أما الإنسان في نظر المؤمنين فهو مخلوق كريم على الله، خلقه ربه في أحسن تقويم، وصوره فأحسن صورته، خلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وميزه بالعلم والإرادة، وجعله خليفته في الأرض، ومحور النشاط في الكون، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فكل ما في الكون له ولخدمته. أما هو فجعله تعالى لنفسه.
يقول الله تعالى في بعض الآثار الإلهية: "ابن آدم، خلقتك لنفسي، وخلقت كل شيء لك، فبحقي عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له،ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب. ابن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتني فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء".
حقاً إن الإنسان شيء ضئيل بالنسبة لسعة الكون من حيث حجمه وحياة جسمه، ولكنه من حيث روحه وكيانه المعنوي شيء كبير، وهل الإنسان في الحقيقة إلا ذلك الروح وذلك الكيان المعنوي؟
ولله در القائل:
وداؤك منك وما تشعـر!!
دواؤك فيك وما تبصر
وفيك انطوى العالم الأكبر!
وتزعم أنك جرم صغير
وحقاً أن الإنسان من حيث عمره القصير على الأرض ذرة في صحراء الأزمنة الجيولوجية البعيدة الضاربة في أغوار القدم -إن صح ما قالوا- ولكن المؤمنين: يوقنون أن الموت ليس نهاية الإنسان، إنه محطة انتقال إلى الأبد الذي لا نهاية له، إلى دار الخلود .. إلى حيث يقال للمؤمنين: (سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) (الزمر: 73).
وإذا كانت هذه كرامة الإنسان هذا نظر الدين عامة، فله في الإسلام خاصة مكان أي مكان. تحدث القرآن عن الإنسان في عشرات بل مئات من آياته، وحسبنا أن أول فوج من آيات الوحي الإلهي نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم وكانت خمس آيات لم تغفل شأن الإنسان وعلاقته بربه - علاقة الخلق والتكريم. وعلاقة الهداية والتعليم، واختارت الآيات لفظ "الرب" لما يشعر به من التربية والرعاية والترقية في مدارج الكمال، هذه الآيات الأولى هذا القرآن هي قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم) (العلق: 1 - 5)
المفضلات