بسمه تعالى
وبين كل هذا الزحام ،، تأتي فكرة واحدة لا تفارق هذا الجسد ،، الذي يقيل نفسه في أحرف وأسطر ،، يلتمس إزاراً يستره وسعادة في وسادة تريحه في النظر إلى الردود ..
أربعة أسابيع ونفس الروتين ،، ويومية صارت عملاً شاقاً ..
الخروج من الباب وقضاء ما يأتي من الساعات في الفكر والذكر والسهر والعودة إلى الباب ..
ما بين لحظة انفتاح ولحظة انغلاق ،، كان عالماً متعدد الأسماع والمشاهد
تسطره هذه الفكرة وكومة المشاعر التي ما توارت عن مخيلة هذا القسم في كل حين استطاعت العودة إليه
الساعة الثالثة وعشر دقائق ::
غالباً وحتى بعد انتهاء الدوام في الثالثة ،، تبقى ثنايا الازدحام عالقة بمعطفي ،، تبحث عن أي شيء لتجعلني لصيقة مكتبي وأدراج عملي بازدحام تفاصيله
هاتف يرن وإيميل عمل واوراق ستيكي صفراء 6×6 مليئة بالملاحظات
والأمور الواجب تنفيذها وعدم نسيانها ،،
ورغم كل هذا ،، الصمغ الموتور ،، هناك صوت وحيد ينبض مبعداً إياي غصباً .. ذاك صوت معدتي تستنجد جوعها وعضلاتي طالبة الراحة
واصابع يدي التي تعبت ما تقدمه من حنان العمل ،، حان اوان العودة الى المنزل ،،
نظام البصمة ،، لا تغادر قبل ان تترك شيئاً منك هنا ،، انت أنت أنت كما أنت ،، يجب ان تكون بصمتك ولا يكفيهم الهوية البلاستيكية ولا تكفيهم ورقة تم توقيعها باسمك ،، يجب ان تكون أنت
من هنا وهناك سلام وسلام ،، ووداع على أمل لقاء ،، وملاحظات متناثرة لم تجد سبيلها أثناء الساعات الرسمية يتم إنجازها في دقائق الخروج ،، وحتى في موقف السيارة
المهم حقاً هو أن تخبرهم عن ذاك العطل وعن تلك المسألة والمشكلة وان لا تسكت على عيب رأيته وعلى نقص أنت كشفته
حقوق الفتنة والرأي والسابق سابق
هذه بعض شعائر العمل وقدسيات المكان الذي ارتضيت ان تكون ساكنه ،، فلا تتململ يا هذا الذي تسكن عقلي !!
صوت إذاعة القرآن في راديو السيارة ،، أكثر ما أفضله وآية واحدة على حين غرة وبدون تخطيط ،، لها خاصية الاختراق فتأتيني موجة من السلام تسكنني وعمقٌ بعد ضحالة ما أراه يعيدني إلى كفة التوازن
إشارتين ووقوف على كلتيهما ثم دوران إلى اليسار واستقامة تتبعها اربع إشارات ويوتيرن وحيدة وأكون هانئة في منزلي
المواقف جاهزة في مثل هذا الوقت ،، بما فضلتِ به على الدوام الآخر المميت في الخامسة !
خروج من السيارة بعيونٍ مغلقة من التعب والارهاق وانكفاء إلى الأمام في حثيث السير ،، أمنية واحدة أطلبها ،، أن يكون الغداء حاضراً او أن يكون مما تحبه النفس أخضراً ولا يسبب عسر الهضم وثقالة الوزن
الساعة الثالثة والنصف ::
حسنأً أمامي ما يقارب الساعة والنصف قبل موعد الازدحام التالي
بعد القرب الروحي وشيء من وقود البدن ،، ونظافة الجسد مما علق فيه من عوالق
جلسة خفيفة مع الاهل على الماشي ،، وسؤال سريع عن الحال والمآل ومشاكل العيال ،، تتبعها إرشادات وتأهيل ونصائح مجرّب عميل،،
تنطلق قدماي إلى موقف التكاسي ويبدا صراع بين الواقفين بانتظار الراكب التالي ..
هنا الكثير من الحظ يخدمني والكثير من البشاشة تحصنني
فلا يطول عنائي
وبسرعة البرق اجد منالي
متجهة إلى منزل صديقة صديقتي ادرس ابنتها وأنال على شرف العلم حصيلة أجر ،، لم أطلبه
ولكنها صدقة جارية بما استطاعت يميني تقدمته او جادت بها قريحة طموحاتي السابقة
الساعة الخامسة ::
وصلت إلى ذاك المكان ،، ترفعت على نفسي بعراك مواقف السيارة وأتيت بتاكسي ،،
مشيت قليلاً ،، عبرت شارعاً ونظرت إلى واجهة المحال ،، الكل ساعٍ والكل في عمل ،، عالم من العمل والـ بزنيس !
