قال متظاهراً بالهدوء : أجل ، أنا مريضٌ كما ترى .
تظاهرت ماكي بالتصديق وابتسمت قائلة : سأعود إلى المنزل الآن ،
ميزوكي ستطهو لي بعض الأطباق المشهورة عندهم في بريطانيا ، إنها ماهرةٌ جداً في الطبخ ،
لا يمكنني تفويت هذه الفرصة ، وداعاً وأتمنى لكَ الشفاء العاجل .
ما إن أغلقت الباب حتى تنهّد بارتياح ، لكن ملامح الرعب طغت عليه حين فتحته وقالت بسرعة : أوه صحيح ،
لقد نسيت ، قلت للخدم أن يجهزوا لك بعض الأرز المقلي والكاري ، والحساء ، يجب أن تأكل شيئاً ، حسناً ؟
رفع طبق الكعك وقال : أنهيته !
نفضت يدها قائلة : كلا ، هذا لا يُعدًّ طعاماً ، سيصعدون به لكَ بعد قليل .
ثم أغلقت الباب بقوةٍ جعلته يغمض عينيه ، همس لنفسه " أنّى لهذه أن تكون فتاة ؟ " ،
سحب هاتفه وكتب بيأس : حسناً ، سآتي معكَ غداً إذا وعدتني أن لا نطيل هناك .
ما إن أرسلها حتى جاءه الرد بسرعة ، كان يحوي كلمتين ووجهٌ باسم : مفهوم سيدي .
ابتسم سينو واستلقى على ظهره وركل البطانية بقدمه ، ثم ضحك فجأةً : سألعب معكِ يا ماكي !
سطح قصر السيد كيبورا
فتحَ علبةَ العصيرٍ ودسّ ماصتها بين شفتيه وهو يدوّر منظـاره بضجر : الأوضاع مستقرة ، الأوضاع مستقرّة ،
لماذا يجب أن نراقب الأمير في كلِ مكان ، هذا مُمّل .. !
ترك العصير وهو يقول : أعتقد أني وجدتُ شيئاً ..
كان هاياشي جالساً في سيارته ويفرقع أصابعه بتوتر ،
ضغط الرجل على سماعةٍ بأذنه وهو يرقبه ويقول : مرحباً سيدي ، رصدتُ شاباً أظن أنه السيد هاياشي ،
أوصلني بالسيد رينو في الحال .
قابله صوتُ خشن بهدوء : تمّ !
سمع صوت رينو الذي قال بسرعة : قل ما لديك ؟
قال بسرعة : سيديّ أنا في النقطة هـ ، لقد رصدتٌ شاباً يشبه السيد هاياشي ، أظنهُ هو ،
لكن المنظار الذي لديّ ليس جيداً جداً و ..
قاطعه رينو : الموقع هـ ؟ أحرس الزعيم وانتظر ، هاياشي ذبابةٌ فاشلةٌ لا تخيفُ أحداً ،
كل ما يفعله ذاك الأبله هو إثارة المشاكل .
صرخ بخوف : سيدي لقد جاء الأمير ! ماذا أفعل ؟
ركض رينو بسرعة واستطاع أن يسمعه وهو يقول : كيزو جهّز الدراجة النارية " كاف المطورة " بسرعة ،
وأنت يا رجل الـ"هاء" إن شعرت بأي خطرٍ على الأمير فاهجم حالاً .
هتف بانقيـاد : حاضر سيدي .
أطلّت ماكي على السيـارة الحمـراء الغريبة وهي تنـظر لهاياشي الذي يفتش أحد الأدراج بانشغالٍ وقالت : عذراً سيدي ، لماذا توقف سيارتكَ هنا ؟
التفت هاياشي وهو يرتعد وزادت رجفته حين رأى ماكي ، قال بخوف : سيد ماكي الصغير .
ابتسمت ماكي : هل تعرفني ؟ من تَكون ؟
طرأت فكرةٌ سريعةٌ على هاياشي بعد ابتسامة ماكي وبوادر لطفها فقال بعد أن ازدرد لعابه : هلّا تأتي معي قليلاً ؛
أنا أحتاج لمساعدتكَ في موضوعٍ ما ؟ أحتاج للحديث .
عقدت ماكي حاجبيها وقالت : أنا ؟ لماذا لا نتحدّثُ في المنزل ؟ هناك الكثير من الطعام الشهي .
نظر هاياشي لساعته وقال بتوتر وهو يبتسم : امم كلا ، أنا أتوسّلُ إليكَ أن تأتي معي .
أخرجت ماكي هاتفها وهي تقول : حسناً لكنني سأخبرهم كي لا ينتظروني على العشاء ،
لقد أصبحتُ أستخدم هذا الشيء بكثرة ، كم أكرهه ؛ يرّن في كلُ دقيقة .
ابتسمت ببراءةٍ وهي تقول : مرحباً ميزوكي ، أنا آسف لن أستطيع تناول العشاء معكم الليلة ،
إذاً هل يمكنكِ أن تبقي لي بعضاً منه ؟ فطعامكِ لا يُعوّض ، شكراً لكِ .
