بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله خالق الإنسان ، مبدع الأكوان ، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير .
وصلى الله وسلم على نبينا وحبيبنا محمدٍ عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم .
دنيا فآنية .. !
عبآرة لطالما ترددت عبر مسامعنا ، ومع ذلك لم نزل متشبثين بها ، لاهثين خلف زخرفها ، طامعين بملذآتها ، وربما غآفلين عن دار البقاء .
ويكفينا قوله تعالى : { يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ } غافر / 39 .
متاع زآئل ، ودنيا دنية لاتستحق تعلق قلوبنا كمؤمنين بها وإنشغالنا بها عن الآخره فهي كمآ جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال [ مالي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها ] رواه أحمد من حديث ابن مسعود / والترمذي وقال : حسن صحيح .
نوح عليه السلام لبث يدعوا قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ،
فتأملوا كم عآش في هذه الدنيا عليه السلام ، ثم تأملوا ماذا قال حين سئل عنها :
روى ابن أبي الدنيا في "الزهد" بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :
جاء ملك الموت إلى نوح عليه السلام ، فقال : يا أطول النبيين عمرا ! كيف وجدت الدنيا ولذتها ؟ قال : " كرجل دخل بيتا له بابان ، فقام في وسط البيت هنيهة – القليل من الزمان - ، ثم خرج من الباب الآخر "
سأل أحد الملوك أحدَ العلماء : لماذا نخاف الموت ؟
فقال العالم : " لأنكم خربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فلاتحبون أن تنتقلوا من العمرآن إلى الخراب "
وصدق الحسن البصري - رحمه الله - حين قال ( ياابن آدم : إنما أنت أيام ، فإذا ذهب يومك ، ذهب بعضك )
فعلا والله لقد صدق القول ، كل يوم يمضي من أعمارنا يدنينا إلى قبورنا أكثر فـ أكثر .... !
ونحن في غفلة ساهون !
أما تسآئلنا إلى متى هذه الغفلة والتشبث بالفاني عن الباقي ؟؟؟ !
كلنا رآحلون لامحآله ، اليوم .. غدا ، بعد شهر سنه عشره .. في النهاية كلنا إلى ربنا عآئدون
سبحان ربي ، فقد قال عز وجل : { أفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ } المؤمنون / 115
وقال : { وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } البقرة / 281
آيآت عظيمه تزلزل قلب من أمعن فيها النظر ، وتدبرها.
لو سألت أحدهم يوماً
مالغاية التي خلقنا من أجلها ؟
لأجابك دون تردد : عبادة الله وحده ، وربما يسترسل ويتلو قوله عز وجل [ وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ]
حتى لو كآن هذا الإنسان عاصياً .. هو ، وأنت ، وكلنا نعلم يقيناً الغاية من وجودنا هنا في هذه الدار ،
ونعلم يقيناً أننا عآئدون لا محآله إلى الله ،
ينتظرنا يوم عظييم ليس كأيامنا هذه ،
تنشر الصحف ، وتعرض أعمالنا فيه نحاسَب عليها ثم نجازى إن خيرا فخير وإن شرا فشر .
كان عمر رضي الله عنه يقرأ ذات يوم { إذا الشمس كورت } وما إن وصل إلى قوله تعالى { وإذا الصحف نشرت } خر مغشيا عليه .
هذا وقد بُشر بالجنة رضي الله عنه .
فكم مرة مرت علينا هذه الآية ، وغيرها من آيات تعرض أهوال يوم الحساب ولم نحرك ساكناً . !
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : " لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال : عن عمره فيم أفناه , وعن شبابه فيم أبلاه , و عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه , وعن علمه ماذا عمل فيه "
هي حقيقة لاتخفى على أحد .. لكننا للأسف ربما قد تغافلنا عنها .
متى نحآسب أنفسنا ، متى نحثها على الإستزاده من الخير ، متى نردعها عن اقتراف الذنوب ؟
إذا جائت سكرة الموت ؟
هيهات ينفع الندم ،أو أن تنفع التوبة حينها .
غداً سنندم على كل تسويف ناتج عن طول أمل وركون الى الدنيا .
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى
.................. ولقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله
................. وأنك لم ترصد كما كان أرصدا . !
قال بعض الحكماء: كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره، وكيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله، وتقوده حياته إلى موته.
ماذا أعددنا ليومٍ تشخص فيه الأبصار ؟!
سؤال نحتاج الى تكراره بعد نهاية كل يوم ..
ماالذي جنيته في يومي هذا ؟
أعملا قربني الى الجنة أم هو قربني الى النار والعياذ بالله - أجارنا الله وإياكم منها - .
مرّس نفسك على محاسبتها كل يوم ، رآجع حساباتك في كل ليلة ،
وتذكر قوله تعالى : { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ } القمر / 53
كل كلمة ونظرة وخطوة ستحاسب عليها ، وماكان خيرا فخير ، وماكان شرا فشر .
وقد بين ابن قدامه المقدسي - رحمه الله - كيفية محاسبة النفس بقوله :
" المحاسبة أن ينظر في رأس المال ، وفي الربح ، وفي الخسران ، لتتبين له الزيادة من النقصان ، فرأس المال في دينه الفرائض ، وربحه النوافل والفضائل ، وخسرانه المعاصي ، وليحاسبها أولا على الفرائض ، وان ارتكب معصية اشتغل بعقابها ومعاقبتها ليستوفي منها مافرط " .
فحاسب نفسك ..