وأنا أيضا في بزنزي هذا أحاول تحقيق هدف ما كما هؤلاء ،، الكل ساع في هدف
والكل يحمل في جبته إرادة ويسوّق نتيجة عمله منتظراً زبوناً او مشتر أو مبحلق في أناس مثلي يركبون أمواج الشارع ،، شارِعين نحو شواطئهم ولو كانت في أبراج عالية!!
الساعة عشرون دقيقة بعد الخامسة وأحاول الالتزام بوقتي معها في الخامسة والنصف ولكن دون جدوى ،،كالعادة أبكر من وقتي لم تسعفني أعمالي ان اصل على الوقت تماما فلابد ان تبكر بي اوقاتي قبل اي موعد ،، وهذه العشر دقائق المتبقية لا اعرف ما افعل بها غير الانتظار والتأمل فيما يكون من حولي
ادرس احوا لالناس والاحظ فروق الانفعالات وردود الافعال واختلاف المظاهر
واحاول الغوص ولو بسطحية في جوهر الاسرار
10 دقائق اسبح بها هياما في متغيرات هذا الكون ،، ونتغير نحن طبقا لما نراه وتتغير توجهاتنا وامالنا ،، تتغير احلامنا ،، تتغير تعبيراتنا ومقالنا واقوالنا
10 دقائق ومئات الدروس وعشر دقائق والاف المناظر تختزن في ذاكرة الدماغ تتأتى إلي على حين من القول
لا ادري وادري ولا ادري عشرا وادري مئة ،،
شاهد على ما يجري
ذاك الهندي الواقف على ابواب مشرعته يظنني قادمة ليشرح لي منتوجاته واعماله وذاك بشماغه الابيض الذي يركن بسيارته في منزوى ينتظر احد الخارجين ليأخذ مكانه وتلك التي تسرع في خطوها سبقاً لذاك التاكسي الذي يتأفف المكوث في موقف مخالف .. والحال كما كل يوم
زحمة زحمة زحمة
10 دقائق تملأ خانة الاعداد في عقلي وتملا حيز الذاكرة
بمثل هذه التفاصيل
الساعة الخامسة والثلث ::
تنتظرني ذات العشر أعوام ،، بين نصف نائمة ونصف يتوق إلى اللعب ،، نحاول سوياً الغوص في مكنون اللغة وتعليمها وتحفيظها والدق على رأس القلم واللوح بكلمات ومعانيها وجمل ومفاهيمها
وتعبيرات ومكامن القوة فيها
للاسف منهج أمريكي ،، وثقافة هي للاسكيمو أقرب !! ومع ذلك هذا هو المطلوب
وعليه تؤول كل هذه الجهود
ومستر بيني هو الرابح وذاك العلم الذي فاز برمزيته وكلمات جديدة اتعلمها معها وثقافة ومعلومات كنت في غنى عنها اراها تنال مني ما تبقى من هذه الساعة
فنجان الشاي وقطع من البسكوت ،، ما اطيب عمل الام يدفئ جوع الحنان ويزيد في غيرتي من هذه الصغيرة التي تجد امها في رعايتها ،
اللهم احفظهم لبعضهم
يا رب يا رحيم
الساعة السابعة ::
بعد جهد جهيد في إدخال المعلومات إلى ذاك العقل الذي ينمو .. يبدأ النزق من الصغيرة والتململ مني ،، معلناً ختام حلقة اليوم من المسلسل الدرامي الحياتي التعليمي
وتعليمات انهيها بوجوب حل بعض الواجبات وحفظ الكلمات والافعال
وتبدأ دورة العودة من جديد ،،
كالعادة لا يوجد تاكسي وانا مللت الاتصال بأخي لينجدني من هذه المواقف والانتظار ،، والخطأ خطئي أني وفرت عناء الموقف لسيارتي بان ركبت الاجرة ..
استعين هنا بقدمي ،، وابدا رحلة المشي عبر الشوارع عرضاً ،، احاول دراسة المدينة والتمتع بكل هذا الجو الملوث بعوادم السيارا ت والضوضاء التي لا تنتهي والروائح المختلفة
اختفى اللون الأخضر من الشارع ،، في صغري كنت اتذكر ارتطام سيارة ابي بأغصان الأشجار على جانبي الاشارة اما الان فلا ،، قبعت كل الاشجار وصغرت مساحات المشي لتوسعة الشوارع
وتغيرت اقليمية الشارع ،، الجنسيات التي تمشي فيه اغلبها بنسبة 95 % غير عربية منها الهندي بشكل كبير وفلبيني وقلة من الباكستان والاسيويين ..
