قدم التلفزيون الوطني السويدي فقرة من 5 دقائق حول كيفية الحصول على تلفزيون ملون من خلال وضع جوارب "نايلون" أمام شاشة التلفاز. وتم تضمين الخبر شرحاً معمقاً عن الفيزياء الكامنة وراء هذه الظاهرة.
وفي العام 1980، أوردت هيئة الإذاعة البريطانية (bbc) خبراً عن التغيير المزمع في ساعة "بيغ بن" الشهيرة. وقال الخبر إن الساعة ستتحول من ساعة "عقارب" إلى ساعة رقمية.
وتحاول وسائل الإعلام أن تبتكر أساليب لإضفاء جو من البهجة في حياة الناس الذين أتعبتهم مشاغل العمل، ومتطلبات العيش المرهقة.
وفي هذا السياق، راحت "الغد" تداعب قراءها ومشتركيها يوم أمس، الذي وافق الأول من نيسان (ابريل)، من خلال خبر اكتسى طابع الجدية الموهومة، واعتلى الركن الأيسر العلوي للصفحة الأولى، وجاء تحت عنوان مثير حول "إغلاق منطقة قرب الجفر بعد هبوط أطباق طائرة فيها"، بعد أن تم "رصد كائنات ضخمة يبلغ طولها 3 أمتار وتتكلم لغة غير معروفة"!
وقد جاء نشر الخبر بقرار من مجلس التحرير الذي صاغ سيناريو الخبر ودعّمه بالإبهار التخييلي، ليكون جاذبا وغريبا ومكشوفا في الوقت ذاته!، بدلالة أن التعليقات على الخبر والتي وصلت الموقع الإلكتروني لـ"الغد" تجاوزت الألف تعليق (نشرنا بعضها) أدرك غالبية أصحابها أن الخبر "كذبة نيسان".
فكرة الخبر وراءها فلسفة ثاوية تشتبك (أولاً) مع كسر صيغة العلاقة التقليدية بين الإعلام والمجتمع، التي تقوم دوماً على نقل الأخبار الجادّة والروتين الخبري اليومي الواقعي والجاف، و(ثانياً) مع خصوصية المجتمع الأردني واللحظة الراهنة والحدّ من النمطية الجدّية التي يتعامل بها مع الأحداث والإعلام، وبخاصة بعد فترة من القلق والتوتر صاحبت نتائج التوجيهي واحتجاجات المعلمين والأزمة المالية ووطأة الظروف الاقتصادية، وجميعها أحداث تسيّدت المشهد الإعلامي خلال الشهور الأخيرة.
فالخبر/الكذبة النيسانية محاولة للانعتاق من سطوة الواقع وخلق مساحة للتندر والطرافة وروح المتعة والتساؤل.
ولم تكن الغد منقطعة الصلة عن ميراثها في كسر النمطية في الإعلام، وتقديم رؤية مغايرة للتصور المستقر في أذهان الكثيرين عن وظيفة "الإخبار"، فقد نشرت في الأول من نيسان (ابريل) من العام 2006، أيامَ كانت برئاسة الزميل أيمن الصفدي (مستشار جلالة الملك حاليا) تقريرا فيه قدر كبير من الدعابة والطرافة عن "محاولة تجهيز منسف عملاق وصولا إلى غينيس" وتضمن التقرير، الذي كتبه الزميل سعد حتر، وصفا لـ"خلاطات شاحنة لخضّ الجميد وقلابات لنقل الأرز".
وكان التقرير محفزا لبعض المؤسسات التي راحت تحاول،فيما بعد، تحويل وقائع التقرير"المختلق" إلى حقيقة.
وكان خبر الأطباق الطائرة، محاولة لتحرير الخيال، والبحث عن فضاء يضحك خلاله الناس، كما فعلوا حينما اتصلوا بنا، شاكرين الصحيفة التي أدخلت الدهشة والحيوية إلى نفوس الأردنيين.
ولم يكن اختيار منطقة قرب الجفر لتكون ميدانا للحدث المزعوم إلا محاولة للفت الانتباه إلى هذه المنطقة المنسية من برامج التنمية، والتي يجدر أن تكون في مقدمة أجندة المشاريع الحكومية المقبلة.
ومن البديهي أن صحيفة كـ الغد تتبنى قيم الحداثة والتنوير، وتعمل وفق الأعراف المهنية والمعايير الأخلاقية، لا تفكر أبدا بالمسّ بالأردنيين القابضين على جمر الصبر والكبرياء في الجفر، وبالعشائر هناك التي رفدت الدولة الأردنية بالكفاءات، ومدّتها بالتضحيات.
وعتب على الصحيفة مشتركون قالوا إنهم لم يتعودوا من الغد أن تقدم أخبارا غير موثوقة، فراح الزملاء مديرو التحرير يوضحون لهؤلاء المرامي النبيلة من وراء نشر خبر هدفه الإبهاج وبث الفرح، وليس تزوير الحقائق. كما ذكّر الزملاءُ بعض المتصلين الغاضبين بأمثلة عديدة توسلت بها وسائل إعلام عالمية لطبع الابتسامة على وجوه الناس.
