بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
انتقل رجل مع زوجته إلى منزل جديد وفي صبيحة اليوم التالي وبينما هما على الإفطار , أبصرت الزوجة عبر النافذة حديقة مشتركة بينهما وبين جيرانهما فقالت :انظر يا عزيزي أن غسيل جارتنا ليس نظيفا .. لابد أنها تشتري مسحوقا رخيصا وأصبح هذا التعليق تردده في كل مرة ترى فيها غسيل جيرانهم !
وبعد شهر رأت الغسيل نظيفاً وقالت لزوجها: انظر ..لقاد تعلمت أخيراً كيف تغسل ...
فأجاب الزوج : عزيزتي لقد نهضت مبكرا هذا الصباح ونظفت زجاج النافذة التي تنظرين منها .. !!!
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يبصر أحدكم القذى في عين أخيه وينسى الجذع في عينه!)، وهذا الحديث رواه ابن حبان في صحيحه، و أبو نعيم في الحلية، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (33).
القذى : ما يقع في العين أو الشراب والماء من تراب ووسخ وقاذورات
الجذع:جذع النخل المعروف
الرسول صلى الله عليه وسلم يٌخبر بتشبيه بليغ أن البعض ينظر إلى عيوب الآخرين الصغيرة الهينة ويفتح عينيه عليها ويشغل نفسه بها وينسى الجذع في عينه وهذه صيغة مبالغة يُقصد بها وكأن جذعاً من العيوب موجودة في نفسه , فيتجاهل ذلك الجذع بجهله ويشتغل عن إصلاحه وتقويمه بعيوب الآخرين , وعيوب الآخرين عادةً تكون مخفية بخلاف عيب الإنسان الظاهر له عياناً !
عجبت لمن يبكي على موت غيره دموعاً ولا يبكي على موته دما
وأعجب من ذا أن يرى عيب غيره عظيماً وفي عينيه عن عيبه عمى
قال الإمام أبو حاتم بن حبان رحمه الله تعالى" الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه؛ فإن من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه، ولم يتعب قلبه، فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من عيب أخيه، وإن من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمي قلبه، وتعب بدنه، وتعذر عليه ترك عيوب نفسه، وإن من أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم، وأعجز منه من عابهم بما فيه، ومن عاب الناس عابوه، ومن ذمهم ذموه."
ويقول الشاعر: المرء إن كان عاقلاً ورعاً أشغله عن عيوب غيره ورعه كما العليل السقيم أشغله عن وجع الناس كلهم
والانشغال بأحوال الناس وعيوبهم من الفتن العظيمة التي يقع فيها المسلم إذا انه يقع فيها استدراجاً من رب العباد ليديم عليه غفلته في الدنيا ولاحول ولا قوة إلا بالله قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى " (علامة الاستدراج العمى عن عيوب النفس، ما ملكها عبد إلا عز وما ملكت عبدا إلا ذل "(
وفتنة الاستدراج من الفتن العظيمة التي أخشاها دوماً لأنها تعم النعمة والنقمة على سواء واسأل الله أن يبعدها عنا ولا نقع فيها وان يحسن سيرتنا ويكتبنا من الصالحين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ترجمةً لها " عن عقبة بن عامر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا رأيت الله عز وجل يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ، ثم تلا قوله عز وجل : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون [ سورة الأنعام : 44 , وقال بعض السلف : إذا رأيت الله يتابع عليك نعمه وأنت مقيم على معاصيه فاحذره ؛ فإنما هو استدراج منه يستدرجك به"
ومن يرد الله به خيراً يبصره بعيوب نفسه ويشغله بإصلاحها عن الآخرين وهذا هو الخير كُله وفي جامع الترمذي – قال صلى الله عليه وسلم" : إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الإيمان إلا من يحب "
