مشاهدة النتائج 1 الى 15 من 15
  1. #1

    || السَيِّدَة المَجِيدَة ||

    بسم الله الرحمن الرحيم ..
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..


    مدخل:


    يا أيها الكَلم العلى الشان
    يا من أضأتَ غياهبَ الإنسان
    فبذكر حرفكَ تطمئنُ قلوبُنا
    وبعلم نِحوكَ يستقيمُ لساني
    والنفسُ تدخلُ في محاريب الهدى



    لأنه يضيء النور بالعتمة, ويستحوذ على قلوب البشر, ويجذب إليه القريب والبعيد, نحبه ويحبنا, نتقرب به إلى مولانا وجنتنا, ذاك العظيم ربيع قلوبنا, إنه القرآن العظيم,

    الغالي المتعبد بتلاوته, المبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس.


    كأنه صدر حنون يضمنا إلى أحضانه ويحنو علينا,

    نتغنى بآياته كاللحن العذب, فضله علينا كبير, فهو شفيعنا في اليوم العظيم, وحامينا من لهب جهنم ومغيثنا,

    وهو الصديق الحميم الذي يشد على أيدينا, يمشي بنا لجنا النعيم, يجعل أفواهنا كالأترجة الطيب ريحها,

    به نعلو القمم, وبه نكون الأخيار,

    يعلمنا الأدب والحكمة والهداية, ولأنه العظيم الكريم يجب تعظيمه وتكريمه وصيانته.



    إنه مرآة المؤمن, يرى به ما حسن من فعله وماقبح, فيرى الحذر والخوف من العقاب, والرجاء والتقرب إلى مولانا.


    نتدبره ونتأنى بتلاوته, حتى تترسخ معانيه في قلوبنا وعقولنا, فترانا نعمل به ونتسابق على فضل إعلائه,
    وكما قال عز من قائل {إِنَّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذِكرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُون}

    فقد هيأ الله في كل عصر وفي كل مصر من يحمل لواء تعليمه وتدريسه, وميّزه عن سائر الكتب بالحفظ من التحريف والتبديل, وحثنا على حفظه, ويسر لنا ذلك, وأثنا علينا إذا حفظناه بأننا أهله وخاصته, وكفانا هذا الشرف والإفتخار به.

    ومن بين الرحل التي اصطحبنا بها معه, كانت رحلة جميلة لا تنسى إلى السيدة المجيدة سيدة آيات القرآن, من هي؟ أتعرفونها؟

    دعو ليلى تخبرنا عنها.

    من كتاب ليلى بين الجنة والنار

    للدكتور خالد أبو شادي.

    الرجاء عدم الرد (:


  2. ...

  3. #2
    آية الكرسي (السيدة المجيدة)


    ما كان لأحد أدل بطريق الجنّة من رسول الله (صلى الله عليه وسلم )

    لذا اسمع منه قوله صلى الله عليه وسلم : (( من قرأ آيه الكرسي دُبُر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت ))


    والسر في هذا الفضل هو المداومة على الذكر خمس مرات كل يوم وعدم الإنقطاع عنه, والأهم من ذلك هو عظمة آية الكرسي التي هي أعظم آي القرآن, فعن أبي كعب رضي الله عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم ) سأله : أي آية من كتاب الله أعظم؟ قال: آية الكرسي, فضرب النبي (صلى الله عليه وسلم ) في صدري وقال (صلى الله عليه وسلم ) : ( ليَهْنَك العلمُ أبا المنذر.. ليَهْنَك العلم أبن ابمنذر, والذي نفسي بيده إن لها لسانًا وشفتين تقدِّسان المَلِكَ عند ساق العرش

    ومن أسباب عظمتها اشتمالها على اسم الله الإعظم وهي فاتحة آل عمران وآية طه لاشتمالهم على صفتي الحي القيوم.

    قال (صلى الله عليه وسلم ): ((اسم الله الأعظم في سور من القرآن ثلاث: في البقرة وآل عمران وطه)).

    ومن أسباب عظمتها وتسببها في دخول العبد الجنّة أنها تطرد الشيطان وتُجير منه على مدار اليوم إذا حوفِظ عليها, وإذا طُرد الشيطان أقبل الملك بالإلهام, وفي الحديث : ((صدق الخبيث. يعني: الجني في قوله: يجير الإنسَ من الجن آيةُ الكرسي)).