دسّت الهاتف في جيبها وهي تقول : إذاً ، أنا لا أعرفُ اسمكَ بعد .
قال بسرعة : لاحقاً يا سيدي لاحقاً ، أتوسّلُ إليكَ أن تأتي معنا ..
رفعت ماكي كتفيها باستغرابٍ وقالت : حسناً ، حسناً ، لم أكن لأرفض أصـلاً ، لا تتوسّل ؛
فأنا لا أحب أن يتوسّل إليّ أحد .
اتجهت إلى الباب الآخر وركبت وهي تقول : حسناً ، انطلق إلى حيثٌ تشـاء .
قال هاياشي وهو يدير المفتاح بعفوية : أنا لم أعتقد بأنك هكذا أبـداً ، أيها الأمير .
التفتت ماكي إليه بدهشة : أمير ؟!
أدرك هاياشي خطـأه وأنه قد فضـح أمـره بنفسـه بزلل لسانه هذا فتعرّق وجهه وأدار محرّك السيارة بسرعة ،
همست لنفسها باستنكار " صحيح ، دائماً ينادونني هكذا ، بعض من كانوا في حفلات بزوغ نجمي ،
ومعلمي ، ورجال والدي ، رجال رينو ، لماذا ، مهلاً ، المنـظمة ..! "
قالت وقد تملكها الخوف من سرعة السيارة : أنت .. من منظمـة الدماء الحمـراء ؟
لما رأت سكوته وتغيّر لون وجهه صرخت بغضب : أيها الحقير ، أوقف هذه النفاية الآن ،
بسرعة أوقفها ، لن آتي معكم ، لن أسمح لكم بـأخـذ جـ ..
قاطعها هاياشي وهو يزيد من سرعته : نحن نحتـاجك للوصـول إلى هدفنـا ..
عليكَ أن تلتزم الصمت الآن ، ولاحقاً ..
سكت بخوف حين سمع أصوات الدرّاجات النارية العاليـة ، باغته قضيبٌ حديدي اخترق زجاج نافذته ،
في حالته الطبيعية كان سيصرخ ، يستجدي ، لكن لا ، إنه مستقبله ، حياته ،
كيف يمكنه أن يتوقف والمنظمة ستلفظه بعد أن يفعل ؟ سيقاوم حتى النهاية ،
سيحصل على الأمير ماكي الصغير ويأخذ ما يريده منه .
صرخت ماكي بغضب : سحقاً لك ، إن كنتُ أميراً أفلا تنفذ أوامري ؟ ستلقى عقابك .
رفعت قدميها واستندت على زجاج النافـذة وهي تتشبث بالعلّاق في سقف السيارة ،
ثم ركلته بكل قواها على رأسه وكتفيه ، فارتدّ على زجاج النافذة المحطّم ليتجرّح عنقه وتسيل دماءه ،
لكنه سرعان ما اعتدل في جلسته وهو يغمغم ويتوعّد ، استطاعت ماكي أن ترى كيزو من نافذة هاياشي ،
الذي ضغط على جرحه وزاد من سرعته وهو يصرخ بجنون مكرراً : لن أٌطرد !
التفتت ماكي على نافذتها بحيرة ، يجب أن تفعل شيئاً ، لديها قواها الذهنية ،
تستطيع العبث بهذه النافذة وتحطيمها ، صحيح ، قواها مفيدةٌ جداً ، لكنها صعبةٌ ومتعبة ،
ركّزت قواها وهي تشعر بالاختلال بسبب سرعة السيارة وسيرها الغير متوازن ،
لكنها ابتسمت بسعادة حين بدأ الزجاج بالتصدّع والتفكك ، وأخيراً تحطّم !
سمعت صرخة رينو الذي صاح : سنوقف السيارة ، لا تقلق يا ماكي ، لا تقفز من النافذة ؛
ستؤذي نفسك ، دعنا نتولى الأمر .
صحيحٌ أنه خبرٌ جيد لكنه نسف كل جهودها ، همست بغيظ : يجب أن أستسلم ، لا جدوى مني أبداً ،
ومالذي كنتُ سأفعله بعد تحطيم النافـذة بالفعـل ؟
كان هاياشي مدهوشاً جداً ، فإن كانت قوى ماكي خارقةً أكثر من والده فلماذا لا يتصرف الآن وينقذ نفسه ؟
لو كان والده هنا لقتله في جزءٍ من الثانية بعد أن يعرف أنه من المنظمة المعادية .
توقفت السيارة فجأةً بشكل أدهش هاياشي نفسه ، الذي بدأ يسب ويلعن ويضرب السيارة الغبية ،
رفع بصره لتقابله تلك النظرة الباردة ، القاتلة ، رينو الذي هبطَ من الهواء بخفةٍ وهيبةٍ كصقرٍ شامخ ،
خصلاته المتطايرة حول وجهه الوسيم ، قبضته المفرودةُ والموجهةُ للسيارة ، أهي من أوقفه بقوىً مجالية ؟
يا لهذه القوة .
