سلام الله عليكم ورحمته وبركاته
بعد التحية
كيفكم ؟ أتمنى لكم دوام الصحة
عموما لست من أصحاب المعلقات بشان ألمقدمه كما تعرفون ولكن لندخل في الموضوع
موضوع مهم وبأسلوب دايل الشيق
ولم يتم التطرق له كثيرا ، ولان المكساتيين هم الأفضل
من كتاب الأسس الفنية في المعاملة لدايُل كازنيجُي ترجمة بتصرف
اقدم لكم ..
اتمنى لكم قراءة ممتعة ...
في السابع من مايو عام 1931 اعتقل في مدينة نيويورك سفاح طاغية لم تشهد المدينة منذ نشأتها مجرماً في مثل عتوه وجبروته : ذلك هو "كرولي ذو المسدسين" القاتل الذي يدخن أبداً ، ولم يوقف شربه للخمر قط .
في ذلك اليوم أقام خمسمائة رجل من رجال الشرطة الأشداء سياجا صارما حول منزل عشيقته ، وحاولوا إجلاء كرولي عنه بواسطة الغازات المسيلة للدموع فلما خابت المحاولة صعدوا بأسلحتهم الرشاشة إلى سطوح المنازل المجاورة ، وجعلوا حي ويست إند الأنيق ، في قلب نيويورك يهتز لهزيم المدافع ساعة كاملة .وعندما تم القبض على كرولي صرّح قائد الشرطة بقوله :"أن ذا المسدسين من اخطر المجرمين الذين عرفتهم نيويورك . لقد كان ليقتل لمجرد رميه بريشة طائر". ولكن .. كيف كان كرولي ينظر إلى نفسه ؟!
بينما كان رجال الشرطة منهمكين في إطلاق النار على المنزل الذي احتمى به ، كان كرولي عاكفا على كتابة خطاب موجه إلى"كل من يهمه الأمر"، وقد جاء فيه :"إن بين ضلوعي قلبا محيرا ، ولكنه رحيم ..قلبا لا يحمل ضغينة لأحد ولا يبغي شر لمخلوق"!.
وقد حكم على كرولي بالإعدام على الكرسي الكهربائي . فلما جيء به إلى غرفة الإعدام في سجن "سنج سنج" لم يقل :"هذا هو جزائي على ما سفكت من دماء بريئة" ، وإنما قال :"هذا هو جزائي على دفاعي عن نفسي"!.
والمغزى الذي أريد الوصول إليه من هذه القصة هو أن كرولي ذا المسدسين لم يلم نفسه أبداً.
فهل كان كرولي - في ذلك - حالة شاذة في القتلة والسفاحين ؟ استمع إلى هذا :"لقد قضيت زهرة حياتي أتحف الناس بما يسري عنهم ويزجي أوقات فراغهم ، وكان جزائي على هذا سعي رجال الشرطة إلى سفك دمي" من تظن انه قال هذا ؟ انه "آل كابوني" عدو الشعب رقم 1 ، زعيم اعنف عصابة إجرامية ظهرت في شيكاغو . إن كابوني لم يلم نفسه أبدا على جرائمه ، بل نظر إلى نفسه كمصلح اجتماعي لم يقدره الناس ، ولم يحسنوا فهمه !.
وبالمثل كان "شولتز الهولاندي" وهو من أشهر المجرمين الذين عرفتهم نيويورك . فقد صرَّح يوما لأحد الصحفيين بأنه "مصلح اجتماعي"، ولم يكن يساوره الشك ابداً في صحة اعتقاده هذا .
وقد جرت بيني وبين لويس مدير سجن "سنج سنج" مراسلات طريفة في هذا الشأن ، فكتب لي مره يقول :"قلّ أن تجد بين المجرمين من ينظر إلى نفسه كشرير أثيم . إن نظرة نزلاء السجون إلى أنفسهم لا تقل شيئاً نظرتك إلى نفسك . وهم يستعينون بمنطقهم الخاص في تبرير جرائمهم ، مؤكدين انه لم تكن هناك حاجة على الإطلاق إلى اعتقالهم وإيداعهم في السجون" .