    العظمة في جذر قلبك!


    وعلى الرغم من أن عدد كلمات آية الكرسي خمسون كلمة وجمها تسع جمل فحسب, لكنّها اشتملت على ثمانية عشر اسمًا لله تعالى ما بين ظاهر ومضمر, وكل جملة من جملها تغرس التعظيم والإجلال لله رب العالمين, وهو هدف الآية الأسمى على الإجمال, وهو هدف جليل سامٍ لو وصلنا إليه لنحلت كثير من عقدنا اليوم وزالت همومنا, ذلك أن جُلَّ التهاوي بالأمر هو من قلة تعظيم الآمر.


    ولذا كان من رحمة الله بنا أن حثَّنا على قراءتها ثماني مرات كل يوم وليلة:

    خمس عقب الصلوات المكتوبات, واثنتين في أذكار الصباح والمساء, والثامنة عند النوم, وكأنها والله جرعات تعظيم تنسكب في قلوبنا وفيوضات إيمان تغذّي عروق أرواحنا.


    ولنتأمل بقلوبنا ملامح عظمة الرب في كل جملة فيها لنقدّره قدره فنعظِّم أمره ونهيه:

    {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ

    كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَئودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}


    الرجاء عدم الرد (:
    اخر تعديل كان بواسطة » ṦĤΑΝΑ في يوم » 29-04-2010 عند الساعة » 15:15

  4. #3
    {الْحَيُّ}

    كلمة الحيّ معرّفة, والحيّ هو كامل الإتصاف بالحياة, لم يسبق وجوده عدم ولم يلحق بقاءه فناء, ولم يقل حيّ لأنها تفيد أنه من جملة الأحياء, فالتعريف دلالة على الكمال والقصر لأن الله له الكمال في الحياة وهو الذي يفيض على الخلق كلهم بالحياة, وقصرًا لأن كل ما عداه يموت, ولذا خاطب الله نبيه محمدًا (صلى الله عليه وسلم ) وهو حي بقوله:

    [الزمر:30].{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}

    قال قتادة : (( نعى إلى نبيه نفسه, ونعى إليكم أنفسكم)).

    والإنسان حين يربط سعادته أو أهدافه أو مصالحه بإنسان آخر يحتل منصبًا راقيًا أو مكانة مرموقة في المجتمع؛ يكون قد ارتكب في حق نفسه حماقة كبرى, لأنه ربط سعادته بميت؛ فإذا عُزِل أو سافر أو مات من اعتمد عليه ماتت معه طموحاته وآماله, أما العاقل فهمو من يربط مصيره بالحي الذي لايموت, قلا يعتمد إلاّ عليه:

    [الفرقان:85], {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ}

    فيكون السعيد حقًّا ويتفوق ويتميَّز ويترقَّى على الدوام دنيا وآخرة.

    اجعل بربك كل عِزِّك يستقر ويثبت

    فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزَّك ميِّت


    فنوع من الخبال أن تربط مصيرك بمصير مخلوق يموت, وذكاء وفطنة في الحياة أن تربط مصيرك بالحيّ الذي لا يموت, فحتى لو مت وكنت مع الحيّ فانت لم تمُتْ على الحقيقة

    وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتَا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرْزَقُونَ

    [آل عمران:169].




    {الْقَيُّوم} :

    وقرأ ابن مسعود وابن عمر وعلقمة والنخعي والأعمش : القيَّام, وقرأ علقمة أيضًا: القيِّم, وهي صفة مبالغة من القيام على الشيء ورعايته, ومن معاني القيوم:

    1- القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره, وما منّا أحد قائم بنفسه إنما هو قائم بربه وبربه فحسب, لأنه مثلًا لا يدري ما ينتظره بعد ساعة,

    بل لا يدري حتى بعد دقيقة, يسمح الله له أن يعيش أو لا يسمح,
    يُمِدُّه بالنفَس أو يقطعه عنه فيموت.


