.:[ الفـصـل العـاشـر ]:.
فـتح آدم عينـاه الرمـاديتـان ببـطء .., تقلـص بؤبؤه عينـه ثـم مـال برأسـه قليـلا ليُـبعـد ضوء الشمـس
عـن وجهه .., تأمـل غرفـته قليـلا ثـم أعـاد رأسـه إلى وضعيـته السـابقـة نظـر إلى السمـاء متناسيـا أمر
كل شـي .. ليسـرح بـكيانـه بعيـدا عـن عـالمنـا ليغـوص في بحـر ذكرياته ..
كـان ذلـك عنـدمـا كـان آدم ما يـزال فـي الربيـع الثـاني عشـر مـن عمـره .., رفـع رأسـه للسمـاء
الصـافيـة التـي نـاقضـت بشـدة تفكيـره .. مـا يـزال أمامه طريـق طويـل ليتعلمـه , ربـتت كـاثريـن على
رأسـه وأردفـت بهـدوء :
_ ما الأمـر ؟
_ كـاثي .. هـل يمكنني أن أسألـكِ عن شيء مـا ؟
التفـت إليهـا ثـم هتـف :
_ لمـاذا .. اخترتني بيـن جميـع الأطفـال في .. الملجـأ ؟
اتكأت بكفيـها علـى المقـعد الخشبـي وابتسمـت قـائـلة :
_ لأنـك كنـت مميـزا .. كلا ما تـزال مميـزا !
ظهـر الاستغـراب علـى وجهه لكنـه لم يقـل أي شيء .., نهضـت عن المقعـد ثـم أردفـت :
_ لا بـأس يـوم مـا ستفهـم ما أعنيـه ..
ظهـرت لمحـة أخـرى من ذكريـات آدم .. وهـو يجلـس علـى أحـد مقـاعـد المشـفى ورائحـة
المعقمـات ملأت أنفـه حتـى كـاد أن يتقيـأ منهـا .. شـد قبضـة يـده لعـله يلتمـس بعـض القـوة التـي
تـركتـه الآن عنـدمـا يحتـاجهـا بشـدة , كانت عينـاه الرمـاديتـان تـذرفـان الدمـوع الـتي أبـتْ أن
تتوقـف .. مسحهـا بخشـونـة وهـو يهـز رأسـه بقـوة .. ثم همس بصوتٍ مكتـوم:
_ كلا! .. لـن أبكـي ..
صـوت بـاب غرفـة العمليـات جـذب رأس آدم كالمغنـاطيـس لكـن لـم يسمـح لـه جسـده بالنهـوض ,
كـان آدم خـائفـا من أن يعلـم .. ماذا كـانت النتيجـة .. ماذا حـدث لهـا ..
راقـب تحركـات الطبيـب ها هـو يخـلع القنـاع ويـُحدث فرانـك - زوج كـاثريـن , هـز فرانـك رأسـه و...
انتفـض آدم وهو ينهـض , وضـع يـده علـى جبيـنه ليجـده متعرق قليـلا , زفـر بشـدة كمـا لو أنه
يـريـد أن يخـرج الهـواء من رئتيـه ولا يعود .., حـرك شعـره بعصـبية ثـم نهـض من سـريـره متوجهـا
إلى البـاب ..
.. ... ....
وفـي نفـس ذلـك الوقت في فصـل تكون من 27 طـالبـا بالإضـافة إلى معلم الكيمـياء .. كانت تيـرا
تـرسـم على أحـد الدفـاتر التـي احتلـت مكتبـها بشكـل عشوائـي .., ظهـر تدريجـا ظـل لأحـدهم
علـى سطـح مكتبهـا عبسـت تيـرا وأردفـت :
_ يـا هـذا! .. إنـكَ تحجـب الضـوء عنـيّ ..
أجـاب بسخـريـة :
_ حقـا ؟ ..
تجمـد الـدم فـي جسـد تيـرا وتصلبـت كالحجـر ثم التفتت إليـه ببطء ثـم هتفـت :
_ م..معلـم .. هنـري ..؟!
_ إنه كيفيـن !
انتفضـت تيـرا من صـوت المعـلم الغـاضـب لكـن ذلـك لـم يكـن شيئـا جـديـدا , دائـما ما كـانت تيـرا
تُـوبـخ من قبـل معلـم الكيميـاء .. أردف المعلـم غاضبـا :
_ تيـرا أنتِ ...
_ المعـذرة ؟
التفـت الجميـع نحـو البـاب لتظهـر سكرتيرة المـدير "الحسنـاء" كمـا يلقبـها معلم الكيميـاء سـرا ,
ارتسمـت ابتسـامـة صغيـرة على خـدهـا ثم ما لبثـت حتـى قـالت :
_ هـل يمكننـي أخـذ تيـرا تـيرا لوقـت قصيـر ؟
علـت عـلامـات الارتبـاك وجـه المعلـم وأجـاب متوتـرا :
_ حسنـا .. يمكنـك ذلـك ..
