالث : أن هذا الخلاف قد حسمه عبد القاهر الجرجاني حين أعلن ضرورة الاعتدال في هذه القضية ’ وطالب الأدباء والشعراء بتحقيق التوازن الفني في أعمالهم الأدبية ’ وأكد في كاتبه دلائل الإعجاز أن العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة تكاملية تشبه إلى حد كبير العلاقة بين الروح والجسد لا ينفصم أحدهما عن الآخر ’ بل يرتبطان وجوداً وعدماً .
3 – السرقات الشعرية : وتتلخص هذه القضية في ثلاثة أنواع :
المعاني المشتركة .
المعاني البديعة المخترعة .
المعنى المنقول إلى غرضٍ آخر .
المفضلات