الصفحة رقم 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
مشاهدة النتائج 1 الى 20 من 52
  1. #1

    برج الرياح...روايات عبير القديمة

    السلام عليكم ورحمة الله و بركاته


    منقوووووووووووول



    33- برج الرياح – أليزابيث غراهام – روايات عبير القديمة
    الملخص
    حين يفقد الطفل والديه... من يبقى له, من يأخذ بيده في الحياة , يعلمه ويربيه , من له الحق في تربيته: أهل أبيه أم أهل أمه؟
    هذا ما حدث لألكسندر فبعد وفاة والدته الأنكليزية ووالده اليوناني, تنازعته عواطف خالته تشاريتي وعمه لوكوس , كل منهما يحس بالحق في رعايته.
    لوكوس بعقليته اليونانية وشخصيته الطاغية يحاول فرض شروطه على تشاريتي التي حضرت الى اليونان لأعادة الطفل الى بريطانيا حسب وصية أختها.
    لوكوس يرفض التخلي عن ألكسندر , تشاريتي تصر, فهل تقبل تشاريتي ما أشترطه لوكوس , أم تترك الطفل وتعود مع خطيبها الأنكليزي الى بلادها؟



  2. #2
    1- أبوللو
    أستيقظت العاصمة اليونانية أثينا لتوها بعد فترة قيلولة طويللة وبدأت الحياة تدب في متاجر سوق البلاكا واحدا بعد الآخر, وفجأة سكتت أغنية ذات نغمات حزينة آتية من المذياع , وتفرَقت السيدات متجهات الى منازلهن قبل الغروب , كانت الساعة الرابعة بعد الظهر,ولم يبق سوى أسبوع واحد حتى أعياد الميلاد ورأس السنة.
    مالت تشاريتي آرتشر قليلا برأسها , وأخذت تنظر الى هيكل الأكروبوليس الذي بدا شامخا, بحيث يمكن مشاهدته من أي اتجاه, فيظهر فجأة في نهاية طريق, أو يطل عليك من فوق صف من المباني , ويذكرك دائما بأن تماثيل القدماء ما زالت تفرض حمايتها على المدينة, كانت تشاريتي مصممة على زيارة الأكروبوليس بمجرد الألتقاء بأختها واكتشاف ما حدث بالضبط.
    كن ثلاث أخوات أطلقت عليهن أسماء فيث وهوب وتشاريتي ( ايمان, وأمل وأحسان) وهي أسماء كانت تسبب لهن الكثير من الضيق , تزوجت أختاها خارج أنكلترا منذ فترة طويلة , وظلت تشاريتي أضغر أختيها تقيم في منزلها لترعى والدها المحتضر ولتاكفح من أجل الأبقاء على منزل الأسرة , لأن أختيها أعتقدتا أنه قد يصبح مفيدا في يوم من الأيام عندما تكبر أسرتهما .
    تزوجت هوب من أمريكي وعاشت في مزرعة جنوب فيرجينيا , واستمتعت بحياتها هناك , أما فيث فكانت لها قصة حب رومانطيقية مع شاب يوناني غامض , ولم يزر أنكلترا أبدا منذ ذلك الوقت , وتساءلت تشاريتي كم من السنوات مرَت منذ آخر مرة رأت فيها فيث, ربما منذ خمس سنوات , لم يقطعها سوى بطاقات بريدية متفرقة ورسائل قليلة , كانت أحداها سبب مجيء تشاريتي الى أثينا , فلم تستطع أن تفهم لها أولا من آخر , ولكن ذلك لم يثر دهشتها , لأن فيث تحب الأشياء المعقدة بدون البسيطة , الغموض بدون الوضوح من أي شيء تفعله,أحد هذه الأشياء , أن تأتي بأختها الصغرى مهرولة من آخر أوروبا مع قليل من التوجيهات , ليس فيها توجيه واحد واضح , مثل المكان الذي ستقيم فيه أو مكان اللقاء!
    سافرت تشاريتي الى أثينا في اليوم السابق , وهي التي لم تذهب في حياتها الى أبعد من فرنسا ومنذ بداية رحلتها لم تعرف لها رأسا من عقب , حتى حروف الكلمات كانت غريبة بالنسبة اليها , ولا تفهم معناها , وكانت تحمل عنوان الفندق الذي تريد الأقامة فيه والذي حددته لها أختها , ولكن يبدو أنه ما من أنسان يعرف أين يوجد هذا الفندق, توجه بها التاكسي الى فندق هيلتون أولا ثم الى فندق غراند بريتاني الا أن تشاريتي هزت رأسها نفيا مصممة على العنوان الذي معها , وهنا هز سائق التاكسي كتفيه بلا مبالاة زربَت على كتفها مواسيا , عندما حل الظلام في النهاية
    صاح السائق فجأة وكأن نوعا من السحر قد مسه:
    " نعم, نعم, كوكاكي".
    وبعد ثوان قليلة كانا أمام الفندق.
    استيقظت بعد ليلة من النوم العميق وهي تشعر بالأنتعاش وأمضت النهار في السير في الفندق الى وسط المدينة , وكان هناك الكثير يستحق المشاهدة.
    وصلت الى البلاكا مبكرة وتناولت غذاءها في كافيتريا صغيرة حيث تعزف في المساء موسيقى البوزوكي الراقصة, وحاولت أن تسأل أي أنسان له ولو معرفة ضئيلة بالأنكليزية ليدلها على مكان برج الرياح , ولكن أحدا لم يعرف, وأخيرا وجدته بنفسها وهي تحاول مشاهدة هيكل الأكروبوليس من مكان مناسب , كانت تعلم أن السوق في أثينا القديمة تقع تحت الأكروبوليس , وعلى الخريطة التي معها كان يشار الى السوق باسم أغورا , وهناك على جانب الخريطة وجدت برج الرياح.
    أسرعت تشاريتي بعد هذا الأكتشاف المثير بشراء تذكرة , وسارت عبر أرض غير ممهدة متطلعة الى ذلك المبنى الغريب ذي الثمانية أضلاع والذي ظل الأعتقاد بأنه قبر سقراط مما جعل الأتراك يحافظون عليه ويحولونه الى تكية, والواقع أن المبنى لم يكن قبرا بل كان ساعة مائية بناها السوربون في القرن الأول بعد الميلاد.
    ماذا لو أمضيت عيد الميلاد معي في أثينا ؟ لقد أستجدت أحداث وأنا في حاجة لمساعدتك , قد يكون من المناسب ابلاغك أنني قررت نيكوس وأخذ الطفل معي , وهكذا تفهمين لماذا لا أستطيع أستقبالك هنا, لذا حجزت لك مكانا في فندق, قابليني في التاسع عشر من هذا الشهر, عند برج الرياح في الساعة الرابعة بعد الظهر ,و وسأشرح لك كل شيء , تجدين تذكرة وكل شيء آخر تحتاجين اليه بما في ذلك بعض النقود داخل المحفظة , أعتمد على حضورك ! اذا حدث لي شيء فأنا أرغب أن تأخذي طفلي وتتولي تربيته في أنكلترا , صرت أكره اليونان , وكل ما هو يوناني , ولا أستطيع أن أتحمل فكرة أن يكون طفلي يونانيا , سأحكي لك كل شيء بالتفصيل عندما نلتقي
    ليباركك الله
    فيث