فإذا كان آل كابوني ، وكرولي ذو المسدسين ، وشولتز الهولاندي وأمثالهم من القتلة والأشرار لا يلومون أنفسهم أبدا ، فكيف تتوقع من الناس"المحترمين"الذين تتصل بهم أنت واتصل بهم أنا أن يقبلوا اللوم ؟!
صرح لي جون "جون واناميكر" المالي المعروف ، بقوله ذات مره :"لقد علمتني تجارب ثلاثين عاما أن من الحماقة أن تلوم أحداً ؛ ومن ثم شغلت بإصلاح عيوب نفسي عن التحسر على أن الله سبحانه لم يشأ أن يوزع موهبة الذكاء بالعدل والقسطاس بين الناس ".
تعلم واناميكر هذا الدرس مبكرا ، أما أنا فقضي عليّ أن أتخبط في هذه الدنيا الأزلية مدى ثلث قرن من الزمان قبل أن أقع على هذه الحقيقة : وهي أن تسعين في المائة من الناس لا يلومون أنفسهم على شيء بالغا ما بلغ من الخطأ .!
فاللوم عقيم لأنه يضع المرء في موقف الدفاع عن نفسه ، ويحفّز إلى تبرير موقفه ، والدفاع عن كبريائه وعزته .
وفي وسعك أن تجد ألف مَثَل على عقم اللوم مسطر على ألف صفحة من صفحات التاريخ خذ مثلا ذلك الخلاف الذي نشب بين "ثيودور روزفلت" والرئيس "تافت" . فعندما غادر روزفلت البيت الأبيض عام 1908 في طريقه إلى أفريقيا ليصيد الأسود ، فوّض عنه تافت في تصريف شؤون الرياسة . ولما عاد روزفلت من رحلته أوشك أن ينفجر غيضا وحنقا وصب اللوم على تافت ، وانتقد تقاعسه وانزوائه في الوقت الذي اقترب فيه موعد الانتخابات لرياسة الجمهورية ، وكان روزفلت على حق في لومه وانتقاده ؛ فما أن جرت الانتخابات حتى هزم فيها الحزب الجمهوري برياسة روزفلت هزيمة شنعاء .
فهل يا ترى لام تافت نفسه ؟ كلا بل قال والدموع ملء مقلتيه: "أنني لا أتصور أن ما فعلته يفترق في شيء عما كان ينبغي أن افعله".
فعلى من يقع اللوم حقيقة : روزفلت أو تافت ؟ الواقع لا ادري ، ولا يعنيني أن ادري . ولكن الغرض الذي أسعى إليه هو أن لوم روزفلت لم يقنع تافت بأنه كان على خطأ ، بل جعله يحاول تبرئة نفسه والدموع في عينيه .
هل في ذهنك الآن شخص تريد من صميم قلبك أن تقوّم طباعه ، وتهذّب خلقه ، وتهديه إلى سواء السبيل ؟ إذا كان الأمر كذلك ، فهذه أريحية تشكر عليها ؟ ولكن .... لم لا تبدأ بنفسك أولا ؟ فمن وجهة النظر الغريزية الاهتمام بالنفس أحب بكثير من الاهتمام بالغير ، وأقل خطرا كذلك .
قال"براوننج" :"عندما تبدأ معركة المرء بينه وبين نفسه فهو عندئذ شخص يستحق الذكر" .
ما قولك في أن تخصص عاما كاملا - مثلا - لإتمام نقص نفسك وتصحيح عيوبها ؟! ولك بعد هذا أن تخصص الأعوام التالية كلها لتقويم الناس وتهذيب خلقهم . ولكن اتمم نقص نفسك أولا .
قال"كونفشسيوس" : "لا تتذمّر بالجليد المتراكم عند عتبة جارك قبل أن تزيل ما تراكم على عتبة دارك أولا !"