وقفـت تيـرا وقـد رفعـت حـاجبهـا باستغـراب كمـا فعـل ذلـك البعـض في ذلـك الصـف ..
_ مـرحـبا ؟
_ تيـرا لقـد طـرأ أمـرا مـا ..
ظهـرت عـلامـات القلـق علـى وجه تيـرا لكـن صـوت أمهـا عـاد سريعـا خـلال الهـاتـف :
_ لقـد طـرأ أمـر ما فـي الشـركـة .. لـذا سـوف أسـافـر الآن ..
شـدت تيـرا علـى قبضتهـا وأردفـت :
_ ماذا عـن إيفـان ؟
_ السيـدة فـوكـس سـوف تـأخـده لمنـزلهـا لـذا يمكنـكِ العـمل ..
تنهـدت تيـرا بصمـت ثـم أجـابت :
_ حسنـا .. كونـي حذرة أمـي ..
_ .. اهتمـي بـ إيفـان جـيدا ..
وأغلقـت الخـط دون أن تلقـي بـالـا لمـا قـالتـه تيـرا للتـو , لـم يبدِ التـأثـر علـى تيـرا مطلقـا فهـذا ما
اعتـادت عليـه .., أعـادت سمـاعـة الهـاتـف إلى حيـث تنتمـي وخـرجـت من مكتـب السكرتـيرة
متـوجهـة إلـى الكـافيتيـريـا ..
.. ... .... .....
كـان الوقـت حينهـا بالظهـيرة والسـيدة فوكـس (ماري) .., تمسـك بيـد إيفـان الذي كـان
يتنـاول المثلجـات .., ألقـت مـاري نظـرة على إيفـان ثم ابتسمـت قائـلة :
_ من الجيـد أننـا أحضـرنا الكثيـر من المثلجـات .. من أجـل أختـك أيضـا.
أومـأ إيفـان ثـم أردف :
_ نعـم لأنهـا تُحـب المثلجـات كثيـرا ..
زادت ابتسـامتهـا وهمـس في سـرهـا :
_ إنهـا حقـا فتـاة لطيفـة ..
صعـد كليهمـا الدرجـات القليلـة حتـى يصِلـوا إلى بـاب منـزل مـاري وزوجهـا .., فتحـت مـاري الباب
قـائـلة :
_ مـا رأيـك عزيـزي إيفـان أن نُعـد البسكـويـت من أجـل أخـتك الكبيـرة بعـد أن تتنـاول الغـداء ؟ , لقـد
قـالت لـي أنها سوف تتأخـر بـسبب عملهـا ..
خـلع إيفـان حـذاءه ثـم نهـض مجيبـا بحمـاس :
_ لنفعـل ذلـك !
_ ما هـذه الضوضـاء ؟ ..
نـزل آدم من الطـابـق الثـانـي وأكمـل بهـدوء :
_ هـل يوجـد لـديكِ زائـر سيـدة مـاري ؟
اتسعـت عينـا إيفـان عنـدمـا رأى وجـه آدم .., ركـض نحـوه هـاتفـا بفـرح :
_ آدم!!!
عـانق إيفـان آدم بشـدة .., ممـا جعلـه يُفـاجئ لفعـل هـذا الصغيـر , أكمـل إيفـان وهـو ينظـر إلى
آدم :
_ لـم أرك منـذ ذلـك اليـوم ..
ربـت آدم علـى رأسـه وأردف :
_ كيـف حـالك ؟ .. هـل تأذيـت ؟
هـز إيفـان رأسـه بسـرعـة وأجـاب :
_ لقـد أصبحـت لديّ نـدبة ! .. تيـرا قـالت لـي أنهـا تجعلنـي أبـدو أكثـر رجوليـة!
ظهـر شبـح ابتسـامـة على ثغـر آدم الـذي انحـنى لمستـوى طـول إيفـان وسـألـه مجددا :
_ هـل تعلـم مـاذا تعنـي كلمـة رجوليـة ؟ ..
صمـت إيفـان ولـم يجـب , زادت ابتسـامـة آدم مما جعـل السيـدة مـاري تنـدهـش من آدم ,
وقـف شـامخـا وتـوجـه نحـو البـاب عابـرا بـذلـك بقيـة السلـم ثـم قـال وهـو يفـتح البـاب :
_ سـوف تعلـم معنـاها عنـدما تكـبر قليـلا ..
تبعـه إيفـان قـائـلا :
_ سـوف أعـد أنـا و السيـدة مـاري البسكويـت أتـريـد مسـاعدتنـا ؟
_ ربـما في المـرة المقبـلة ..
ثـم غـادر المنـزل والسيـدة مـاري تبتسـم لـ ظـل آدم الـذي اختفـى تـدريجيـا .., همسـت وهي
تتوجـه إلى المطبـخ برفقـة إيفـان :
_ لقـد بـدأ حقـا بالتغيُـر ..
.. ... .... .....