    2- أو القائم بتدبير أُمور الخلق من إِنشائهم ورزقهم وتحديد آجالهم وأَعمالهم, ولا قيام لأي موجود إلا به سبحانه؛

    حيث لا يُتصَّور وجود أي شيء ولا دوامه إِلا بإقامة الله له,
    فالقيومية هنا مشيرة إلى معنى الربوبية, والقيِّم في اللغة هو السيد الذي يسوس الأمور ويدبِّرها.

    3- أو هو الباقي بكمال صفاته على الدوام دون أي تغيير أو تأثر,

    فقد يكون الحي سميعًا بصيرًا لكن يعف سمعه وبصره بمرور الأيام,
    فيلزم لاتصافه بصفة القيوم بقاء السمع والبصر وكمالهما على الدوام.

    لكن لماذا هاتين الصفتين بالذات في الآية ((الحي القيوم)) وليس غيرهما؟!

    والجواب: لأن اسمه ((الحي)) مشتمل على جميع أسماءه الأخرى, فإن من لوازم الحي أن يكون قادرًا عالمًا سميعًا بصيرًا باقيًا إلى غير ذلك من صفات الكمال.


    واسمه ((القيوم)) دالّ على افتقار كل الخلق إليه؛ فينكشف للعبد عند تجلّي صفة ((الحي)) معاني جميع أسمائه وصفاته؛ وعند تجلّي صفة ((القيوم)) عجز جميع المخلوقات وافتقارها إليه.




    الرجاء عدم الرد (:

  5. #4
    {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ}

    لأن النوم أخو الموت, والله حي لا يموت, والسِّنة: النعاس الذي يتقدَّم النوم, أم النوم فهمو الإستغراق في السبات, وكلاهما منفيان في حق الله, وفائدة تكرار لا, في قوله

    {وَلَا نَوْمٌ}

    انتفاء كل من السِّنة والنوم في حق ربنا على كل حال, تقول: ما قام زيد وعمرو, بل أحدهما, فإن قيل: ما قام زيد ولا عمرو, فهذا معناه أن أيًّا منهما لم يقم, لأن الإنسان قد تأخذه سِنة دون النوم أو يأخذه النوم دون السنة.

    وفي أمثال العوام: النوم سلطان, والله لا سلطان لأحد عليه حاشاه, وأي خلق لو نام كان مغلوبًا على أمرخ مقهورًا؛ لأن النوم غلب النائم وقهره, والله هو القهّار لكل شيء.

    وهذا تأكيد لاسم القيوم بل ومن لوازم قيوميته, فإن من جاز عليه النعاس أو النوم استحال أن يكون قيّومًا, لأنه لو غفل لحظة لسقطت السماوات على الأرض فكانتا دكًّا, فقيام جميع الخلق بتدبيره وقدرته وحفظه وقيوميته.

    وأثر هذه الجملة في النفس أن يستشعر الإنسان الطمأنينة في كل حين وحال لأن الله تكفّل بأمره كله, فهو في رعاية الله التي لا تغفل عنه لحظة واحدة, فهل رأيتم تطمينًا أكثر من هذا, وهو أن يقول الخالق للمخلوق والإله للمألوه: ((ان أنت ملء جفنيك واسترح؛ فإن ربك لا ينام)).

    ومن أثره أيضًا أن يستحضر العبد مراقبة الله له في السر والعلن, وفي كل أحواله وأوقاته, خاصة في الخلوات حين يغلق عليه بابه, ويغيب عن أعين الخلق, فيستحي من رؤية الله له الذي لا يغفل عن دقيق منه ولا جليل ولو للحظة أو معشار لحظة.

    وفيها كذلك تسلية للمظلوم لأن الله يرى الظالم حين يظلم ويفجر لكنه يمهله لحكمة ويؤخره لأجل:

    نامت جفونك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم

    وليس مجرّد عدم الغفلة من سِنة أو نوم فحسب, بل مع هذا العلم: المُلك والسيطرة والقدرة, فلا يخرج شيء من خلقه عن سيطرته وتصرفه, حاشاه سبحانه, ولذا أردق الحق بقوله : { لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}

    ومن هذه الجملة فحسب تجني ثمارًا ثلاثة على الأقل:

    1- لا معبود غيره:

    لأنه مالك السماوات والأرض بما فيها بغير شريك ولا ند, فلا تنبغي عبادة غيره, لأن المملوك طوع يد مالكه وليس له خدمة غيره إلاّ بأمره.