  3. #3
    فور قراءة تشاريتي للرسالة لم تلق بالا الى المأساة التي كانت تنطوي عليها, ومع ذلك يبدو أن أختها كانت في حالة من اليأس والحزن, تنهدت تشاريتي وهي تأمل بمعرفة المزيد عن الرجل الذي تزوجته, فيث كانت تعرف أن اسمه نيكوس باباندريوس. وينحدر من عائلة غنية جدا , ولكنها لم تر حتى صورة له.
    أسترجعت تلك المذكرة القصيرة المحايدة التي ردت بها على رسالة أختها, وتمنت لو أنها جعلتها أكثر حرارة , فقد حاولت الا تسمح لمشاعرها الشخصية أن تتدخل في الأمر , ولمنها لم تتمكن تماما من أغفال البطاقات البريدية التي كانت ترسلها فيث, والتي لم تحدثها فيها عن شيء, وخاصة تلك البطاقة التي أرسلتها عندما توسلت اليها بالحضور لتشييع جنازة والدهما , حتى هوب جاءت من الولايات المتحدة , وكانت السعادة تبدو عليها حتى أن الموت لم يغيَر حالة الهناء التي شعرت بها طوال أقامتها في الولايات المتحدة.
    وقفت تشاريتي وهي تلملم معطفها حول جسمها, الجو بارد بالفعل , تحركت من مكانها وسارت وسط الأعمدة المحطمة لئلا تشعر بوطأة الأنتظار , لكن القلق أستبد بها, ماذا لو أنها لم تأت؟
    وشعرت بقشعريرة ليس بسبب البرد, وأنما بسبب توقع حدوث المجهول, ثم جلست مرة أخرى وأخرجت الكتاب الذي كانت تطالعه أنها مصممة على الأحتفاظ بهدوئها , كعادتها دائما , ستحضر فيث في نهاية الأمر وهي تتوقع أن تجد أختها في أنتظارها , فهناك أشياء كثيرة يمكن أن تحدث وتكون السبب في تأخيرها , ربما كان الطفل مريضا , أو ربما عاد زوجها الى البيت مبكرا ورغب في أن تظل معه , ولكن لا فالسبب الأخير غير محتمل , ألم تقل في رسالتها أنني أكره اليونان وكل ما هو يوناني , وبالتأكيد كان نيكوس باباندريوس يونانيا.
    اشترت الكتاب لأن اسم أبوللو كان من ضمن عنوانه وجذبتها صورة رمز الشمسعلى غلافه, يجلس مسترخيا الى جانبه بوسيدون رمز البحر عند الأغريق , وعلى الجانب الآخر توأمه أرتيميس , وكان رفع يده اليسرى في اشارة لم تعد واضحة لأن هذه اليد كانت مفقودة , أما اليد الأخرى فكانت تلملم بخفة أطراف ثوبه , في أية حال أكثر الأشياء جاذبية فيه هو جمال رأسه, شعره مجعد بطريقة حديثة تماما , الأنف مستقيم وأغريقي , يكاد يكون صلفا لا يتفق مع نعومة الوجنتين والفم ممتلىء , يبدو عابسا لكنه يكاد يكشف عن ابتسامة , لاحظت تشاريتي في المذكرة المكتوبة داخل الكتاب أن صورة الغلاف هذه أخذت عن الجانب الشرقي لسور هيكل البارثينون , وقررت أن ترى الأصل عندما تقوم في النهاية برحلتها الى قمة الأكروبوليس , نظرت الى أعلى ورأت الأصل متجها أليها , كان شعره أسود مجعدا وليس ذهبيا بلون العسل, لم يكن الفم مبتسما , ولكن التشابه كان واضحا ومثيرا للدهشة , ولذلك هبت واقفة وهو يسير باتجاهها وحملقت فيه وهي تعلم تماما أنها تتصرف تصرفا فظا, ولكنها لم تستطع أن تفعل غير ذلك , كانت أشعة الشمس الأخيرة تضيء وجهه , لتظهر بوضوح طول أدابه وتشكيل فكه القوي.
    سألها في لغة أنكليزية سليمة :
    " ما الأمر؟".
    ربما كان أنكليزيا , لكن لا , فمثل تلك النظرات لا بد أن تكون يونانية , أنه أبوللو بعينه , دبت فيه الحياة فسار على الأرض كأنه يملكها , أعطته الكتاب في صمت , نظر الى الغلاف وابتسم لتظهر أسنانه لامعة في أشعة الشمس الذهبية الغاربة.
    قال متسائلا :
    " هل تعتقدين أنه يشبهني أم من الأنسب لو عكسنا الوضع فأن أبوللو هو الذي جاء أولا؟".
    ردت عليه قائلة :
    " أعتقد ذلك".
    هز كتفيه قائلا:
    " ربما".
    ووضع الكتاب في جيبه بدون أن ينظر اليه مرة أخرى , راقبته تشاريتي وهو ينحني ليستند الى أسفل البرج , ويتفحصها في جرأة أحرجتها , ذكَرت نفسها بأن اليونانيين شعب محب للأستطلاع , ويروقه أن يسأل دائما أسئلة شخصية , ويحب أن يكون أتصاله بالآخرين عن طريق اللمس بدون أن يعني هذا شيئا , في أي حال لم تكن في موقف يسمح لها بالشكوى , بل حدَقت فيه هي أيضا , سألها فجأة :
    " هل أتيت الى هنا لمقابلة شخص ما؟".
    قفزت قائلة:
    " أختي تأخرت".
    ولوَح بيده للشمس الغابة قائلا:
    " سيحل الظلام بعد قليل , ماذا ستفعلين اذا لم تأت؟".
    " سوف أنتظر".
    بدا عليه الضيق بها, ولكنها تظاهرت بعدم ملاحظة ذلك , أخرج الكتاب من جيبه مرة أخرى وفتح الصفحة التي تلي الغلاف وقرأ بصوت عال:
    " تشاريتي آرتشر , هل أنت هي؟".
    " نعم".
    " اذا أنت تنتظرين فيث بابا بدريوس ".
    التفتت تشاريتي اليه في حدة قائلة:
    " هل تعرفها ؟ كيف حالها؟ هل ستأتي؟".
    قال ببطء:
    " كلا , لن تأتي ".
    " أذن ماذا عليَ أن أفعل؟".
    ودون أن تدري جاء صوتها متوسلا , بطريقة جعلته يعاود النظر اليها بعينيه السوداوان وقال بثبات:
    " عليك أن تتحلي بالشجاعة وتتقبلي ما سأقوله لك, وبعدها تعودين الى أنكلترا ولا تفكرين فينا مرة أخر ى, هذا سيكون أفضل".
    أفضل لمن ؟ وبللت شفتيها:
    " هل أنت نيكوس؟".
    هز رأسه نفيا وعيناه ما زالتا تنظران في عينيها :
    " كلا, أنني أخوه , لوكوس ... ربما سمعت عني؟".
    عقدت أصابعها في يأس وقالت:
    "أختي – أختي لم تكن تجيد الكتابة الرسائل...".
    قال في دشة :

