بسم الله الرحمن الحيم

إنظروا إخواني إلى رحمة الله في هذه المشاركة

رحمة الرحمن

اعداد نزار دهشان / بكالوريس أدب انجليزي ودبلوم عالي ترجمة



بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين . قال تعالى (كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفسِهِ الرحمة) و قال تعالى ( قُلْ يا عِبَادي اْلِّذين أَسْرَفُواْ عَلَى أنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا من رَّحْمَةِ اللهِ إنَّ اللهَ يَغْفِرُ اْلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ اْلْغَفُورُ الرَّحِيمُ ), تتكرر آيات الرحمة و اللطف الإلهي في كثير من المواضع في القرآن الكريم, حتى إن من أسماء الله الحسنى و صفاته الرحمان. و هو اسم مشتق من الرحمة مبني على المبالغة, و معناه ذو الرحمة الواسعة الذي لا نظير له فيها. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم, قال الله تعالى ( أنا الرحمان, خلقت الرحم و شققت لها اسما من اسمي, فمن و صلها وصلته, و من قطعها قطعته). وإن من عظمة الله عز و جل و رحمته الواسعة أنه جعل رحمته مدونةً و عهداً منه لعباده. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لما قضى الله الخلق كتب في كتابٍ فهو عنده فوق العرش: (إن رحمتي سبقت غضبي).

إن الممعن في هذا النص و الآيات القرآنية التي تتحدث عن رحمة الله, يدرك أن الرحمة لوحدها كقاعدة قضائه في خلقه, هي لوحدها فضل عظيم من الله لا يمكن تأدية تمام حق شكرها, فكيف إذا دونت في القرآن الكريم و فوق العرش عهدا منه, إنها عظمة الخالق و رحمته بعباده الغافلين المقصرين في العبادة و الشكر.أخرج مسلم بإسناده عن أبي هريرة, قال رسول الله صلى الله عليه و سلم( جعل الله الرحمة مئة جزء, فأمسك عنده تسعة و تسعين و أ نزل في الأرض جزءاً واحداً, فمن ذلك تتراحم الخلائق, حتى ترفع الدابة حافرها عن وليدها خشية أن يصيبه الضرر). و في رواية لمسلم ( و أخر تسعة و تسعين يرحم بها الله عباده يوم القيامة).

هنا يقرب رسول الله عليه الصلاة و السلام إلى العقل البشري عظمة رحمة الله, فالعبد يرى رحمة الأهل بأطفالهم و رق و شفقة القلوب بالأطفال و المحتاجين و المساكين و المرضى و كل من في مصيبة أو بلاء, كل هذا التراحم من رحمة واحده مَنَّ الله بها علينا. فالله تعالى خلق الإنسان و كرمه في السماوات و الأرض, و سخر له الكون و بعث له الكتب و الرسالات السماوية, من أجل سعادته في الدنيا و الآخرة. قال تعالى ( طه * مَآ أَنزَلْناَ عَلَيْكَ اْلْقُرَْءَانَ لِتَشْقَى) و قال أيضا (و مآ أَرْسَلْنَكَ إِلاَّ رَحْمَةً للعَالمين ). فرحمة الله عامة لكافة خلقه, للمؤمن و للكافر. فهو من رحمته يرزق و يتفضل على عباده بالرحمة و الرزق حتى وإن جاهروه بالمعاصي و أنكروا وجوده سبحانه و تعالى.

عبد شاب الله عشرين سنة, ثم عصاه عشرين سنة, ثم نظر يوما فرأى لحيته شعرا أبيض, فحزن لذلك كثيرا فقال:

إلهي أطعتك عشرين سنة ثم عصيتك عشرين سنة, فإن رجعت إليك أتقبلني؟ فسمع قائلاً ا يقول (أحببتنا أحببناك, فتركتنا تركناك, و عصيتنا أمهلناك, فإن رجعت إلينا قبلناك).