تهشـم الزجاج الأمـامي فجأة فصرخ هاياشي بخوف وغطى وجهه بكفيه ،
أما ماكي فقد بدأ جسدها بالارتعاش بلا شعور ، فهي لم تَشهد مثل هذا المنظر من قبل ،
فتح كيزو بابها فقابلته نظراتها المشدوهة ، مد ذراعيه وحملها برّقةٍ وصمت ،
أحاطت ماكي عنقه بذراعيها ناشدةً الأمان ، وما إن شعرت به حتى فقدت وعيها .
كان هاياشي ينظر لرينو الواقف أمامه ، لكنه في ظرف لحظة كان جالساً القرفصاء على مقدمة السيارة مما أرعب هاياشي من سرعته الفائقة ، مدّ يده لوجه عدوّه وقال بصوته الهادئ : يا للطفي ، اسمح لي أن أسألك كيف تتمنى موتك ؟
ازرّق وجه هاياشي المرتجف ، ومرّ بذهنه إعجابه السابق برينو ، ازدرد لعابه وقال متلعثماً بينما صدره يعلو ويهبط : لن .. لن أخون الدماء الحمراء .
حكّ رينو شعره الأسود وقال : ماذا ؟ تريد الغرق في بحيرةٍ من الدماء الحمراء ؟
تمالك هاياشي نفسه وقال بين أنفاسه المضطربة : سحقاً لك .
كشّر رينو عن أنيابه ساخراً ووجّه سبابته إليه وهو يصفر مُطلقاً شعاعاً أبيضاً تلقاه جسد هاياشي الذي شخصت عيناه وفتح فمه محاولاً مقاومة ما يجري في جسده ، أصدر رينو صوتاً بانطباق شفتيه وقال : مات جندي ،
يا لها من خسارةٍ أن أتعب نفسي بشخصٍ ضعيفٍ مثله .
هوى على مقعد السيارة وارتخت قبضتيه ،
ارتخى كل شيءٍ فيه عدا عيناه اللتان شخصتا إلى رينو الذي لم يبدِ أي اهتمام ،
بل قفز من السيارة وقال وهو ينفض كفيه : اتصلوا بالشرطةِ وأخبروهم بمقتلِ هذا الجرذ ،
كي لا يتهموا أحداً بريئاً ، آه صحيح ، أخبروهم أن السيد رينو يقول أنهم سيلقون حتفهم إن جرّبوا تشريح الجثة ،
وكثّفوا القوات حول الأمير ، هذا ما لديّ.
تثاءب وهو يقول : أين ذهب كيزو ؟
أجابه أحد الرجال باحترام : لقد أخذ المدير إلى القصر .
دعك رينو رسغه وهو يهمس بصوتٍ غير مسموع : المكان أصبح خطراً ،
يجب نقل أميرتي من هذه الأكاديمية بسرعة فقد كُشفَ أمرها .
عاد يرفع صوته قائلاً : لا تنسوا سدّ فم ذلك الأبله المدعو جون ،
كونوا حذرين من جشعه وإن شكّل أي تهديد فـ .. اقتلوه !
في غرفة ماكي في القصـر ، صباح اليوم التالـي .
صاح كيزو بغضب : قلتُ لك ستبقى هنا أيها الأبله .
وقفت ماكي على السرير وهي تقول بعصبية : لا تتحكم بي ، أنا لستُ دميةً بيدكم تحركونني حيث تشاءون ،
سأبقى في أكاديمية هوشي حتى أتخرّج .
شدّ كيزو شعره بجنونٍ وهو يقول : كفى يا ماكي أنت لم تعد طفلاً .
التفت الاثنان على صوت الباب الذي فٌتح ليدخل منه السيد بونتارو الذي قال وهو يدلف إلى الغرفة بتثاقل : أجل ، لقد أصبحَ في سن التمرّد .
قطّب حاجبيـه وقال : كيف علموا بأمر تواجـدك في أكاديمية خالك ، فصلتنا شبه مقطوعةٍ به .
قال ماكي بضجر وكأنه تقول أمر بديهياً : يا إلهي بالطبع سيعلمون فقد أخبرتكم سابقاً أنهم هاجموني في الأكاديمية واتصلت برينو لينقذني ، ألا تذكران ؟
قال كيزو بسرعة : صحيح ، أنا أذكر ، لكن لماذا استغرقوا كل ذلك الوقت ؟
رفعت كتفيها وقالت وهي تجلس على السرير : لستُ أعمل معهم وإلا كنتُ أخبرتك .
التفت كيزو على السيد بونتارو وقال : أرجو أن لا تغضب من ماكي يا عماه ،
فلقد انسجم مع أصدقائه في الأكاديمية كثيراً وهو لا يقوى فراقهم .
لوى السيد بونتارو شفتيه قائلاً : أيرفض هذا الصبي الانتقال من تلك القمامة ؟
المفضلات