هل أديت حقوق الله ووآجباته كما يجب ؟!
صلوآتك أكانت بقلب خاشع ، أم كانت جوفاء بلا روح ،
وكل حق لله عليك
كيف تقوم به ؟ وعلى أي وجه ؟!
وماذا عن حقوق العباد ؟!
هل سلم إخوانك وأهل بيتك والمسلمون من لسآنك ويدك هذا اليوم ، أم أنت قد شتمت هذا ، واغتبت هذا ، وظلمت هذا وذاك .
أيقظ النفس اللوامة فيك دآئماً ، رآجع حساباتك يوما بيوم .
فلنا في اليوم 24 ساعة ، اذا مضت ساعة منها لن تعود وكذلك ان مضت كلها هيهات لها من رجوع .
تستطيع أن تجعلها لك زآد خير ينفعك ، وتستطيع أيضاً أن تجعلها عليك زآد شر يهلكك .
- إذا صليت صل صلاة مودع ،فإذا صلحت صلاتك ، فهي ستنهاك عن الفحشاء والمنكر ، استشعر عظم من تقف أمامه ، وتخيل بأن هذه آخر صلاة لك في هذه الدنيا .
ولا تغفل عن النوافل .
- واحفظ لسآنك فقد يكون سببا في هلاكك والعياذ بالله ، قبل أن تُخرج الكلام تأمل جيدا من سُيسجله الملك الذي عن يمينك ، أم الذي عن شمالك !!
عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: قلت : يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار قال :
[ لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله -تعالى- عليه
تعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت
ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ألا أدلك على أبواب الخير؟
الصوم جنة ، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ، وصلاة الرجل في جوف الليل ، ثم تلا قوله -تعالى-: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ حتى بلغ: يَعْمَلُونَ
ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه ؟ قلت : بلى يا رسول الله ، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله،
ثم قال:ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ قلت: بلى يا رسول الله. فأخذ بلسانه وقال : أمسك عليك هذا . قلت : يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ قال : ثكلتك أمك يا معاذ ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ] رواه الترمذي .
- فاجعل لسآنك رطباً بذكر الله عز وجل دآئماً وأبداً ، خاصة في أوقات الإنتظار ، كما يكون في المستشفيات والمواعيد وغيرها ، أو اجعل مصحفك دائما معك واستغل مثل هذه الأوقات الفارغة بقرآءة ماتيسر من القرآن .
قال بعض السلف : يُعرض على ابن آدم ساعات عمره ، فكل ساعة لم يذكر الله فيها تتقطع نفسه عليها حسرات .
لك الحمد ربي ، فأبواب الخير كثيره ولكننا قد نغفل عنها .
من إفشاء السلام ، والإبتسام ، ولين الكلام ، ومد يد العون لإخوانك ، والصدقه ولو بيسير ............. وغيرها الكثير .
لذا اغتنم الفرص قبل فواتها
وجدد نيتك دآئما ، وأخلصها لله تعالى ، واجعل من المبآحات والعادات عبادات
كيف ؟!
اجعل طعامك وشرابك ونومك نيةً للتقوي على طاعة الله .
قال بعض السلف: من سره أن يكمُل له عمله, فليحسن نيته, فإن الله عز وجل يؤجر العبد إذا أحسنت نيته حتى باللقمة.
واجعل اتصالك في صديق أو قريب نية في ادخال السرور على قلبه ، بشرط أن تبتعد عن لغو الحديث وعن القول المحرم من غيبة ونميمه وما ماثلهم .
واغتنم أي اتصال أو اجتماع بذكر فائدة مرت عليك أو قرأتها فقد تؤثر في أحدهم ، وقد تثقل ميزان حسنآتك يوم الحساب .
وغيرها الكثير الكثير من المباحات ، تستطيع بنيتك وإخلاصك لله أن تجعها عبادة وزآد خير لك .
فرص الاستزاده من الخير كثيره ولله الحمد .
فالله عز وجل كريم بعباده ، وكم من عمل يسير يجازينا عليه بالكثير الكثير سبحانه
فقد يموت من بالعشرين من عمره ، وزآده كمن عآش مئات السنين أو أكثر .
فهنيئا لمن اغتنم الفرص ، وتزود خيراً وجاهد نفسه على ذلك .
قال ابن قدامه - رحمه الله - في مختصر منهاج القاصدين : " إذا فرغ العبد من فريضة الصبح ، ينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشآرطة نفسه ، فيقول للنفس : مالي بضاعة الا العمر ، فإذا فني مني رأس المال وقع اليأس من التجاره وطلب الربح ، وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله فيه ، وأخر أجلي وأنعم علي به ، ولو توفاني لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا لأعمل صالحا ، فاحسبي يانفس أنك قد توفيت ثم رددت فإيك أن تضيعي هذا اليوم "
وقد أفلح من كانت الآخره هي أكبر همه ، وسعى جاهدا لها ، ولم ينسى نصيبه من الدنيا ، ووفق بين ماله وماعليه .
قَالَ سَلْمَانُ لأبي الدَّرْدَاءِ: [ إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ صَدَقَ سَلْمَانُ] رواه البخاري والترمذي .
لنرآجع حساباتنا ، ولنصلح من أنفسنا ، ولنتزود من الخير ، ولنقلع عن الشر ، قبل الرحيل .
اللهم لاتجعل الدنيا هي أكبر همنا ، ولامبلغ علمنا ، ولا الى النار مصيرنا ، واجعل الجنة هي دارنا ومقامنا
اللهم بصرنا بعيوبنا ، ونور قلوبنا ، وأصلح أحوالنا ، واهدنا الى صراطك المستقيم .
والحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات
فإن كان صوابا فمن الله وتوفيقه
وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .




اضافة رد مع اقتباس


, 













المفضلات