تنهـدت تيـرا بتعـب وهـي تسـير ببـطء نحـو بـاب منـزل السيـدة مـاري , ألقـت نظـرة علـى سـاعـة
معصمهـا لتجـد أن الوقـت قـد أصبـح 8 مـساء همسـت :
_ لمـاذا كـان اليـوم مزدحـما ؟
قـامـت تيـرا بنكـش شعـرهـا غيـر مُـباليـة لكـن خطـر بـذهنـها أن آدم يُقيـم مـع السيـدة مـاري
وزوجهـا لـذلـك قـامـت بترتيـب شـعرهـا أكثـر وعـدلت من هنـدامهـا قليـلا ثـم قـرعـت الجـرس
وتوقفـت بعـدها لتقـول مُتسائلـة :
_ ما الـذي أفكـر فيـه ؟!
قـامت بإعـادة شعـرهـا كمـا كـان سابقـا , فتـح إيفـان البـاب لهـا سعيـدا ثـم أشـار لهـا بالـدخـول سريعـا
فعلـت تيـرا ما طلبـه إيفـان منهـا مُتعجبـة , أوقفهـا إيفـان قـائلا :
_ لقـد أعـددتُ وسيـدة مـاري مُفـاجأة لكِ!
_ م..مـاذا ؟
خرجـت السيـدة مـاري من المطـبخ وتحمـل بـيدهـا اليُـمنـى صحنـا امتـلأ بالبسـكويـت وضعـته
على الطـاولـة ثم أردفـت :
_ ما بكِ واقفـة هكـذا ؟ .. هيـا اجلسـي.
فعـلت تيـرا كمـا طُلـب منهـا وابتسمـت قائـلة :
_ أرجـو أن لا يكـون إيفـان قـد أزعجـك
_ كلا كـلا .. لقـد كـان مسـاعـدي المثـالي .. قضينـا وقتـا ممتعـا معـا ..
قـرب إيفـان البسكويـت إلى تيـرا وهتـف متحمسـا :
_ هيـا تيـرا .. تـذوقيـه لقـد أعددنـاه من أجلـك !
تنـاولـت تيـرا قطعـة وأكلـت منهـا ثـم أردفـت :
_ إنـه حقـا لـذيـذ ...
سمعـت صـوت جلبـة قـادم من الأعـلى , التفتت حولهـا لتتـأكـد من أن أحـدهم قـد سمـع ذلـك لكـن
لـم يبدِ أي تأثـر سواء على السـيدة مـاري أو إيفـان .. لـم تهتـم ربمـا كـانت تتخـيل , لكـل فجـأة
سمعـت صـوت تكسـر شيئـا ما قـادم من الطـابـق العلـوي , نهضـت قـائلـة بقلـق :
_ هـل يـوجـد سـيد هارولـد فـي الطـابـق العلـوي ؟
عـاد ذلـك الصـوت وقـد جـذب انتبـاه السيـدة ماري أجـابت متعثلمـة :
_ كـ..كـلا فقـط .. آدم
زاد قلـق تيـرا ورددت اسمـه بصـوت هامـس ثـم أسرعـت نحـو السلـم الخشبـي لـم تعلـم لمـاذا لكنهـا
تشعـر بالضيـق كلمـا اقتـربت مـن مصـدر الصـوت , وضـعت يـدهـا علـى مقبـض الغـرفـة وكـادت أن
تفتـح البـاب لكـن السيـدة مـاري أوقفتهـا قـائلـة :
_ دعيـه سـوف يهـدأ بعـد فـترة قصيـرة ..
لـم تُنهـي جُملتهـا حتـى صـرخ آدم بـأعلـى ما يملـك :
_ دعـوني وشأنـي !
تجمـدت تيـرا في مكـانهـا تُحـدق بالـباب أردفـت بهـدوء :
_ خُـذي إيفـان وابقـوا بعيـدا عـن هُنـا .. سـوف أتعـامل مع آدم .. لسـبب مـا ...
رفعـت رأسهـا وأكمـلت :
_ لا يُمكننـي تركـه هكـذا !
لـم تـدع للسـيدة مـاري فرصـة حـتى تُجيبـها , فتحـت بـاب الغُـرفـة وأغلقتـه خلفهـا .. وقفـت تنظـر إلى
آدم بدهشـة كـان جاثيـا على ركبتـيه وواضعـا يـديـه على أذنيـه , كـان يتمتـم بكلمـات لـم تصـل إلى
مسـامـع تيـرا .. , ازدادت الأصـوات ضجـة في ذهـن آدم ..
_ كـان بسببك كـل شيء
_ ليـتك لـم تكـن يومـا موجـودا !
_ مستشفـى المعتـوهيـن تنتظـرك حتمـا ..!
_ عـديـم الفـائـدة !
_ لم تستطـع فعـل شيء من أجلهـم ولـن تستطيـع الآن !
_ معتوه !
يتبـع!





اضافة رد مع اقتباس












المفضلات