  4. #4
    " بكل تأكيد كانت تكتب لك بعض الردود على رسائلك لها؟".
    " بعض البطاقات البريدية القليلة , لم تكن تحب كتابة الرسائل".
    " وأنت هل تحبين كتابتها؟".
    " كلا , ولكنني أعتقد أنه كان لدي من الأسباب ما جعلني على أتصال دائم بها , فهي لها زوجها وابنها , بينما لم يكن لديَ ما يشغلني".
    قاطعها قائلا:
    " كان هناك والدك لترعيه".
    وبدا أنه يعرف الكثير عنها وتابع كلامه :
    " ولكنني أعتقد أنه لم يكن لديك الكثير ليشغل قلبك , والآن مات أبوك , ألا يوجد شخص ما في حياتك بعد؟".
    " أن لي أصدقاء, وقد أتزوج...".
    " آه , أن لك صديقا خطيبا!".
    " أنه لم يطلب الزواج مني بعد , وهذا لا يعنيك في شيء".
    قالتها في شيء من الحدة , لم ترغب التفكير في كولين والواقع أنها لم تفكر في كولين على الأطلاق , ولكن هو الذي كان يفكر فيها ويرسل لها الزهور ويصحبها الى العشاء , ويزعجها أيما أزعاج!
    " وهل تنوين قبوله عندما يتقدم لطلب يدك ؟".
    أخذ أبوللو يلح عليها متسائلا عير عابىء بتعنيفها:
    " نعم!".
    " هذا حسن ... فسوف يجعلك تقوين على ما سأقوله لك , فأنت جرعت في العام الماضي كأس الحزن حتى ثمالتها والأنكليز بطبعهم لم يخلقوا للحزن".
    " ومن الذي يستطيع ذلك؟".
    قالتها تشاريتي بتحدَ فابتسم ابتسامة قصيرة وقال:
    " لقد عرف اليونانيون معنى المأساة منذ زمن طويل , فأن لنا تاريخا مأساويا , ونعرف ماذا يعني أن نكون عبيدا وأن تنتزع منا أطفالنا ماذا تعلمين أنت عن مثل هذه الأشياء؟".
    تململت تشاريتي في ضيق وقالت:
    "ما الذي تريد أن تقوله لي؟".
    مدَ اليها يده في حركة تعاطف رقيقة , ولدهشتها , وجدت نفسها تتجاوب معه بوضع يديها في يديه , فأشعرها دفء الأيادي بالراحة.
    " أن الأمر يتعلق بأختك , لقد ماتت".
    " ولكن هذا مستحيل , لقد قالت لي أنها ستقابلني هنا".
    قال برقة:
    " لعلها كانت قادة الى هنا, كل ما أعلمه أنها تشاجرت مع نيكوس , وركبت واحدة من سيارتيهما وقادتها هاربة من بيته , وبطبيعة الحال تبعها في سيارة أخرى وأعتقدت أنه كان يحاول أخافتها عندما أجبرها أن تسير على حافة الطريق , وهي لا تجيد القيادة فسقطت بسيارتها في المنحدر, وتبعها نيكوس وعندما عثر عليهما لم يكن أي منهما حيا".
    حملقت تشاريتي فيه وملء عينيا الشك فيما يقول:
    " كل منهما وجد ميتا".
    واستدارت بعيدا حتى لا يرى التأثير المدمر لكلماته عليها , فهي لن تسمح له أو لأي شخص آخر أن يتغلغل الى عالمها الخاص المقفر , أن أفراد عائلة آرتشر ظلوا متمسكين بكبريائهم , وهذا ما تقَى لها الآن, الكبرياء وفراغ مؤلم في داخلها , تمتمت بصوت عال:
    " كان يجب ألا يسير وراءها لماذا لم يتركها لحالها؟".
    " لقد كانت زوجته وله كل الحق في أعادتها اليه".
    استعانت تشاريتي بغضبها وصاحت:
    " أنني لا أصدقك , كانت فيث تخاف منه , وكتبت اليَ تقول ذلك".
    جاء رفضه حادا كالسكين في خضم بؤسها ليصيبها بالذعر , وقالت:
    " لقد كانت تريد الأنفصال عنه".
    كلامها معه جعل رفضه يزداد قوة, فبحثت عن سلاح آخر لتشهره في وجهه وتثبت له أن جزءا ما من أختها يعيش داخلها , وأن الأنكماش لم يصبها على الأطلاق من جراء سماعها نبأ موت أختها , سألت بحدة:
    " أين الطفل؟ سوف أعود به الى أنكلترا".
    " للأسف لا يمكنك ذلك أن ألكسندروس مسؤوليتي , فهو ابن شقيقي وسيكبر بهذه الصفة".
    " آوه , كلا".
    قالتها تشاريتي وهي تضم قبضتيها استعدادا للدخول في معركة , فالقتال دفاعا عن قضية أختها أفضل كثيرا من الدموع , فهي لا تريد لهذا الرجل الذي يبدو شبيها بأبوللو , أن يعلم كم هي وحيدة ومحرومة , قال ببرود:
    " لست على أستعداد للنقاش معك في هذه المسألة , لقد تقرر الأمر بالفعل".
    لم يكن من عادة تشاريتي أن تفقد أعصابها , ولكن عندما يحدث ذلك فأنها تفقدها تماما , والآن حان الوقت للتخلص من عقدة العذاب التي تربض داخلها , حملقت فيه بغضب وهي تميل بذقنها الى ألى الأمام لتظهر مدى أصرارها:
    " اذا يمكنك أن تلغي القرار , أنه ابن أختي وهي ترغب أن يشب في أنكلترا وأنا عازمة على تنفيذ ذلك تماما , أين هو؟ أريد أن أراه الآن , وفي الحال".
    " هذا مستحيل".
    "مستحيل لأنك أنت أردت أن تجعله مستحيلا ! أن معي رسالة من أختي وأنا مصرة على التصرف وفقا لتعليماتها – واذا حاولت أن تمنعني ستدفع ثمنا باهظا".
    عندئذ ألقى اليها نظرة ثاقبة وقال:
    "هل تهددينني؟".
    " نعم, أهددك".
    " فهمت , ولكنني أعتقد أنك تعلمين أنك لا تقفين على أرض صلبة".
    " أنني أمتُ بصلة القرابة عن طريق الدم , وفي استطاعتي أثبات رغبة أختي في حصولي على الطفل!".