    2-لا تذل لسواه:

    كيف يُسأل غيره؟! كيف تطلب الدنيا من غيره الذي لا يملك شيئًا والله وحده الذي يملك كل شيء, الله ليس على بابه حجاب ولا حرس والملوك والرؤساء يضعون الحُجّاب والحرس, الله يقبل منك سؤاله مهما أسأت وهجرت وهؤلاء البشر المهازيل يردّون عليك الإساءة بمثلها وبضعفها, إذا سألتهم شيئًا بعد إساءتك لهم زجروك وأهانوك؟! فكيف بعد كل هذا تذِل بسؤالهم ولا تعز بسؤاله؟!

    أنت خليفة الله ومالك عاريّة:

    قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ((ما منكم إلا ضيف وماله عارية, والضيف مرتحل, والعارية مؤداة إلى أهلها)).

    ومن ثم وجب أن تخضع فلا خلافتك بشروط المالك المستخلف لك على هذا المال, وإذا خرجت عن شروطه بطلت ملكيتك لماله, فالله هو المالك على الحقيقة وليس لك من المُلك شيء, بل كل ما في يدك مُعار لك في الأجل المرسوم ليحاسبك عما فعلت فيه.

    ولذا فإن النبي(صلى الله عليه وسلم) أوصى أمنا عائشة وضية تضمن لها النجاح في هذا الإختبار, فقال (صلى الله عليه وسلم):

    (( يا عائشة! لا تُحصي فيُحصي الله عليكِ))

    ولك ينس مؤذّنه بلالًا قائلًا:

    ((أنفق يا بلال! ولا تخش من ذي العرش إذلالًا)).

    وإذا رسخ هذا الشعور في الوجدان كان له أثر السحر في كسرة حدة التكالب المحموم على الدنيا؛ فلا يحترق القلب سعارًا على مُلك لا يملكه على الحقيقة, وسكب في النفس القناعة والرضا؛ فلا تذهب نفسك حسرات على ما فاتها من الحطام أو ضاع.

    نظر إبراهيم بن أدهم إلى رجل قد أصيب بمال ومتاع كثير وقع الكثير في دكانه, فاشتد جزعه حتى خولط في عقله, فقال له: ((يا عبد الله!! إن المال مال الله متّعك به إن شاء, وأخذه منك إن شاء فاصبر لأمره ولا تجزع))

    الرجاء عم الرد..

  6. #5
    { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاًّ بِإِذْنِهِ}

    ولأن له ما في السماوات وما في الأرض, فإن من تمام خلقه أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه؛ فكل الوجهاء والشفعاء عبيد له مماليك لا يُقدِمون على الشفاعة لأحد حتى يأذن هو لهم, إشارة إلى أنه لا أحد يستطيع أن يدفه ما يريده الله استكانة وتذللًا وسؤالًا فضلًا عن أن يدفع ذلك معاندة وخصومة.

    وهي توضّح مقام الألوهية ومقام العبودية يوم القيامة, فالعبيد جميعًا يقفون في حضرة الألوهية موقف العبودية الخاضعة؛ لا يتعدونه ولا يتجاوزونه, ولا يجرؤ على الكلام بين يديه أو الشفاعة عنده إلا من يؤذن له, في جو ممتلئ بالجلال والرهبة الذي تفرضه عليك صيغة الإستفهام الإستنكارية, وهي أقوى من مجرد النفي؛ لأنها توحي بأن أمر الشفاعة مستنكر أن يكون, فمن هو ذا الذي يشفع عند الله إلا بإذن الله؟

    إنه يوم الهول الأعظم الذي لا يجرؤ أحد وإن كان من أتقى العباد وخلّص الأنقياء على أن يتقدّم للشفاعة أو يتكلم فيه, وهل أتقى من الأنبياء؟! فحين يستشفع الناس إلى آدم عليه السلام أبي البشر الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه؛ يقول: لست هناكم, فيفزعون إلى نوح أول رسول بعث إلى أهل الأرض, ثم إلى إبراهيم خليل الرحمن, ثم إلى موسى كليم الله, ثم إلى عيسى كلمة الله وروحه, ليجدوا الكلّ يردّد نفس الكلمات: لست هناكم, وما هذا إلا من الخوف الشديد والهول الأعظم.