إن رحمة الله هي التي تجعل المذنب و العاصي في اتصال مع الله دون قطيعة رغم الذنوب و المعاصي, فهو يدرك أن الله ذو رحمة واسعة لمن أذنب وتاب, فالله يبدل السيئات حسنات. قال تعالى ( ورَحْمَتىِ وَسِعَتْ كُلَّ شَىءٍ ) لكن هذا لا يعني الاسترسال في الذنوب و الأمن من عقاب الله دون توبة مع إيمان و عمل. قال تعالى(إلا من تَابَ وَ ءَامَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِئَاتِهِم حَسَنات و كان اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً ) و قال أيضا( أفأمنو مَكْرَ الله, فلا يأمن مكرالله إلا القوم الخاسرون) فعلى الإنسان أن يبادر بالتوبة و الاستغفار , و الدوام على العبادة و أن يحاول تجنب المعاصي و الذنوب ما ظهر منها و ما بطن , خوفا من تراكم الران على القلب و يصبح ممن قال الله تعالى عنهم (كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُبِهِم مَّا كانوا يَكْسِبُون ).

رأى الأقرع بن حابس النبي عليه الصلاة و السلام و هو يقبل ولده الحسن, فقال:إن لي عشرة من الولد ما قَبَلتُ واحدا منهم, فقال رسول الله عليه الصلاة و السلام إن من لا يَرحم لا يُرحم )لقد بين لنا رسول الله كيف نفوز و نستحق رحمة الله الخاصة بعباده المخلصين, فعلى المؤمن أن يبدأ بنفسه أولا, يرحمها بالابتعاد عن الشهوات. و أن يعينها على دوام طاعة الله كي لا تقع في الذنوب و المعاصي. و من ثم رحمته بأهل بيته و عشيرته الأقربين بأن يكون لهم ناصحا و قدوة حسنة, رفيقا و رحيما في تعامله معهم. و من عظمة الإسلام أنه يدعونا إلى التراحم مع غيرنا سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين و فالجميع خلق الله نتعامل معهم بالرحمة و اللين ما لم يقوموا بالتعدي على حدود الله و حقوق المسلمين. انظر كيف خاطب الله سيدنا موسى عندما أرسله إلى فرعون. قال تعالى ( فَقُولا لَهُ قَولاً لَّيِناً لَّعَلَّهُ يتذكَّرُ أو يخشَىَ).

إن المسلمين اليوم يعانون من الضعف و الفرقة ما يدمي القلوب و ما نقص الأرزاق و شح الأمطار إلا بسبب غياب التراحم و حلول البغضاء مكانها, لكن من رحمة الله و لطفه بعباده أنه لا يترك عباده, و لذلك يسر لنا أوقاتا طوال العام تكون النفحات الرحمانية في أوجها, فتفضل علينا بفضل ليلة الجمعة, و ليلة النصف من شعبان, و ليلة القدر, و ليلة العيد, و فضل شهر رجب و شهر رمضان, و وقت السحر و الكثير من مواسم الخير و البركات التي مَنَّ الله علينا بها كي نزداد قرباً و نظل طوال العام مهما عصفت بنا الذنوب و الأغيار مستبشرين برحمة الله و مغفرته, مستحقين لشفاعة سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام, الذي كانت قدماه الشريفتان تتفطران من العبادة و الصلاة فيقال له أما غفر الله ذنبك ما تقدم منه و ما تأخر, فيقول ( أفلا أكون عبداً شكوراً ) هذا رسول الله و حبيبه فما نقول نحن المقصرين الكسالى. نسأل الله أن نكون من القليل الذين ذكرهم الله تعالى( و قليل من عبادي الشكور)

قال رسول الله يوما لأبي هريرة ( يا أبي هريرة. أتريد أن تكون رحمة الله عليك حياً و ميتاً و مقبوراً و مبعوثاً ؟ قم من الليل فصل و أنت تريد رضا ربك. يا أبا هريرة, صل في زوايا بيتك يكن نور بيتك في السماء كنور الكواكب و النجم عند أهل الدنيا).و أخيرا أختم بسطور قليلة من النصائح الرحمانية عن شيخنا عبد الرحمن الشريف قدست أسراره و نفعنا الله بعلومه حيث قال: يا مسرفاً على نفسه لا تقنط و بإساءات الظنون بمولاك لا تتحوط. فلو أرادَ بك التنكيد, لما ألهمك بمنَةِ التوحيد. و أنظر بعين الإنصاف و دع طريق الإعتساف, لو أن من في الأرض جميعاً بدون عصيان, فلمن يا هذا رحمة الرحمان. و لو أن من في الأرض أبرار, فما معنى أسمه الغفار. رحمته واسعة و آلاؤه ساطعة. أحسن ظنك مسيئا أو مطيعا, إن الله يغفر الذنوب جميعاً. تم بحمد الله و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.


منقول
مع السلامة