  5. #5
    لم يقلل كلامه من غضبها وقال:
    " ماذا يفيدك ذلك؟ والده كان يريد العكس والطفل يوناني".
    ابتلعت ارتباكها المتزايد وقالت:
    " ولكن فيث أمه, سوف أذهب الى المحكمة اذا صممت على التمسك به".
    أزعجها صمته أكثر من أي شيء آخر كان يمكن أن يتفوه به, ونظر اليها نظرة لاهية , وهو أبعد ما يكون عن التفكير في غضبها واثقا كل الثقة من نفسه.
    قالت مجازفة:
    " هل تعتقد أن ذلك سيفيدك في شيء".
    هز رأسه قائلا:
    " أنه يوناني , ورغبة والده يجب أن تتحقق حتى في المحاكم , وحتى في أنكلترا, على ما أعتقد كانت أختك زوجة نيكوس , امرأة بيته , ولكن لم يكن لها أي الحق في أن تأخذ الطفل بعيدا عن أبيه".
    امرأة بيته , يا له من تعبير يقال عن فيث , ظلت دائما تتميز باعتبارها وحريتها واستقلالها عن الآخرين , ليس من المستغرب الآن كيف وصلت الى أن تكره اليونان.
    وقف لوكوس باباندريوس قائلا:
    " من الصعب عليك الآن أن تفعلي أي شيء , من الأفضل لك أيضا أن تبقي الطفل معي , من أن تبدأي زواجك ومعك طفل أختك ".
    تحسست تشاريتي رسالة فيث في جيبها , لا بد أن هناك شيئا ما يمكن عمله ! لو أنها تمكنت من رؤية الطفل , ربما أعطاها ذلك نوعا من الألهام , يجب ألا تيأس من أخذ الطفل والعودة به الى أنكلترا , ولكن كلا, لا يمكنها أن تفعل ذلك , ربما كانت عائلته اليونانية مغرمة به أيضا , قالت بصوت عال:
    " أنني أرغب في رؤيته".
    " ألكسندروس؟".
    " بالطبع لم يكن يناديه بأألكسندر الا فيث فقط وسوف أفعل ذلك أنا أيضا".
    هز كتفيه قائلا:
    " كما تشائين , أنه ما زال صغيرا ولن يثير هذا ارتباكه , لكن هناك نصيحة أود أن أبديها يا تشاريتي , اذا أخذتك لتري والداي ولتري الطفل ,لا تحاولي التدخل في أشياء لا شأن لك بها , لقد تسببت أختك في جراح عميقة لوالداي يكفيهما أن يعلما أنك أخت فيث".
    نظرت تشاريتي بعينين مذعورتين , وذهب عنها الغضب ليحل محله قلق مزعج , بأن هناك أشياء أخرى عن فيث لا تعلم عنها شيئا , حتى لو كان أقرباء زوجها متحاملين عليها , فلا يمكن أن تتصور أن يدينها هذا الرجل بشكل مطلق.
    " كانت فيث أنسانة رقيقة".
    نظر اليها من أعلى الى أسفل بوقاحة , ما كانت لتتحملها من رجل أنكليزي ثم قال:
    " أنك لا تشبهينها كثيرا".
    لم يكن أحد يستطيع أن ينكر هذه الحقيقة , كانت فيث لها قامة فارعة وكأن جسمها نسج على منوال جسد هوب وشعرها يصطبغ بلون النحاس البني وعيناها خضراوان , أما تشاريتي فكانت مختلفة , لم تكن تتميز بالقوام الفارع أو بأي شيء آخر سوى شعرها الذي يميل الى لون الظلال البنفسجة للون الأحمر, ردت عليه قائلة:
    " وانت هل تشبه نيكوس؟".
    فاجأها بضحكة ثم قال:
    " كلا على الأطلاق , بينما أنت لأول نظرة تشبهين أختك الى حد ما , وأن كنت تختلفين عنها في أسلوب حياتك ".
    " أشكرك كثيرا".
    تمتم قائلا:
    " لقد كانت هذه مجاملة".
    " أذا فهي مجاملة خبيثة! لقد كانت فيث...".
    تساءلت: ماذا كانت فيث في الحقيقة , لا تتذكر الكثير عنها , لقد نسيت فترة المراهقة , تحاول أجتذاب الشباب اليها بسهولة شديدة , الأمر الذي كان يضايق أختها هوب, ويجعلها تبدو أقل جاذبية , كانت شديدة الأنانية في كل شيء , واذا أرادت شيئا لا يوجد أي سبب يمنعها من الحصول عليه , وحثَها لوكوس على الكلام قائلا:
    " كانت ماذا ؟".
    " كانت فيث رائعة".
    قالت ذلك وهي تشعر أن حماسها بدأ يتحول الى نوع من التشكك , واستطردت قائلة :
    " كان حماسها للحياة كبيرا , ولها طريقتها لتكون محور الأحداث , وجعل كل أنسان قريب منها يستمتع بالحياة".
    " أتفق معك في أنها كانت كذلك , وهل شعرت بمتعة أكثر وهي بالقرب منك؟".
    طرح السؤال وبريق عينيه يطالبها بالصدق , فتهربت قائلة:
    " يبدو أنك لم تكن تحبها ".
    " كلا , لم أحبها".