    والحق أنه لا أحد يشفع عند الله بحق واستحقاق لأن المخلوقات كلها ملك له, لكن يشفع عنده من أراد الله أن يظهر كرامته عنده فحسب, فيأذن له بأن يشفع فيمن أراد هو العفو عنه, كما يسند إلى الكبراء بعض المكرمات, ولنبغاء التلاميذ بعض المهمات, وهذا الإستثناء راجع إلى النبي (صلى الله عليه وسلم), فإنه مأذون في الشفاعة موعود بها, ولذا اعده الله لهذه المهمة الجليلة إعدادًا من نوع خاص وهو لا يزال بعد في دار في دار الدنيا. قال المناوي:

    ((من الحكم والفوائد التي اشتمل عليها رؤية المصطفى (صلى الله عليه وسلم) الجنة والنار الأنس بأهوال يوم القيامة ليتفرغ فيه لشفاعة أمته, ويقول: أمتي أمتي حيث غيره: نفسي نفسي)).

    وقد تكون الشفاعة راجعة لبعض صفوة المؤمنين كما يشفع الشهيد في سبعين من أهله, أو ممن يشاء الله كرامته من المؤمنين لذا قال بعض السلف: ((استكثروا من الإخوان, فإن لكل مؤمن شفاعة, فلعلك تدخل في شفاعة أخيك)).

    {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمُ وَمَا خَلْفَهُمْ}:

    وهذه الجملة تقرير وتكميل لما تضمنته جملتا: {الْحَيُ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ}, فإنمها دلّتا على علمه سبحانه بما كان, وقوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِم وَمَا خَلْفَهُمْ}, دلّ على علمه بما سيكون, فالمراد بما بين الأيدي: العالم المشهود, وما خلفهم يُراد به الغيب, فالله لعظمته يستوي عنده المشهد والمغيب, وهذا من شأنه أن يُحدِث في النفس هزة عنيفة حين تحس أنها تقف عارية أمام بارئها الذي يعلم عنها كل شيء ولا يخفى عليه منها شيء.

    وفيها لمسة خوف من الغيب الذي قد يحوي القتنوتقلب القلوب عن الهدى, فلا أحد يعلم على أي حال يموت ويختم له, ولا ما يخفيه له الغيب الذي لا يعلمه أحد إلاّ الله.

    وعلاقتها بالجملة التي سبقتها {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ}: أن الله يعلم أحوال الشافع الذي يشفع ودافعه ولماذا طلب الشفاعة, ويعلم كذلك المشفوع له وهل يستحق الشفاعة أم لا.

    {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءِ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ}

    فأنت لا تقدر على أن تحيط بعلم الله بعضه أو كله؛ ذلك أن معنى الإحاطة أن تعرف كل شيء, مثل محيط الدائرة, لكن ذلك لا يمنع أن يسمح لك أن تعلم جزئية ما, وهو ما توحي به كلمة (شيء) والتي تعني أقل القليل, فهو –سبحانه- يكشف للعباد عن شيء من علمه الذي يريد وبالمقدار الذي يريد؛ لكنهم ينسون هذه الحقيقة؛ فيفتنه ما أذن لهن الله بعلمه, فلا يذكرون ولا يشكرون, بل يتبجحون ويكفرون, وبقدر ما أذن الله للإنسان في العلم بقدر ما زوى عنه أسرارًا أخرى كثيرة منها سر الحياة, وسر لحظة الموت القادم, وزوى عنه سر الساعة كافة مشاهد الغيب, ليُعلِم الإنسان قصور علمه مهما بلغ, لذا كلما زاد علم العلماء أدركوا أنهم جهلاء, واعترفوا أن ما وصلوا إليه إنما هو قطرة في خضم بحرٍ عظيم, ليورّثهم ذلك الإيمان بالله والخشية منه ولابد:{إِنَّمَا يَخْشَى الَّلهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُاْ}, وفي هذه الجملة القرآنية تحدٍ واضح للجميع, فلو اجتمع البشر كل البشر فلن يحيطوا بشيءٍ من علمه إلا ما أُذن لهم به, وقد يكون هذا ( الإكتشاف) عن محض صدفة أو بعد بحث طويل وجهد جهيد, وكلاهما لا يتم إلا بقدرة الله.


