ما الذي يُكفِّر الكبائر ؟
وأما قوله عليه الصلاة والسلام : " خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " ، فهو محمول على الذنوب التي بينه وبين ربِّه تبارك وتعالى ، ويَصِحّ أن يُقال عنه إذا كُفِّرت ذنوبه كلها : أنه خَرَج مِن ذنوبه كيوم ولدته أمه ، ويُراد بها : الذنوب التي بينه وبين الله عَزّ وَجَلّ .
فإن قيل : الذي ولدته أمه ليس له ذنوب لا في حقّ الله ولا في حق الناس .
فالجواب أن يُقال : إن حرف الكاف في ( كَيَوم ) للتشبيه ، ولا يقتضي التشابه مِن كل وَجْه ، كما في تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم لرؤية المؤمنين لِربّهم يوم القيامة بِرؤية القَمر ليلة البَدْر .
وقد كان السلف يتحلّلون مِن المظالِم ، ويردّون الحقوق ، ويُؤدّون الأمانات إذا أرادوا الخروج للحج ، حتى يصدق عليهم ما جاء في مثل هذا الحديث مِن كل وَجْه .
وسُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن " مَن تركَ الصلاةَ عامدًا أو غيرَ عامدٍ ، ووجبتْ عليه الزكاةُ ولم يُزَكِّ ، وعاقّ والِديه ، وقَتَلَ نفسًا خطأ ، وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "مَن حج هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ خرجَ من ذنوبِه كيومِ وَلَدتْه أمُّه". وقد قصدَ الحج ، فهل يُسْقِط هذا جميعَه ومَظالِمَ العباد ؟
فأجاب رحمه الله :
أجمعَ المسلمون لا يَسقُط حقوقُ العباد كالدَّيْن ونحوِ ذلك ، ولا يَسقُط ما وَجب عليه من صلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحقّ المقتول عليه وإن حجَّ . والصلاة التي يَجبُ عليه قضاؤُها يَجبُ قضاؤُها وإن حَج. وهذا كلُّه باتفاق العلماء .
والله تعالى أعلم .
المفضلات