  6. #6
    لقد أدهشها رده, وأدهشها أكثر أنه كان قادرا على أن يصرح بذلك, فالأنسان لا يتحدث بمثل هذه الطريقة عن الموتى... وابتلعت دموعها فهي لا تصدق أن فيث ماتت, يا للمسكينة! هل كانت تخشى الموت, كما كانت تخشى نيكوس؟
    لم يحاول لوكوس أن يسرَي عنها , بل ظل ينظر اليها ويعدَل من وضعه قليلا حتى يتمكن من رؤية آخر شعاع للشمس, وقال:
    " يجب أن نذهب الآن, هذا المكان يغلق أبوابه مع غروب الشمس , سأعود بك الى فندقك!".
    " أرجوك لا تفعل, يمكنني العودة بمفردي".
    " اذا سرت في شوارع أثينا بمفردك أثناء الليل , فأن ذلك سيفسر بطريقة لا تعجبك , أين تقميمين؟".
    أفضت له على مضض باسم الفندق , ولاحظت الأستياء الذي بدا عليه عندما عرف ذلك".
    " أستطيع أن أستقل تاكسي , لن يفسر ذلك بطريقة خاطئة".
    " قلت لك سأصحبك يا آنسة آرتشر , لا غبار على الفندق كمكان للنوم , ولكن طعامه غير مناسب , سأعود اليك فيما بعد لنتناول العشاء معا , وسنرتب أمر أصطحابك الى أراخوفا لرؤية الطفل , أعتقد أنك ترغبين أيضا في مشاهدة دلفي, وسيكون من المناسب أن تصحبيني , فسآخذ ألكسندروس الى والدايَ , وهو طريق طويل بالنسبة لطفل صغير , حتى لو كانت معه مربيته , وأعطيك هذه الفرصة للتعرف جيدا على الطفل , أليس هذا ما تريدينه؟
    ابتسمت تشاريتي بالرغم منها وقالت:
    "أعتقد أن الطفل لا يطيق السيارات ".

  7. #7
    " لقد قيل لي ذلك بالفعل , هل ستأتين؟".
    " نعم , سآتي , ولكن هناك سؤالا , أليست دلفي بعيدة عن أثينا , لماذا يعيش ألكسندر هناك؟ كنت أعتقد أن فيث تعيش في أثينا؟".
    " كانا يعيشان هناك في وقت ما".
    " في وقت ما؟".
    قال لها مفسرا على مضض:
    " كان ذلك قبل أن يصبح نيكوس مغرما بالمسرح الأغريقي , لقد قرر نيكوس أن يقوم بأنتاج مسرحية أغريقية في مسرح دلفي بعد مشاهدته لواحدة منها , أخرجتها أحدى الأميركيات المغرمات بالمسرح الأغريقي, ولذلك أستأجر بيتا في أراخوفا , وهي قرية قريبة من دلفي وذهب ليعيش هناك , كان يخطط لموسم درامي كبير في العام القادم, والآن ذهبت كل خططه معه الى القبر".
    وصاحت تشاريتي بدهشة:
    " يا للعار".
    وابتسم لوكوس بمرارة قائلا:
    " لقد كانت فيث تعارض فكرة تخليه عن حياته كرجل أعمال , من أجل تحقيق حلم, ولولا الطفل لرفضت الذهاب معه , ولكنها كانت تخشى أن يتركها بمفردها في أثينا , فلم تكن تتكلك اليونانية".
    " ولكن كان معهما والدا نيكوس".
    " أنهما يتحدثان الأنكليزية قليلا, لقد طعنا في السن وليس هناك ما يدعوهما لتعلم أشياء جديدة, ولم يكن نيكوس ليسمح لفيث بأن تعكر صفو السلام الذي كانا يعيشان فيه".
    وأضاف وهو يتنهد :
    "ولكن يبدو أنها نجحت في ذلك رغما عنه, فوجود طفل في البيت أمر غير مرغوب فيه, عندما يصل الأنسان الى مرحلة معينة من العمر ".
    " ربما من الأفضل لك أن تعطيني الطفل؟".
    هز رأسه بالنفي, ومع ذلك ابتسم لها وأخذها من ذراعها بثقة الى خارج الميدان حيث كانت تقف سيارته, فتح لها باب السيارة , واستدار نحو الباب الآخر متوقفا قليلا ليشعل سيكارة , وعندما أضاء عود الثقاب ملامحه , تذكرت تشاريتي الكتاب, وطاف بخاطرها سؤال:
    " أريد أن أعرف أي أنسان كان أبوللو؟".
    فأجاب على الفور في شيء من الأزدراء:
    " لن تعرفي الكثير عنه من خلال هذا الكتاب , فالرموز القديمة لا تكشف عن أنفسها بهذه السهولة".
    وبدأ في أدارة محرك السيارة وقال ملتفتا اليها:
    " لعلَك تأملين أن تعرفي المزيد عني؟".
    وأعطاها الكتاب قائلا في ثقة:
    " ستكتشفين المزيد عن كلينا غدا في دلفي, وأنا سأساعدك على ذلك".
    دق قلب تشاريتي في عنف , ولكنها أوحت لنفسها أن ليس هناك ما تخشاه من لوكوس باباندريوس , وما من سر قريب يمكن أن يكتشفه, أما هو فعليه أن يكشف لها الكثير قبل أن تقتنع , لقد التمست فيث منها المساعدة , وبطريقة أو بأخرى سوف تسوَي أمور أختها مع عائلة زوجها , سألته:
    " لقد كان من السهل فهم نيكوس, واذا كنت تعتقدين أنني أشبه أبوللو , فأن نيكوس بالتأكيد كان يشبه ديونيسوس ".
    "أن ديونيسيوس يتمتع بسمعة سيئة بالنسبة اليَ , فهو يشبه الرمز اليوناني أليس كذلك؟".
    " أن رموز اليونان ليست قساة كرموز الرومان , تشاريتي, هل تحضرين معك رسالة أختك الليلة , أنني أرغب قراءتها , هناك أشياء لا يعرف أي منا عنها شيئا, ولكن لا يوجد ما يدعو الى أن نكون أعداء".
    جلست تشاريتي تفكر في هذا الأمر , كانت تعتزم في البداية أن تسلم الرسالة ولكنها كانت تعلم أن فيث لم تثق في أي شخص من عائلة باباندريوس , قالت في النهاية:
    " سأفكر في الأمر".
    خرجت مسرعة من السيارة شاكرة له توصيلها الى الفندق.
    " سأعود اليك في الساعة الثامنة والنصف, اذا لم يكن هذا الموعد مبكرا بالنسبة اليك".
    وافقت وأسرعت مبتعدة عنه الى داخل الفندق.
    كانت حجرتها في الفندق مظلمة كئيبة , أضاءت أنوارها الخافتة, رمت بنفسها على السرير وهي تشعر فجأة بالأرهاق من وطأة المشاعر التي مرت بها في هذا اليوم.
    وبدأت تفكر: أوه فيث لماذا تموتين في ريعان الشباب! وغطت وجهها بيديها وأجهشت بالبكاء.