    الرجاء عدم الرد..


  7. #6
    {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}:

    والكرسي: خلق من خلق الله يقع بين يدي العرش, ولشرفه سميت به الآية, وقد قال (صلى الله عليه وسلم): ((ما السماوات السبع في الكرسي إلاّ كحلقة بأرض فلاة, وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة)).

    أما العرش فخلق عظيم جدًا أعظم من الكرسي بكثير كما دلت الآيات القرىنية والأحايث النبوية, لذا لما نزلت آية الكرسي تعجّب الصحابة غاية العجب, فعن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال: (( لما نزلت :{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}, قالوا يا رسول الله!! هذا الكرسي فكيف بالعرش؟! فأنزل الله: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الزمر:67].

    ولعظمة العرش فقد أضافه تعالى إلى نفسه في قوله:

    {ذُو الْعَرْشِ}, ومن أوصافه في القرآن: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيةٌ} [الحاقة:17], وفي الصحيح أن أحد حملة العرش ما بين شحمة أذنيه وعاتقه خفقان الطير سبعمائة عام.

    والغرض من هذه الجملة أن تستشعر عظمة الله من خلال التعرف على عظمة بعض مخلوقاته, ولنتذكر أن هذا هو الهدف الذي تبنيه في النفس الجملة تلو الجملة في هذه الآية, والتعبير بصيغة الماضي {وَسِعَ} تدل على أنه وسعها بالفعل بعكس صيغة المضارع التي تعني إخبارًا ليس بالضرورة أن يكون قد حصل.


    {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}:

    ولا يشق عليه ولا يجهده حفظ السماوات والأرض إشارة إلى صفقة القدرة وكمالها وتنزيهها عن أي ضعف أو نقصان.

    {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}:

    وهي خاتمة الصفات في الآية, تقرر حقيقة تفرّد الله سبحانه بالعلو والعظمة, فالتعبير على هذا النحو يتضمن مرة ثانية معنى القصر والحصر, فلم يقل وهو عليّ عظيم, ليثبت الصفة مجرد إثبات.

    ولكنه قال:{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} ليقصرها عليه سبحانه بلا شريك! أي لا عليّ ولا عظيم غيره لأن من عداه مفتقر إليه, فلا علوّ له ولا عظمة.

    {الْعَلِي} في ذاته وصفاته لا يشاركه فيها أحد, {الْعَلِي} فوق الأشباه والأنداد, {الْعَلِي} علو وهر لجميع مخلوقاته, ذلّت له الرقاب, ولانت له الصعاب.


    قال الماوري:

    ((وفي الفرق بين العلي والعالي وجهان:

    أحدهما: أن العالي موجود في محل العلو وإن لم يكن مستحقًا للعلو, والعلي هو المستحق للعلو.

    الثاني: أن العالي هو الذي يجوز أن يُشارك, والعلي هو الذي لا يجوز أن يشارك.

    {الْعَظِيمُ}: وهي الإسم الذي يوجز لك آية الكرسي في كلمة واحدة, لتقطع به الخطوة الأخيرة إلى هدفك النهائي: التعظيم, وذلك لأنها تلخص ملامح العظمة الإلهية التي وردت بالآية, فهو سبحانه:


    العظيم في وجوده: {الْحَيُّ}

    العظيم في نفاذ حكمه وسيطرته: {الْقَيُّوم}

    العظيم في قدرته: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ}

    العظيم في سلطانه: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}

    العظيمفي هيبته: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}

    العظيم في علمه: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}

    أضف إلى ذلك ما يميز العظمة الإلهية الحقيقية عن العظمة البشرية الزائفة أن الله:

    ليس لعظمته بداية:

    على مستوى البشر يقولون: فلان هذا كان لا يملك شيئًا, وهو الآن عظيم بماله, وفلان ملك عظيم وقد كان جنديًا في بداية حياته, وفلان عالم جليل مع أنه كان جاهلًا في مقتبل عمره, فالعظمة البشرية لها بداية, أما العظمة الإلهية فلا إبتداء لها.