ففي العام 2004، قدم برنامج في"جي إم تي في" الإنجليزي قصة تزعم بأن شركة مياه يوركشاير في انجلترا كانت تجرب حنفية مياه تؤمن حِمية غذائية. وزعم الخبر أن هذه الحنفية ساعدت أحد المستهلكين فعلاً على خسران رطل ونصف الرطل من الوزن خلال أربعة أشهر. وجرى تناقل الخبر، الذي ادعى أن بالإمكان إضافة "حنفية ثالثة" من هذا النوع إلى حوض المطبخ. وفي أعقاب تلك القصة، تلقت شركة مياه يوركشاير 10.000 طلب من مشاهدي البرنامج لتركيب خط الحنفية السحرية.
وفي مجلة "سبورتس إلستريتيد"، كتب جورج بملبتون مقالة في العام 1985 عن لاعب بيسبول يدعى "سيد فينتش" في نادي "نيويورك ميتس"، وزعم أنه يستطيع رمي الكرة بسرعة تبلغ 270 كليومتراً في الساعة بدقة متناهية. وعزا الكاتب هذه القدرة إلى تعلم اللاعب هذا الفن في دير بوذي.
ورغم أن خبر الغد عن الأطباق الطائرة صيغ بطريقة أريدَ منه أن يظهر ككذبة نيسان، إلا أن وسائل إعلام عربية وعالمية تناقلته، فضلا عن مواقع إلكترونية عربية بعضها متخصص بعلوم الفضاء، وقد صنفت وسائل إعلام خبر الغد بأنه واحد من ألمع الكذبات الطريفة والمدهشة والمحبوكة التي أوردتها الصحافة.
خبر الأطباق الطائرة المزعوم، ملأ الدنيا وشغل الناس، وأكد حضور الصحيفة المتنامي في الأوساط الشعبية والرسمية، ومنح الأول من نيسان بريقا استثنائيا لا يتكررمع سائر أيام العام. بيد أن ردود الفعل حول الخبر، الذي صدقه بعضهم كحقيقة لا نزاع فيها، يستدعي دراسة ومعاينة لتأثير الإعلام في تشكيل التوجهات الاجتماعية والنفسية والسياسية لدى الناس. كما يستدعي إماطة اللثام عن أثر الخيال والخرافة في اللاوعي الجمعي لدى البشر، مهما تباينت مستوياتهم الثقافية.
في الأول من نيسان (ابريل) 2009، وفي أعقاب برنامج الإنقاذ الاقتصادي لشركات السيارات، زعمت مجلة "كار أند درايفر" على موقعها الإلكتروني بأن الرئيس الأميركي باراك أوباما أمر شركتي "شيفروليه" و"دودج" بسحب تمويل nascark. وفي الأول من نيسان (ابريل) 2009، زعمت صحيفة "الغارديان" البريطانية بأنها ستكون الصحيفة الأولى التي تنشر محتوياتها حصرياً على موقع "تويتر".
وفي العام 2008، أوردت (bbc) خبراً عن اكتشاف مستعمرة من طيور البطريق الطائرة. وتم إرفاق الخبر بشريط فيديو مطول يعرض الطيور التي طارت من موطنها القديم إلى مكان جديد. وكانت المحطة ذاتها زعمت في أول نيسان (ابريل) من العام 2006 بأنه تمّ طلاء مقر رئاسة الوزراء "10 داوننغ ستريت" باللون الأحمر. وعرضت المحطة صوراً لعامل يحمل باباً أحمر اللون، وهو اللون الرسمي للحزب الحاكم آنذاك. وتم نشر القصة نفسها في صحيفة "ذا ديلي ميل" المحافظة واسعة الانتشار.
وترمي "كذبة نيسان" إلى التسلية والإمتاع في كثير من بلدان العالم، ففي المملكة المتحدة وأستراليا وإفريقيا الجنوبية، تدوم فترة "الكذبة" تقليدياً حتى الظهر فقط، ويطلق على الشخص الذي يطلق الكذبة بعد الظهر "أحمق نيسان". أما في بلدان أخرى، مثل فرنسا وإيرلندا وإيطاليا وكوريا الجنوبية واليابان وروسيا وهولندا والبرازيل وكندا والولايات المتحدة، فتستمر الكذبة النهارَ بطوله.
الغد جعلت أمس يوما مختلفا، وأيقظت مخيلة القراء وروح الدعابة لديهم، وبخاصة قراء الموقع الإلكتروني للصحيفة الذين تمنى أحدهم أن يكون الخبر "كزبة نيسان" خشية أن يغطي كما قال على الأرباح التي حققها فيلم "أفاتار"، فيما خشي آخر أن تكون هذه الكائنات قادمة لتصوير جزء ثان من الفيلم الذي بلغت إيرادات عرضه عالميا أكثر من بليوني دولار.
ومضى ثالث يؤكد، هازئا، أنه رأى الكائنات الفضائية بأم عينيه، وأنه كان خائفا من الناس التي كانت تركض كأن القيامة قد قامت. كما وَصَفَ الصحون الطائرة بأنها ذات لون كموني، ويصدر منها ضوء مثل البرق.
وبينما أعرب أحد المعلقين عن أمله أن لا يكون في الخبر إيحاءٌ بزيادة جديدة في الأسعار، راح آخر يُقسم أغلظ الأيمان بأن يقص يده إذا كان الخبر صحيحا، مستغربا كيف تمت رؤية تلك الكائنات الفضائية وسماع أصواتها من دون تصويرها. وعلق "روحو اضحكوا على أجانب، بس مش علينا"!
المفضلات