" الحلم .. الحقيقة ، معاني متضاربة لشيءٍ واحد .. يتداخلان بصورة مخلة تجعلك تتمنى هذا وترفض ذاك ، في بعض الأحيان تريد الحلم لدرجةٍ تفقدك التركيز على الحقيقة ، وأحيان أخرى تريد أن تغادر الحلم بأي وسيلة ، دائما كنت أتمنى أن أفيق على سرير وافر مريح ذا أغطية بيضاء باردة تحاول أشعة الشمس المتسللة من النافذة أمامي تدفئتها ، ستار أبيض خفيف يتراقص بفعل نسمات الهواء الباردة بين تارة وأخرى في يوم خريفي جميل ،صوت أمي وأبي بجدالهم المستمر حول من سيقرأ الصحيفة أولا ، وبكاء أخي الأصغر لأنه كسر لعبته الثمينة ، أفيق من واقعي بهذا كله وأضع يدي على قلبي لأقول : الحمد لله كان مجرد كابوس مرعب .. مجرد حلم .. لكن .. هيهات أن يحدث هذا .. "
***
جلسوا مجتمعين حول طاولة خشبية رديئة في مكان صغير ذا إضاءة صفراء باهتة ، رجلان في العقد العشرين ذوي ملامح غريبة لا كلمة محددة في وصفهم ، بشرتهم بيضاء لحد الشحوب وقد تلونت شفاتهم بلون أزرق باهت يضعون مساحيق العين بطريقة مبالغة ، بينما وقفت فتاة صغيرة ترتدي فستانا أبيضاً وذات شعر أسود غطته على وجهها ،وأخذت تدور حول نفسها وتدندن بألحان هادئة ..
قال أحدهم : تلك المنظمة التافهة هل ظنت فعلاً أنها ذات قوة لدرجة القضاء على ريتشارد – وقد كان يشير لنفسه بفخر –
توترت ملامح زميله بينما لازالت الفتاة تدندن بلحنها السخيف ، قال بعد برهة : ألا تظن لو أننا خففنا عدد الضحايا لكان أفضل ، بجدية أظنهم سيأتون فور سماعهم الخبر ..
وضع قدمه على الطاولة بقوة وحزم بابتسامة نصر : وهذا ما أريده ..
قالت الفتاة بحماس وهي تبتعد متراقصة حول نفسها : لا أحد يهزم ريتشارد القوي ..
ضربة قوية هزت الباب أمامهم ، فنظروا إلى بعضهم بريبة واستغراب ، بينما كانت الضربة الثانية دخول مفاجئ لشخص لم تظهر ملامحه بوضوح بسبب الظلام ، يقف ببرود أمام الباب مرتديا سترة خفيفة و بنطال أسود كما بدا لهم ..
ابتسم ريتشارد المعني بتحدي : دعني أحزر الوردة الحمراء ؟
رد عليه الشخص بصوت حازم لكن ببرود : دعني أحزر ستموت اليوم ؟
وقبل أن ينطق الآخر أي كلمة تفاجأ بذلك الرجل يطعن كل من فتاته وصديقه باستخدام خنجر كبير كان يمسك به ، ثواني معدودة تعد على الأصابع تحولوا إلى غبار اختلط بأرجاء الغرفة بسبب الباب الأمامي المفتوح والريح القوية بالخارج ..
تمتم ريتشارد بصدمة وشحوب : مستحيل ..
قال الشاب بنبرة طفولية مغيظة : أحلام سعيدة ..
***
" الحلم ، اليقظة ، الحقيقة ، الواقع ، مهما اختلفت المعاني والمصطلحات تعد تلك الكلمات مؤلمة ، حلم مستحيل ، يقظة مرعبة ، حقيقة صارمة ، وواقع ... ، لنقل فقط واقع مخيف فلا تعريف لما نعيشه في هذا العالم ، رغم أن الخوف من الغد لم يعد يشكل ثقلا كبيرا فينا "
بسط كفه على الجدار الأزرق أمامه بصمت بالغ وتناثرت على جسده المليء بالخدوش والرضوض هنا وهناك قطرات المياه الساخنة المنسابة بقوة وهي تمسح الدم من على كتفيه العرضين العاريين ، بينما لاح بخار الماء الدافئ يجول أروجة الحمام المغلق الصغير .. خرج من الدوش وهو يلف حول خاصرته منشفة بيضاء ، بينما رفع خصلات شعره الكستنائي الكثيف بأنامله للخلف وهو يدلك رأسه بخفة ، عينان بلون العشب الرطب وبشرة حنطيه مائلة للأبيض أكثر منها للأسمر .. وملامح حادة كنصل سيف فوق تفاحة ..
" يولد في كل زمان و مكان في العالم شخص أياً كان جنسه ، ذكر كان أم أنثى ، يحمل قدرات خاصة تمكنه من مواجهة الخطر ودحر الألم ، وعلى عاتقه مهمة حماية العالم من الظلام ، يسمى هذا الشخص مقاتل ظلام ، يبدو كلامي كقصص أطفال خرافية تُروى لغرض الخرافة لا أكثر ، لكن لسوء حظي .. ولدت مقاتلا "
خرج من الحمام وهو يضع المنشفة فوق رأسه ويحركها بخفه ليجفف شعره المبلل ، تقدم خطوات بسيطة ليدخل عالم غرفته الكئيب ، جدار قديم مسجج ، ستارة مشوهة هربت منها الألوان ، وطاولة بها علب من الصودا الفارغة وهاتف محمول وحيد ، بينما يتوسط الغرفة سرير صغير .. وكرسي خشبي قد بكى المرض في زاوية خزانة صغيرة علقت عليها بعض الملابس ..
وقف قليلا وهو يبعد المنشفة عن رأسه ويرميها على الكرسي ، ثم التقط هاتفه المحمول وفتحه ليرى إذا وصلت له رسالة ما أو مكالمة حينما كان يستحم ، فهو يأخذ وقتا طويلا بالاستحمام ..
قال هامسا " يبدو أن لا يوجد مهمة اليوم "
المفضلات