    ولا لعظمته حدود أو نهاية:

    فإنك إذا قلت فلان عالم عظيم فقد حصرت عظمته في ما وصل إليه من علم, أو هذا مربٍّ عظيم في التربية, أو طبيب عظمته في طبه, فالعظمة البشرية تظل محصورة في جانب من جوانب التفوق المحدودة, أما العظمة الإلهية فلا حدود لها, ولا حصر لجوانبها, ولا يعرف كنهها إلا الله.


    نسائم الأشواق: قال إسحق بن إبراهيم بدمشق على منبر دمشق: ((من آثر الله آثره, فرحم الله عبدًا استعان بنعمته على طاعته, ولم يستعن بنعمته على معصيته, فإنه لا يأتي على صاحب الجنّة ساعة إلا وهو مزداد صنفًا من النعيم لم يكن يعرفه, ولا يأتي على صاحب النار ساعة إلا وهو مستنكر لشيء من العذاب لم يكن يعرفه)).



    الرجاء عدم الرد ..

  8. #7
    أيها الأعزاء, نمشي طويلًا ولكن لا بد من نهاية !
    بالرغم من أن القرآن وفضله ليس له نهاية, فهو بحر لا ساحل له,
    ولكن هذا ما كان في جعبتنا,
    نسأل الله أن يثبته في قلوبنا ويرزقنا حفظه.
    وأتمنى من كل قلبي أن تكونوا قد استمتعم معنا (:

    سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

  9. #8
    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    ما اعظمه من آيه و ما اعظمها من كلمات
    بها معاني و عبر
    تحفظك من الشياطين و من الرقي الشرعيه ماذا اكثر من ذلك..؟

    بارك الله فيك اختي على المعلومات
    استفدتُ كثيراً من طرحك و لاسيما إني مِمن يحبون
    تفسير آيات القرآن لان ذلك يبعث على التامل و التدبر
    و هذان يقوين الايمان بالله
    فعلاً سيده مجيده

    تمنياتي لك بالتوفيق
    بحفظ الباري

  10. #9
    لــي عودة بإذن اللهـ..~
    عدت بحمد الله...
    بصراحة الموضوع زادني طمئنينة ...
    وحمّسني لقراءة هذه الآية مع استشعار معانيها الجمّة

    سبحان اللهـ العظيم
    فبارك الله فيك ونفع..

    جوزيت الجنّـة

    مع ألف سلامــة
    اخر تعديل كان بواسطة » فـــــــرح في يوم » 30-04-2010 عند الساعة » 16:27



    <3
    Up


  11. #10
    سبحان الله

    لقد استفدت حقا

    جزاك الله خير الجزاء
    .. doraemon]
    اسألني

    facebook
    ***

  12. #11
    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

    جزاك الله كل خير

    موضوعك قد اجاب على كثير من تساؤلاتي عن اية الكرسي

    بارك الله فيك

    وجعلك نفعاً للأمة
    {اذا رجعت خطوه الى الوراء فلا تيأس،
    لا تنسى ان السهم يحتاج ان ترجعه خطوه الى الوراء لينطلق خطوات نحو الامام
    .

  13. #12
    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

    ما اعظمها من آيه تؤخذ منها العبر

    تحفظك من الشياطين و من الرقي الشرعيه ماذا اكثر من ذلك..؟

    بارك الله فيك اختي على المعلومات

  14. #13
    بارك الله فيكـ وجزاك الله خيراً .... ^_^ .

    يعطيك العافية .

    تحياتي .

    في حفظ الرحمن .



    attachment


    لو أنني أوتيت كُل بلاغةٍ و أفنيت بحر النطق في النظمِ والنثرِ

    لما كنتُ بعد القولِ إلا مقصراً ومعترفاً بالعجز عن واجبِ الشُكرِ
    ^_^



  15. #14
    فعلا...هذه الآية هي أعظم أي القرآن على الإطلاق
    ..يحفظها الكثيرين لكن قلة من يتدبرون..وفقك الله وطهرك إلهي يارب وشكرا على الطرح..
    وصدق الله إذ يقول
    { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}
    سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ،،

  16. #15

بيانات عن الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

عدد زوار الموضوع الآن 1 . (0 عضو و 1 ضيف)

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  

مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter