غسلت وجهي ويدي في المطبخ ووجدت المياه دافئة، فتحت النافذة وحدقت إلى الخارج،
فرأيت الارتفاع الشديد الذي نحن فيه، وبدت اسراب السيارات في الاسفل تسير ببطء خلال الشارع..
لكن عندما عدت وأغلقت النافذة، اختفت كل تلك الأصوات التي كانت تصدر من الأسفل.. أخذت أتجول في الشقة مستكشفة،
كان هنالك غرفتان اضافيتان لم أرهما في البداية، احداهما عبارة عن مكتب ومكتبة، بينما الأخرى مغلقة لم أستطع فتحها..!
بدت الشقة جميلة ومريحة ومرتبة تماماً.. لكنها خالية من اللمسات الأنثوية.. مما يؤكد أنها شقة شاب.. حسناً.. شاب!
وخفق قلبي بصورة غير مبررة، ففتحت النافذة التي تطل على الجهة الأخرى، فقابلتني نوافذ مغلقة لعمارة مجاورة،
وفناء واسع في الأسفل محيط بالمبنى.. سمعت صوت الباب يفتح، فعلمت أن ماري قد أنتهت..
وبقيت واقفة مستندة إلى النافذة أنتظر أن تعود إلي، حتى تعلمني لمن هذا البيت وماذا ستفعل بعد ذلك..
لكن الصوت الذي سمعته جمدني، كان صوت رجل! نعم.. هذا صوت جيمي.. التفتت إليه حيث كان واقفاً في المدخل،
وقد ضيق عينيه ينظر إلي متسائلاً، كان شعره مبعثراً بقعل الرياح، و لحيته نامية قليلاً مما اعطاه شكلاً جذاباً..!
بدا مدهوشاً للحظة، كأنه رأي شبحاً، لكنه سرعان ما تدارك ذلك وتقدم إلى الداخل، ألقى بنفسه على الأريكة وقال بلا مبالاة:
ــ أين ماري؟
ــ في الحمام..
قلت ذلك بهدوء، وأنا أتأمله ينزع قفازيه..نظر إلي مجدداً وتساءل:
ــ متى خرجتِ من المشفى؟
ــ الساعة التاسعة..
ــ ومنذ ذلك الوقت تتسوقان أنتِ وعمتي؟!
عقدت حاجبي، كنت منزعجة منه.. منزعجة ومتضايقة وغاضبة وأرغب بالبكاء..! قلت بحدة:
ــ كلا لم نكن نتسوق، التقيتها بالصدفة في الشارع وأحضرتني إلى هنا.. هل هذه شقتك؟
ــ نعم..
قال ذلك ونزع سترته، فسألته:
ــ أهذه شقتك؟
ــ هل أعجبتكِ؟
حدقت إليه بدهشة، لماذا يسأل سؤالاً كهذا! أجبت وأنا احرك كتفي:
ــ إنها جميلة ومريحة..
ــ لكن..؟
حدقت حولي بتأمل وقلت:
ــ تفتقد بعض الدفئ..
ــ أتعنين أنها لن تكون مناسبة لزوجة وأولاد؟
شعرت بمعدتي تؤلمني، وحاولت ألا أتكلم باختناق:
ــ إنها جيدة كبداية.. لكن عندما يصبح لديك أطفال، يمكنك شراء منزل أكبر وفي الضواحي..
ــ آه أنتِ محقة..
ــ إنها تعجب إل جي بكل تأكيد..
هز رأسه ولم يقل شيئاً.. ثم نهض متجهاً إلى غرفة نومه، أو هكذا أعتقد..! وشعرت بالغضب والضيق،
إنه حتى لم يسألني عن حالي، ولم يأتِ لزيارتي منذ ما يقارب الأسبوع، كما أنه.. أنه.. لم يبد حتى مهتماً..!
أعلم ستقولون أنه ليس من المفترض به أن يبدي إهتماماً بأية فتاة مادام مخطوباً، وخصوصاً فتاة لا يعرفها.. مثلي أنا!
لكننا كنا صديقين.. وهو لا يذكرني! أعلم ردكم على هذا أيضاً.. وماذا لو كنا صديقين ذات يوم.. يتفرق الناس في كل لحظة،
ليس من المفترض اذا كنت قد عرفت شخصاً في مرحلة ما من حياتي، أن يقترن بي إلى الأبد..!
قاطع أفكاري صوت ماري التي خرجت وهي تجفف يديها وترفع كميها متسائلة:
ــ هل عاد جيمي؟ أخالني سمعت صوته..!
ــ نعم لقد عاد.. ودخل إحدى الغرف.. لم تخبريني أن هذه شقته؟
ــ وما المشكلة في ذلك؟
واتجهت إلى المطبخ حيث الأكياس، فقلت وأنا ألحق بها بغيظ:
ــ ربما يتضايق من وجودنا هنا.. أعني نحن نتطفل على..
قاطعتني وهي تخرج شريحة من لحم البقر:
ــ هراء..! جيمي لن يفكر هكذا.. تعالي وخذي هذين الكيسين من هنا.. إنهما لك..
ــ لي؟!
ــ هيا أسرعي..
تناولت الكيسين منها، ثم أعطتني علبة كبيرة مغلفة لأحملهم جميعاً بيد وادة، وأشارت نحو الأريكة:
ــ اذهبي وافتحيها..
تجاهلت موضوع الأريكة وجلست على السجادة براحة وفتحت الكيس الأول لأجد فيه ثوباً صوفياً جميلاً،
بلون الكريما الفاتح مع بنطال صوفي داخلي سكري اللون، ومعطف ووشاح..! بدت لي أشياء جميلة بشكل مثير..
أشياء كنت أرى الفتيات دايماً يحببن ارتدائها، لكنني لم أفكر يوماً في ارتداء ثوب كغيري، ماعدا أثواب النوم طبعاً..
وشعرت بنوع من الحماس الطفولي.. وانا أجد علبة صغيرة في قاع الكيس،
ودهشت وانا أفتحها لأجد محبس شعر كرستالي مع قرطين مناسبين له،
ثم فتحت الكيس الآخر والإثارة تتلبسني لأجد بنطلوناً مخملياً أسود وبلوزة صوفية جميلة مع كنزة وردية بقبة واسعة..
وتنورة رمادية مع معطف أزرق قصير.. أحببت أشكال الثياب بشدة، واتجهت لأفتح العلبة المتبقية، كانت تحوي مجموعة من الثياب الداخلية،
وحذائين جميلين مناسبين للثياب، وجزمة متوسطة الطول، مع اشياء صغير أخرى مفرحة لأية فتاة، قلت بدهشة وأنا أقلب ذلك كله:
ــ هل هذه الأشياء لي حقاً؟
ــ نعن نعم - قالت ماري بانشغال – فأنت طفلة حمقاء وأنا لم أعدت أحتمل رؤيتك ترتدين تلك الثياب غريبة الأطوار طوال الوقت، فهذا يستفزني..
رفعت حاجبي وودت التعليق، لكنني أحجمت عن هذا وقلت بخجل:
ــ حسناً شكراً لكِ عمتي.. سأتوقف عن ارتداء الأشياء الغبية..
كلا.. هذه ليست أنا..! ألا تشعرون بذلك؟ لكنن ماري قالت بانتصار:
ــ بالطبع ستفعلين، فلو أنك عدت إلى ارتدائها فسوف أحرقها جميعاً.. تلك الثياب القبيحة..
انها تبالغ قليلاً، لم تكن ثيابي قبيحة! حسناً كانت غريبة قليلاً ومتنافرة لكن هذا لا يعني شيئاً،
رغم ذلك كنت أشعر بالفرح مما منعني عن التعليق بجلافة.. ! كان هذا مفرحاً حقاً.. أن يقدم لك شخص ما هدية،
فأنا لم أكن أتلقى الكثير من الهدايا في حياتي، أو فلنقل لم يكن هنالك من يقدمها لي..!
أخيراً أعدت كل شيء إلى الأكياس ووضعتها جانباً ثم نهضت لأساعد ماري في إعداد الغداء الشهي، الذي وعدتني به!
✖




اضافة رد مع اقتباس


!
!!
؟!



المفضلات