عندما كنت فتى يافعا ، حاولت جاهدا أن الفت الأنظار إليّ ؛ إرضاء لغروري وأنانيتي ، فكتبت يوما رسالة إلى "ريتشارد هاردنج ديفيز" ، وكان يومئذ مؤلفاً مشهوراً ، قلت له فيها :"أنني اعد مقالا لإحدى المجلات عن مشهوري المؤلفين ، ثم رجوته أن يفضي إليّ بطريقته في التأليف ، وكنت قد تلقيت قبل ذلك رسالة من كاتب شهير ، ذيلت بهذه الحاشية "أمليت ولم تراجع" فوقعت هذه الحاشية من نفسي موقعا عميقا وأحسست أن الكاتب لا بد لن يكون كثير العمل ، عظيم الشأن ،
ولم أكن كثير العمل ، ولا عظيم الشأن ، ولكني أردت أن أقع من نفس ديفيز هذا الموقع ، فختمت رسالتي إليه بهذه الحاشية "أمليت ولم تراجع" !.
ولم يتكلف ديفيز عناء الرد على رسالتي ، واكتفى بردها إليّ برجوع البريد وعليها هذه العبارة "إن سوء أدبك لا يفوقه إلا سوء أدبك"
ولا شك أنني كنت استحق هذا توبيخ .. ولكني بشر ؛ ولهذا امتعضت ، وثرت ثورة مضرية حتى أنني حين قرأت نعي ديفيز بعد ذلك بعشر سنوات ، - وكم يخجلني أن أقول هذا ! - لم أستشعر غير الألم الذي سببته لي عباراته !.
ينبغي أن تذكر في معاملتك للناس أنك لا تعامل أهل منطق ، بل أهل عواطف ، وشعور ، وأنفس حافلة بالأهواء ، ملأى بالكبرياء والغرور .
واللوم شرارة خطيرة في وسعها أن تشعل النار في وقود الكبرياء .. وان تضرمها نارا قد تعجّل بالموت أحياناً !.
ولقد حمل النقد بالكاتب الروائي الشهير "توماس هاردي" - الذي قدّم للأدب الانجليزي ثروة طائلة - إلى الكف عن كتابة القصص إلى الأبد ، كما دفع الشاعر الانجليزي المرهف الحس "توماس شاترتون" إلى الانتحار !.
وكان "بنيامين فرانكلين" في شبابه تنقصه اللباقة واللطافة في معاملة الناس . ثم اشتهر بعد ذلك بلباقته التي رشحته لمنصب سفير أميركا في فرانسا .. فما سر تحوله ؟.
لقد صهرته التجارب حتى أدرك عقم اللوم ، فقال قولته المأثورة : "سوف لن أتكلم بسوء عن احد ، بل سأتكلم عن الخير الذي اعرفه في كل إنسان" .
إن أي أحمق يسعه أن يلوم ، وان يتهم ، وان ينتقد ؛ بل هذا ما يفعله أغلب الحمقى ؛ فدعنا بدلا من أن نلوم الناس نحاول أن نفهم وننتحل لهم الأعذار فيما فعلوا ، فهذا امنع من اللوم ، وهو يعقب الشفقة ، والرأفة ، والاحتمال . وتذكر قول الدكتور "جونسون" : "إن الله يا سيّدي لا يحاسب إنسانا إلا بعد أن ينتهي أجله" . فلماذا نعجّل أنا وأنت بمحاسبة الناس ؟!
أرجو وان أكون قد نلت رضاكم وان وجد أخطاء في الإملاء أو في الترجمة فسامحونا عليها
وأرجو أن تكونوا قد استفدتم وأدركتم مدى عقم اللوم
وشكراً
شكر خاص لـ
ShikaKai
عاشقة مصر











اضافة رد مع اقتباس
~>طيـرـي






شكرا على المرور العطر













المفضلات