  8. #8
    2- لا حزن بعد الآن
    بذلت تشاريتي ما في وسعها لتزيل آثار البكاء , وضعت وجهها في ماء بارد , حاولت التفكير في أشياء مبهجة ومع ذلك ظلت تبدو في حالة سيئة.
    جلست طويلا على حافة سريرها تفكر بما ستفعله , ستبعث بمذكرة الى موظف الأستقبال تقول فيها أنها ليست على ما يرام , ولكنها ليست متأكدة من أن لوكوس باباندريوس لن يصعد ليطمئن عليها, الواقع أن فكرة الخروج معه لتناول العشاء لم ترق لها, فلم تكن على أستعداد لمواجهته , كانت تريد أن تصل الى قرار أولا, ولكن كيف يمكهنا ذلك وكل ما تستطيع أن تفكر فيه هو تلك اللحظة الرهيبة , التي سقطت فيها فيث من قمة الصخرة العاتية في نهاية الطريق لتلقى مصرعها.
    في الثامنة والنصف نزلت من غرفتها , وشغلت نفسها بالتطلع حولها في الفندق وزواره , لذا لم تر لوكوس باباندريوس وهو يدخل الى الفندق , قال باليونانية:
    " مساء الخير يا تشاريتي".
    استدارت اليه مجفلة , ناسية للحظة قرارها بأن تظل جالسة في المكان المظلم نسبيا:
    " مساء الخير".
    لقد استبدل ملابسه, وارتدى ملابس السهرة , وأصبح الشبه بينه وبين أبوللو أكثر وضوحا الآن.
    أردفت قائلة:
    " أعتقد أنه يجب عليك أن تناديني آنسة آرتشر لأننا- مهما يكن من أمر – لا يعرف أحدنا الآخر جيدا".
    رفع حاجبيه في دهشة وقال:
    " قلت لك اسمي, وأعطيتك الحرية في مناداتي به, أن اسم آرتشر عسكري لا يناسبك , وفي أي حال أعتقد أن شخصا بأسم آرتشر لا يقضي ليلته باكيا , فيث لم تكن لتفعل ذلك , لماذا أذا تبكين من أجلها؟".
    " أنها أختي , وأنا أحبها".
    " بالطبع هي أختك , ومن المناسب أن تحزني لوفاتها , فليكن حزنك على الفتاة التي كانت فيث , وليس على المرأة كما أصبحت ولم تعرفيها حقا, هل نذهب الآن؟".
    قالت تشاريتي مترددة :
    " من الأفضل لي أن أعود الى غرفتي , قد أشرع في البكاء مرة أخرى ولا أريد أن أسبب لك حرجا".
    قال بثقة:
    " كلا, لن تبكي بعد الآن! سنستمتع ونبتهج ولن نفكر الا في المستقبل".
    وتسللت ابتسامة الى عينيه وأضاف:
    " قد تكون هذه آخر عطلة لك بمفردك قبل أن تتزوجي , هل فكرت في ذلك؟ سأبذل ما في وسعي لأجعلك ترين كل ما ستفتقدين لرؤيته فيما بعد".
    ألقت اليه تشاريتي بنظرة دهشة وبدأت تقول:
    " ولكن...".
    قاطعها سائلا:
    " كم يطول بقاؤك في أثينا؟".
    " لا أعرف , حتى عيد الميلاد على الأقل , ولكنني لا أدري اذا كنت سأبقى الآن".
    وضع لوكوس معطفها حول كتفيها ورافقها الى الخارج, بعيدا عن الجو الحار داخل الفندق الى الليل البارد.
    " لماذا لا تطلبين من صديقك الشاب, أن يأتي لقضاء عيد الميلاد معك هنا؟".
    كولين هنا؟ أهتزت من مجرد الفكرة... ربما يكون جميلا أن يصحبها أحد لرؤية المناظر الممتعة , ولكنها شعرت أن ذلك ينطوي على نوع من الألتزام اتجاهه , ينما هي الآن أبعد ما تكون عن الشعور بهذا الألتزام فردَت بشرود:
    "لا أعرف".
    وضعها في السيارة وعيناه اللامعتان في عينيها , ثم قال لها متحديا:
    " هل لأنك غير متأكدة؟ أن تعتقدين أنه سيمكنك أصطحاب ألكسندروس معك الى أنكلترا؟".
    ألقت بنظرها الى اللوحة في مقدمة السيارة , وقالت بأصرار:
    " أعتقد أن هذا ليس من شأنك!".
    " ولكنني مصر أن أعرف بأنك لن تأخذي ألكسندروس , يا آنسة آرتشر , ستشعرين بسعادة أكثر اذا واجهت هذه الحقيقة".
    " أذن سأطلب من كولين أن يحضر الى أثينا , ولكن تذكرة الطائرة باهظة الثمن , ولا أعرف وضعه المالي الآن".
    " يسرني أن أرى صديقك الشاب هذا , سأدعوكما الى منزلي في يوم ما خلال العطلة".
    عجزت تشاريتي عن الكلام للحظة , هل يعتزم حقا أن يتفحص صديقها بدقة؟ واذا كان الأمر كذلك, فلماذا؟ أنها لا تعني شيئا بالنسبة اليه , وقد ظلَت دائما تتخذ قراراتها بنفسها منذ سنوات لا تحصى.
    " ألا تتوقف عن الأهتمام بما لا يعنيك؟".
    ولكن لوكوس لم يجب الا بضحكة فقط ثم قال لها مغيظا:
    " أهو شخص غير محتمل الى هذا الحد؟".
    " بالطبع لا".
    قالتها ببعض الحماس.
    " اذا لماذا تعترضين؟".
    حاولت البحث عن كلمات تقولها له , لا يسيء فهمها , وهي أنها تتولى بنفسها شؤون حياتها , ولن تطلب منه أن يخبرها ماذا تفعل مهما كانت نواياه , لكن كل ما استطاعت قوله:
    " أنني أعرف كولين منذ سنوات , وأعرفه كما أعرف أي أنسان آخر".
    " بالطبع, ولكن يا آنسة آرتشر , أنت أمرأة ولا يمكنك أن تريه بالطريقة نفسها كرجل, يجب أن تسمحي لي أن أقوم بواجبي , أن بيننا رابطة زواج أختك من أخي, ومن المناسب أن أضمن أن يكون هذا الكولين مناسبا لك كزوج , عليك أن تخبريني يكل شيء عنه ونحن نتناول الطعام".
    لم تكن لدى تشاريتي أية نية لتفعل ذلك, وتحوَلت بنظرها تشاهد الأنوار التي تزين شوارع أثينا , كان عجيبا – في نظرها- أن ترى أثينا وكأنها وضعت في غير مكانها , فقد بدت كمدينة ألمانية حديثة , وليس بها شيء من تلك الروعة الأغريقية , التي قذفت بها الى مخيلتها صور البارثيتون وغيرها من الأطلال .
    قالت وقد نسيت غضبها من رفيقها:
    " أنها لا تبدو كمدينة أغريقية".
    " ربما لأن المهندسين البافاريين هم الذين وضعوا أساسها".
    ردَت في سخرية :
    " هل سيكون مسموحا لي أن أخرج مع كولن وحدنا".
    " أن ذلك يتوقف".
    ردَت بسرعة:
    " على ماذا؟".
    ألقى اليها بواحدة من نظراته اللامعة :
    " يتوقف على من هو هذا الكولين من ناحية, وعلى من أنت هي من ناحية أخرى".
    لمس بيدها في لحظة أتصال خاطفة وقال:
    " كان يجب على فيث أن تصر على حضورك الى اليونان بمجرد وفاة والدك , لم يكن من الصواب تركك بمفردك بدون أن يكون هناك من يحميك . أين كنت تعيشين؟".
    عضَت تشاريتي شفتيها وقالت:
    " في منزل أبي".
    " الذي هو الآن منزلك؟".
    " كلا , ليس تماما , أنه ملك لثلاثتنا ".
    " أذن لن تقيمي فيه عندما تتزوجين ؟".
    " لم أفكر في ذلك , آمل ألا أعيش فيه, فهو مكان واسع ومقبض وغرفه السفلى مظلمة للغاية , أما الدور العلوي ففيه العديد من غرف النوم الباردة".
    " ولكن قد يفضل كولين أن يعيش فيه؟".
    استاءت تشاريتي من أصرار لوكوس , ماذا يعنيه من المكان الذي يفضَل كولين أن يعيش فيه؟ تمتمت قائلة:
    " لا أعتقد ذلك".

  9. #9
    وأوقف السيارة بمهارة في الميدان القريب من برج الرياح واستدار نحو الجانب الآخر ليفتح لها الباب, وعندما هنَت بالنزول وضع يده تحت ذقنها , ورفع وجهها ليقابل شعاع النور الساقط من المصباح فوقهما , وقال في رقة:
    " لا دموع بعد الآن , ولا حزن بعد هذه الليلة على الأقل , تعاهدنا ؟".
    ابتسمت بضعف وقالت موافقة:
    " لا دموع بعد الآن , بكيت من أجل هذه الأشياء من قبل".
    " هكذا ؟ أنت أيضا مثقفة ويمكنك القاء مقتطفات من مسرحياتنا الأغريقية ؟ هل يمكنك معرفة مؤلف هذه المسرحية؟".
    كانت تلك مهمة صعبة , خاصة وهي تشعر بلمسته القوية تحت ذقنها وقالت على الفور:
    " بوربيدس على ما أعتقد".
    كانت تفضل أن يكون هناك نوع من التحفظ في الحديث بينهما فهي تعتبره رجلا غريبا , ولم تحدد بعد ما اذا كان صديقا لها أو عدوا , تمنت لو تستطيع الأعتماد عليه , ولكن عندما يتعلق الأمر بفيث فأنه بلا شك يعتبر عدوا".
    " رقيق منك أن تهتم بشؤوني , ولكنني ظللت لوقت طويل أعتمد على نفسي , وأفضل أن يستمر ذلك".
    تحوَل برأسه عنها , غير عابىء بما قالته وقال في أحتقار".
    " ما من أمرأة تفضل ذلك".
    " ولكن أنا أفضل ذلك".
    هز كتفيه وقال:
    "ليس لوقت طويل".
    ومدَ اليها يده وقال:
    " تعالي يا تشاريتي لا بد أنك جائعة , وهناك العديد من الأشياء التي يجب بحثها قبل أن نتوجه الى أراخونا ودلفي في الصباح".
    أسرعت خلفه وسألت:
    "ماذا؟"
    " أولا ... ما زلت أرغب في قراءة رسالة أختك, هل هي معك؟".
    أومأت بالأيجاب.
    " لوكوس , ماذا ستفعل مع الصغير ألكسندر؟ أعتقد من حقي معرفة ذلك. على الأقل قبل عودتي الى أنكلترا".
    تجنب للحظة نظرتها الثاقبة اليه , وأحست أنه لا يرحب بهذا السؤال , فرد بجفاء:
    " عندما أتخذ قرار في هذا الشأن سأبلغك بدون شك , لن أنسى أنك خالته , وسترغبين في رؤيته من وقت لآخر , عليك أن تعلمي أنني أنا الذي سأقرر مستقبله".
    قالت متوسلة:
    " ألن تناقش الأمر معي على الأقل؟".
    " لا أجد سببا يدعوني لذلك, اذا كان هذا الكولين هو الرجل الذي تصفينه , فقد يكون وجوده مفيدا عندما ننتهي الى قرار , هذا سبب رغبتي في أن يأتي الى هنا".
    قالت محتجة:
    " ولكن ليس لكولين شأن بذلك , أنه أمر يعنيني أنا بالضرورة ".
    توقف فجأة ونظر اليها بحدة قائلا:
    " أعتقدت أنك تفكرين في الزواج من هذا الرجل؟".
    " وماذا في ذلك؟".
    " عندما يصبح زوجك , فمن الطبيعي أن يتولى هو شؤونك , فمن الأفضل أن يلعب دوره من البداية".
    " ولكنك لا تفهم!".
    أسكتها بحركة من يده وقال:
    " هذا يكفي , من الأفضل للمرأة الجميلة أن تهتم بأشياء لا تشغل بالها , وأنت أمرأة جميلة للغاية".
    أوقفتها المفاجأة عن الكلام, كانت غاضبة للغاية لأنه يتعمد أن يكون وصيا عليها , وأن يتجاهل رأيها, لا لسبب الا لكونها أمرأة ,ومع ذلك لم تستطع مقاومة أحساسها بشعور مثير , لأنه يراها جميلة , بل جميلة للغاية كما قال.
    تبعته الى داخل الكافيتريا , حيث الأضواء والصخب وحب الحياة.أتي اليهما المضيف مبتسما , أخذ منه لوكوس قائمة الطعام وأعطاه الطلب بسرعة, شعرت تشاريتي بالضيق لعدم أستشارتها , ونظرت حولها الى الصبي الصغير الذي كان يركض من منضدة الى أخرى لأحضار الطلبات, رد الصبي على نظراتها بقبلة على يده أرسلها اليها في الهواء.
    " يا ألهي أن عمره لا يتعدى الأثني عشر عاما".
    نظر اليها لوكوس نظرة شغف زادت من حرجها :
    "ألم أقل لك؟ هو أيضا يراك جميلة".
    " كان الأجدر به أن يكون تلميذا في المدرسة".
    ضحك بصوت عال:
    " أن الرجل اليوناني يعبَر عن أعجابه بالمرأة وهو ما يزال في المهد".
    شعرت بأنفاسها تسرع وهي تدرك تماما الأعجاب الذي بدا في عينيه السوداوين , ووجدت نفسها تتساءل ماذا سيكون شعورها لو وجدت نفسها بين ذراعيه, كان خاطرا مربكا للغاية , لم يرد على ذهنها من قبل , لقد صدمها أن تفكر في رجل بهذا الشكل غير اللائق , وأن يعصف بها مثل هذا التفكير , قالت بسرعة تذكره , وهي مصممة على تغيير موضوع الحديث .
    " لقد أبديت رغبتك في رؤية رسالة أختي".
    وضعت الرسالة على الطاولة حتى لا تكون هناك فرصة لتلامس أصابعهما وتابعت:
    "سترى كم كانت خائفة , وترغب في أن أحصل على ألكسندر".
    قرأ الرسالة مع تقطيبة صغيرة بين عينيه وقال معلقا:
    "أمر مؤسف , أهذه الرسالة الوحيدة منها أم أنها تركت لك رسالة أخرى في الفندق؟".
    أدهشها السؤال وقالت:

