بسم الله الرحمان الرحيم .
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته .
إن الحمد لله ، نحمدُه و نستعينُه و نستغفرُه ، و نعوذُ بالله من شُرور انفُسِنا و من سيّئاتِ اعمالِنا ، من يهدِه الله فهُو المُهتد ، و من يُضلل فلا هادي له. و اشهد ان لا إله إلا الله و حدهُ لا شريك له ، و اشهد أن مُحمّدا عبدُه و رسوله ، صلى الله عليه و على آله وسلّم تسليما مزيدا .
أما بعد :
كُنّا قد شرعنا و إيّاكُم في أوّل الآيات من سُورة الإنسان فيما مضى ، و ها نحنُ نلتقي في هذه الوقفة بفضل الله تعالى لنستكمِل ما بدأناه ؛ و هذه نفحاتٌ أرسلناها لتحُفّ العباد فيزيدً بها العبد إيمانا إلى إيمانِه . و الله اسأل العون على ما قصدت ، و التوفيق لصلاح النية و القصد فيما أردت .
قال الله تعالى : { إنَّا أعْتدنَا لِلْكافِرِِينَ سَلاسِلاَ وَ أَغلاَلاً و سَعِيرًا } ، قال الشيخ السعدي - رحمهُ الله - في تفسيره : [ إنّا هيّأنا و أرصدنا لمن كفر بالله ، و كذّب رُسُلَه ، و تجرّأ على المعاصي { سَلاسِلاَ } في نار جهنّم ، كما قال تعالى : { فِي سِلْسْلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسلُكُوه} ؛ { و أغلاْلاً } تُغلّ بها ايديهِم إلى أعناقِهم و يُوثقُون بها . { وَسَعِيراً } أي : نارًا تستعِر بها أجسامُهُم ، و تُحَرّقُ بها ابْدانُهم { كُلّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُم جُلودًا غَيْرَهَا لِيذُوقُوا العَذَابْ } وهَذَا العذابُ دائِمٌ لهُم أبدا ، مُخلدّون فيها سرمدا ( دائما ) ] .
قال ابن جرير الطبري - رحمهُ الله - في تفسيره : [ يقول تعالى ذكرُه : إنّا أعتدنا لمن كفر نِعَمنا ، و خالف امرنا ، سلاسِل يُستوثقُ بها منهم شدّا في الجحيم ، { واََغلاَلاً } يقول : و تُشدّ بالأغلال فيها ايديهم إلى أعناقهم . و قولُه : { و سَعِيرًا} يقول : نارا تُسعّر عليهم فتتوقدّ ] .. و ذكر الطبري في تفسيره بأنّ هذه السلسلة : [ تدخل من دُبُرِه (اي الكافر) ، ثمّ تخرجُ من مِنْخريْه ] .
فائدة : إنّ الله تعالى : { لاَ يَرْضَى لِعِباَدِهِ الكُفْر } [ الزمر : 7 ] ، قال ابن عثُيمين - رحمهُ الله - : [ لكن يُقدّر ( اي الله سُبحانه ) أن يكفروا ، و لا يلزم من تقديره الكفر أن يكون راضيا به سُبحانه و تعالى ، بل يُقدرّه و هُو يكرهُه و يسخطه ] . فلولا وجود الكفر لما عرف الإنسان قدر نعمة الله عليه بالإيمان ، ولولا وُجود الكفر لكان خلقُ النار عبثا .. هذا و الله أعلم .
وبعد أن ذكر الله سُبحانه ما اعدّه لهؤلاء الأشقياء من جحيم أعقبهُ بذكر ما اعدّه من نعيم للسّعداء فقال سُبحانه : { إنَّ الأبْرارَ يَشْربُونَ مِنْ كَأسٍ كَانَ مِزاجُهَا كافورًا } . يُخبِرُ الله تعالى أنّ من أطاعهُ من عِباده بأداء فرائضِه و اجتناب ما نهى عنهُ بأنّهُم { يَشْربُونَ مِنْ كَأسٍ } وهُو كلّ إناءٍ كان فيه شراب . { كان مِزاجُها كافورا } أي : هذا الشراب الموجود بهذا الكأس خُلِط و مُزِجَ بكافور ، قال الشيخ السعدي : [ و هذا الكافور في غاية اللذة قد سلم من كلّ مكدّر و مُنغصّ موجودٍ في الدنيا ] .
و هُناك فرق شاسِع بين كافور الدنيا و كافُور الآخرة فقد قال ابن عبّاس - رضي الله عنهُما - : [ ما في الدنيا ممّا في الأخرة إلا الأسماء ] ؛ قال سُبحانه واصِفا أهل الجنّة بأنّهم : { كلّما رُزقُوا منها مِنْ ثمَرةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الذِّي رُزقنا مِنْ قبلُ و أُتُوا بهِ مُتَشَابِهًا} [ البقرة 25 ] فرُمّان الجنّة ليس كرُمّان الدنيا ، و على هذا فقِسْ .. و الله أعلم .
و قد ذكر أهل العلم بأنّ [ من ] الموجودة في هذه الآية للتبعيض و أنّ شُرْبَ أهل الجنّة على سبيلِ الترفُه و التّلذُذ ، و هي عادةُ المُترفين المنعمّين ، يشربُون بعض الكأس لا كُلّه . و قد دلّ ذلك على أنّهُم لا يشربُون عن ظمإٍ كما في قوله تعالى لآدم - عليه السلام - : { إنّ لكَ ألاّ تجُوع فيها و لا تَعْرَى * وَ أنّكَ لاَ تَظمَؤُا فِيهَا وَ لاَ تَضْحَى } [ طه 118 – 119 ] .



اضافة رد مع اقتباس






المفضلات