النظرات حولي تأكلني وأشبه بالتعرية ،، فالكل يستغرب من صاحبة العباءة السوداء مشيها في الشارع
اعترف بأني مختلفة عن بقيتي واهلي ،، وواعترف اني اختلف عن نفسي كل يوم ،، ولكن لماذا يستغربون تقلب الاحوال ولماذا يستغربون وجود صاحبة العباءة تسير مثلهم في شوارع بلدها ..
هل كانت الشوارع حكرا لهم ومختومة ببصماتهم وبصاقهم !!
تكون تمشي ،، بهدوء وبسمة تعلو المحيا ،، لتفاجئ بمن يعترض سكينتك بصوت الـ خخخخ تفووو غير مراع للنظافة وآداب المشاركة الجماعية للحيز والمكان والطريق !
تكون تمشي بسكينة تراعي آداب الأقدمية والطريق للقادم من اليسار سواء كنت من المشاة العابرين أو من السائرين القائدين لمركوباتهم (دراجة، سيكل او سيارة ) ،،
يعترض طريقك بزامورة ترعب بواطن أوصالك ،، كل هذه الضوضاء والضجيج فقط لأنك قررت التنازل عن قيادة السيارة ولو لمدة يوم واحد لتشارك الناس
معاناة يوم واحد
يوم واحد من هذه الاربع اسابيع حاولتُ المحافظة على البيئة والتقليل من غير اللازم بأخذ الطريق الصعب بدنياً ،، ولكن لا يبدو الأمر سهلا كما هي الشعارات ولا يبدو أنني حقا أستطيع المواصلة
او الانسجام مع نمط السعي والمشي
بعد عبور تلك الاشارت والشارع مشياً ،، تأتيني لحظات الصفاء والانسجام .. في مكان تغزوه شجيرات هنا وهناك وتفوح منه رائحة العشب ويسكنه بعض الجالسون لا لشيء إنما بحثاً عن سكينة وفراغ
تعود الابتسامة إلى المحيا ،، وتتقارع الأفكار من جديد ،، وتغوص أناي في عالمي تختزن ما تراه في الذاكرة وتختزل الصور المجردة إلى معاني وتحليلات
صورة ذاك العدد الهندي لا تبارح وصورة ذاك وتلك اللذان يمشيان سوياً تُشعر بالنشوة وذاك الطفل الذي بينهما اسعد وتسعد النظر وتحقق المعنى
فيتبخر عناء الطريق وتستعد الروح لما يتأتّى عليها كيف يأتي ،، تواجه الخضم وتدخل معركة الوجود إثباتاً أنها تستطيع وأن المستحيل ممحي من قاموسها
ترتفع العين عالياً ، يتراءى لها معروضات المحال ،، عباءات أشكال وألوان ومحل لتصليح الساعات ،، هل لا زلنا نعيش في عالم يؤمن بالاصلاح !! أستغرب ان مثل هذا المحل لتصليح الساعات لا يزال حياً وان استهلاك الناس
لكل المنتوجات لم يمح أثر مثل هذه الحرفة ،، اتذكر ما يقال عن شوارع التصليح في بغداد كما كانت في ذاكرة ابي وليست ذاكرتي ولكني لا اختزن الكثير فثقافنتي شوهها الاستهلاك
وشوهتها نمطية الحياة السريعة التي نعيشها وغابة السابق اللاحق !
غابة من المدنية وعبودية لألوان الترف
تقع عيني مجدداً على محل الخباز ،، حيث يطيب للمار أن يشم رائحة الخبز المخبوز في فرن حقيقي مرمري وليس اصطناعي ،، ولكني سرعان ما أشيح بناظري ،، عندما أتحقق من يدي الخباز الذي يعجن الخبز ويضعها على النار وأراه في ذات الوقت
يناول هذا وذاك مالاً بدون أن يغسل يديه
منظر كفيل بأن يمحق نشوى الطعم وذاكرة الرائحة ،، مفضلةً جفاء المكائن الصناعية لتصنيع الخبز
وأعبر شارعاً عرضياً آخراً ،، أتساءل في نفسي وأنا أعبر عن ذائقة السائق الذي أفسح لي مجالاً للعبور ،، الدنيا لا زالت بخير والناس الناس كما هم فيهم كل الألوان
بين الدماثة والطيبة وبين الحنق والاستئساااد
حتى أنا عندما أقود مركوبتي أتذكر أن القيادة فن وأخلاق وذوق !!
سرعان ما تعود ابتسامة الرضى ،،
وأصل إلى بناية الشقة الذي فيه يقطن أخي ،، أكاد اصطدم بذاك الفتى الذي يحمل الآيبود
ويسير على عجل ،، يذكرني بنفسي في أولى ساعات هذا النهار حيث يبدأ دورته هو وأنا أعود إلى مخدعي
لحظة انتهى فيها روتين الكدح ..
وأغلق الباب





اضافة رد مع اقتباس




لا اعلم اضحك ام اكتفي بالابتسام الابله او الغضب 






المفضلات