والرب جلً في علاه لم يخلقنا لنكون وكلاء بني آدم على خلقه بل خلقنا لإعمار الأرض طوعاً والتعاون بالمعروف والنهي عن المنكــر, و الاشتغال بعيوب الآخرين من التعاون بالمنكر القبيح الذي لا يكاد يخلو من الغيبة المحرمة ونشر العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع الإسلامي !
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (وقد قال أهل العلم: هذا الحديث أصلٌ عظيم من أصول تهذيب النفس وتزكيتها، وقد عدَّه بعضهم ثُلُثَ الإسلام، ولقد قالوا: "اجتمع فيه الورع كله! لأن تَرْك ما لا يعني لا تقوى عليه إلا القلوب السليمة والنفوس الزاكية، نفوس تنطوي سرائرها على الصفاء، فأصحابها في راحة، والناس منهم في سلامة.)
دخل رجلٌ على أبي دُجانة وهو في مرضه، ووجهه يتهلل ويقول: "ما من عملٍ أَوْثق عندي من شيئين: لا أتكلم في ما لا يعنيني، وقد كان قلبي سليمًا".
ويقول الحافظ ابن القيم - رحمه الله -: "كم ترى من رجل متورِّع عن الفواحش والذنوب، ولسانه يَفْري في أعراض الأحياء والأموات! لا يبالي بما يقول، وربما أوبق نفسه!!".
ويقول الإمام مالك - رحمه الله -: "لا يفلح الرجل حتى يترك ما لا يعنيه، ويشتغل بما يعنيه، فإذا فعل ذلك يوشك أن يفتح له قلبه"وكما يتمنى المسلم إنعاماً من الله عزوجل بنورٍ يسري في جنبات القلب يرزق بسببها البصيرة في الدنيا والآخرة وبها يعيش حياته سيراً نحو الله عزوجــل فضلا من الله ونعمة ليكون ختماها جنة عرضها السموات والأرض
توفِّي رجلٌ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال رجلٌ: أَبْشِرْ بالجنة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((أَوَلا تدري؟! فلعله تكلَّم بما لا يعنيه، أو بخل بما لا يغنيه))؛حديث صحيح الإسناد.
فالانشغال بأمور الآخرين وترك أمور النفس سبب يقودنا إلى التثاقل عن الطاعة والتقصير في عبادة الله عزوجل ويصرفنا عن معالي الأمور والهمم العالية وما أن ينشغل إنسان بما لا يعنيه من أحوال الآخرين إلا بسبب ضعف صلته بالله عزوجل وغفلة واضحة عن منهج الدين القويم "((المسلم مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر مَنْ هجر ما حرم الله)
قبيح من الإنسان أن ينسى عيوبه ويذكر عيبا في أخيه قد اختفى
ولو كان ذا عقل لما عاب غيره وفيه عيوب لو رآها قد اكتفى
ولهذه الخصلة أسباب كثيرة منها ضعف الصلة بالله ومرض القلب وإشغال الأوقات بغير فائدة ترجى, غير رؤية الإنسان لنفسه الكمال ولغيره النقص مما يؤدي به إلى إظهار عيوبهم فخراً بنفسه القاصرة !وأيضاً الشعور بالنقص يجعل الإنسان يحاول الصعود وتعويض النقص على أكتاف الآخرين وأعراضهم ناهيك أن البعض يجد في الولوج في أعراض الغير طريقة لإخفاء عيوب نفسه!
وأخيراً إن في نفوسنا شغل عن عيوب غيرنا ففينا أضعاف ما نراه في من حولنا !
فلا تفتحوا على أنفسكم باب الغيبة وانتقاص الآخرين وإساءة الظن بهم وهتك سترهم والتشهير بهم ,ولا تفتحوا على أنفسكم أبواب شر من الشيطان فتجدوا وقد رد الباب إليكم
متى تلتمس للناس عيبا تجد لهم عيوبا ولكن الذي فيك أكثر
فسالمهم بالكف عنهم فإنهم بعيبك من عينيك أهدى وأبصر
وحافظوا على أعراضكم لتحفظ لكم " ( لا يستر الله عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة)
وكما تدين تدان
دمتم بخير




اضافة رد مع اقتباس















من كل من يلاحق عيوب الأخرين ويشغل نفسهم بهم





[SIZE="4"]لا تحزن ان هبط الرواد ارض القمر 


المفضلات