السلام عليكم ورحمة الله بركاته
الحمد لله القائل في محكم التنزيل " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ"والصلاة والسلام على اشرف المرسلين نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين
اللهم اجعل عملنا خالصاً لوجهك الكريم لا نبتغي فيه إلا رضاك والجنة
,
قال الله تعالى في كتابه الكريم " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ "
تلك هي الغاية والهدف وكامل الحقيقة من خلق الإنسان والجن على سواء وذلك أمر آلهي رباني يتضمن أصلان :
أولا: أن لا يُعبد إلا الله عزوجل ( دون شريك لا قولاً ولا فعلاً ولا نية)
ثانياً : أن يُعبد بما أمر وشرع ولا يعبد بالأهواء ولا الشهوات ولا البدع ولا الظنون ولا التسويف بل يجهاد الإنسان في عبادة ربه كما قال الله تعالى "وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ " وحقيقة الجهاد كما قال العلماء هو الاجتهاد في حُصول ما يُحبه الله من الإيمان والعمل الصالح وأيضاً الابتعاد ودفع ما يُبغضه الله تعالى من الكفر والفسوق والعصيان والذنوب والخطايا وان يسير في طريق الله إلى الممات .
وعلّق الله عزوجل هداية الإنسان بالجهاد وجعلها سبباً من أسباب نيل الهداية والتوفيق من الله واعني بذلك جهاد النفس بالتزام الطاعة وترك المعصية بقوله "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ"
قال ابن القيم "فعلّق سبحانه وتعالى الهداية بالجهاد وأفرضُ الجهادِ : جهاد النفس, وجهاد الهوى , وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا , فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سُبُل رِضاه الموصلة إلى جنته ,ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد"
قال الله تعالى " وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ"
والفائز الحقيقي من نظر بعين البصيرة لا بعين النظر إلى قول الله تعالى "تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا "
قال السعدي رحمه الله "وإن المتدبر للتعبير القرآني بالنهي عن قربان تلك الحدود يلحظ بلاغةً وقُوة بيانٍ أبلغ من قوله "فلا تفعلوها" لأن القربان يشمل النهي عن فعل المُحرّم بنفسه والنهي عن وسائله المُوصِلة إليه "
ولقد توعد ربنا جلّ في علاه من تعدى الحدود وخالف الأمر الكريم الرباني وانتهك الحرمات بالعذاب المهين بقوله "وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ "
ورغم هذا الوعيد والقول الجليل من الله عزوجل والوعد لهؤلاء الفئة العاصية فالمتأمل في أحوال الناس يجد العجب العجاب في جرأتهم على تعدي الحرمات رغم أن حياتهم فيها من الكروب والهموم والمحن اليومية ما لا تطيقه النفس , إلا أننا نرى منهم تمسك بهذه الذنوب والمعاصي وبفعلهم هذا قطعوا السبيل بينهم وبين خالقهم معتمدين على رحمة الله عزوجل ونسوا أو تناسوا إن الله عزوجل يغار على أوامره أن تُجتنب , ومحارِمه أن ترتكب , وغفل العبد المسكين أن الذنوب تجعل بينه بين ربه حجاب غير ذهاب البركة في حياته وماله كما قال الله تعالى "وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ "
قال يحي بن معاذ الرازي :عجبت من ذي عقل يقول في دعائه : اللهم لا تشمت بي الأعداء وهو يشمت بنفسه كل عدو له . قبل له : كيف ذلك ؟ قال : يعصي الله فيشمت به في القيامة كل عدو!!
وتعظيم حرمات الله عزوجل أمر مأمور به الإنسان وهو من أعظم ما أمرنا به لقول الله تعالى "ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ " فحرمات الله عزوجل المراد بها كل ما اوجب الله علينا القيام به من الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنه وحُرم التفريط به !
وشعائر الله عزوجل هي أعلام دينه الظاهرة وأوامره ونواهيه , فكل ما يعتبر من حرمات الله عزوجل أمرنا شرعاً باحترامه وأوصانا الله سبحانه وتعالى بتعظيم أوامره وتعظيم كل ما نهى عنه
والطريقة الصحيحة لتعظيم هذه الشعائر هي كالتالي:
أولاً: تعظيم ما أمر الله سبحانه وتعالى به من الطاعات والعبادات وكل ما يدخل في طاعة الله عزوجل من الأقوال والأفعال والنيات عن طريق:
• تعظيمها بالقلب ومحبتها واحترامها
• حفظها من الضياع بفعلها وإقامتها بحق من غير تهاون ولا تكاسل ولا تذمر ولا بغض ولا تثاقل ولا رياء ولا سمعة
ثانياً: تعظيم ما حرمه الله ونهى عنه من الأقوال ولأفعال والنيات والذنوب والمنكرات والخطايا والمعاصي عن طريق:
*أن يبغضها بالقلب ويكرهها
*تركها والابتعاد عنها وعدم اقترافها
ولنا وقفات يسيرة مع عبادة تعظيم الأوامر والنواهي بكلام الشيخ السعدي رحمه الله فقال "تعظيم الأمر والنهي وهو مقتضى الخضوع لِحُكمه تعالى وهذا الأساس هو ثمرة تعظيم الله تعالى , فيُجِلّ العبد الصادق في إيمانه وعبوديته أمر ربه ونهيه ويتلقاه بالتسليم وتمام التكميل فما عظّم عبدٌ أمراً أو نهياً إلا بما وقر في قلبه من تعظيم الآمر الناهي سبحان الله تعالى وتقواه قال الله تعالى "ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ "فالمُعظِّم لها يٌبرهن على تقواه وصحة إيمانه لان تعظيمها تابعٌ لتعظيم الله وإجلاله
وعدم معارضة الأمر والنهي من التعظيم أيضاً ولو كانت تلك الأوامر أو النواهي تعارض هوى النفس ورغباتها وعدم معارضة القضاء والقدر أيضاً من التعظيم المأمور به الإنسان المؤمن بربه إيمانا صادقاً فلأمــر كله لله أولا وأخيراً ولا خير إلا في ما قدر وقضى سبحانه وتعالى ولو قدر للإنسان أن يختار بنفسه لاختار ما اختار الله له
قال الشيخ محمد الدويش " إن المؤمن التقي الذي يخاف من مولاه ويُعظمه يستعظم ذنبه ويكبُر في نفسه تقصيره في جنب الله , وبقدر إيمان العبد وتوحيده وتعظيمه لله , تعظُم لديه معصيته وتكبُر عنده خطيئته "
قال الحسن رضي الله عنه تعليقاً على قول الله تعالى "وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ" عملوا _والله _ بالطاعات , واجتهدوا فيها , وخافوا أن تردّ عليهم , إن المؤمن جمع إحساناً وخشية والمنافق جمع إساءة وأمناً
فتعظيم الحرمات والأوامر مرتبة تدل على صدق توحيد العبد لربه جل في علاه وهي مراتب متفاوتة تتفاوت بحسب تفاوت مراتب التعظيم في النفس البشرية وقد قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين "إن أشعة (لا إله إلا الله ) تُبَدِّدُ من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قُوّة ذلك الشعاع وضعفه , فلها نور وتفاوت أهلها في ذلك النور قوة وضعفاً لا يحصيه ال الله تعالى ,
فَمِن الناس : من نُورُ هذه الكلمة في قلبه كالشمس
ومنهم: من نورها في قلبه كالكوكب الدُّرِي.
ومنهم :من نورها في قلبه كالمِشعل العظيم .
وآخــر :كالسراج المضئ وآخر كالسراج الضعيف.
ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامــة بأيمانهم , وبين أيديهم , على هذا المقدار بحسب مافي قلوبهم من نور هذه الكلمة عِلماً وعملاً ,ومعرفة ًوحالاً .
وكلما عظُم نُور هذه الكلمة واشتدّ , أحرَقَ من الشُّبهات والشَّهوات بحسب قُوّته وشِدّته, حتى انه ربما وصل الى حال لا يُصادف معها شُبهة ولا شهوة ولا ذنباً إلا أحرقه , وهذا حال الصّادق في توحيده , الذي لم يُشرك بالله شيئاً و فأي ذنب أو شهوة أو شُبهة دَنَت من هذا النور أحرقها , فسماء إيمانه قد حٌرِست بالنجوم من كل سارِقِ لحسناته , فلا ينال منها السارق إلا على غِرّة وغفلة لابد منها للبشر, فإذا استيقظ وعَلِم ما سُرق منه استنقذه من سارقه أو حصًل أضعافه بكسبه ,
فهو هكذا أبداً مع لصوص الجن والإنس, ليس كم فتح لهم خزِانته وولّى الباب ظهره
ختاماً لنبحر قليلاً في ثنايا هذه الاية الكريمة:
قال الله تعالى (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا) خطاب رحيم من رب العالمين لبني البشر مالكم لا توقرون وتعظمون الله حق العظمة !
التوقير هو: التعظيم والإجلال والتقدير.
قال ابن عباس رضي الله عنه: "مالكم لا تعظمون الله حق عظمته ولا تخافون من بأسه ونقمته".
قال الحسن رضي الله عنه: "مالكم لا تعرفون لله حقا ولا تشكرونه".
قال ابن القيم: "وهذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد. وهو أنهم لو عظموا الله وعرفوا حق عظمته وحدوه وأطاعوه وشكروه فطاعته سبحانه واجتناب معاصيه والحياء منه بحسب وقاره في القلب".
وقال أيضاً: "من أعظم الجهل والظلم أن تطلب التعظيم والتوقير لك من الناس وقلبك خال من تعظيم الله وتوقيره" أهـ.
ومن الأمور المنافية لتوقير وتعظيم الله تعالى الإشراك به واتخاذ ندٌ معه , تقديم حق المخلوق على حق الخالق, الابتداع في الدين , عدم التحاكم الى شرعه, المجاهره بالمعاصي وهتك ستر الله,
نسأل الله تعالى رب العالمين أن يجعلنا من عباده الصالحين الذين لا خوف عليهم ولا يحزنون
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين




اضافة رد مع اقتباس











..




المفضلات