  10. #10
    عن جد انت انسانه رائعه باختيارك للامور الي تقرأيها
    والي يسعدنا بان تشاركيها معنا
    منتظره التكمله
    لا تطولين علينا بلييييز
    تحياتي

  11. #11
    جين اوستين...
    أقف مدهوشة من ذوقك الراقي في اختيار ما تنقليه..
    انت فعلاً رائعه.. وكنز ثمين للمنتدى...
    اشكرك من أعماقي ايتها المبدعه...
    وأتمنى أن تختاري لنا بذائقتك الرفيعه روايات أخرى كالرعب والاكشن ....
    ...
    كل الود..

  12. #12
    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة ليلو غيل مشاهدة المشاركة
    عن جد انت انسانه رائعه باختيارك للامور الي تقرأيها
    والي يسعدنا بان تشاركيها معنا
    منتظره التكمله
    لا تطولين علينا بلييييز
    تحياتي



    شكرا لكي عزيزتي على كلامك الحلو وان شاء الله اليوم انزل باقي القصة ^____^

  13. #13
    إقتباس الرسالة الأصلية كتبت بواسطة ~east_rose~ مشاهدة المشاركة
    جين اوستين...
    أقف مدهوشة من ذوقك الراقي في اختيار ما تنقليه..
    انت فعلاً رائعه.. وكنز ثمين للمنتدى...
    اشكرك من أعماقي ايتها المبدعه...
    وأتمنى أن تختاري لنا بذائقتك الرفيعه روايات أخرى كالرعب والاكشن ....
    ...
    كل الود..



    شكرا لكي عزيزتي على كلامك الرائع وانتي الاروع وان شاء الله عشانك في المستقبل القريب انزلكم احدى قصص الكاتبة الشهيرة اغاثا كرستي و هي وحدة من قصصها تعجبني كثيرا جدا

  14. #14
    " كان موعدنا عند برج الرياح , وقالت ستروي لي كل شيء . اذا ما الذي يدعوها لأن تكتب لي مرة أخرى؟ بالأضافة الى أنها كانت تكره كتابة الرسائل".
    أعاد اليها الرسالة قائلا:
    " لا بد أنها كانت تثق بك ثقة عظيمة , ولكن أليس هناك عنوان لها لتردي عليها؟".
    " ولكن عنوانها كان معي, أعني عنوانها بأثينا , وكنت أكتب اليها عليه دائما , لم أكن أعلم أنها تعيش في مكان آخر".
    " انني أعجب لماذا لم تخبرك أنها في أراخوفا , باعا شقتهما في أثينا منذ نحو عام, ومن حسن الحظ أننس تسلمت رسالتك وقرأتها , لقد فحصت كل أوراق أخي وتعرَفت على خطك فوق المغلف".
    " ولكنني لم أراسل نيكوس أبدا!".
    " كانت أختك تشاركه في مكتبه , وجميع رسائلك هناك تائهة وسط الفزاتير والرسائل الأخرى المتعلقة بعمل نيكوس".
    " أوه , لم أتصور أنه يقرأ رسائلي".
    " ولم لا؟ أنه زوج فيث".
    " أعتقد أنك قرأت رسائلي أيضا , لم تكن غلطتي أنها لم تحتو على الكثير من المعلومات , فأن فيث لم تكن تبلغني أبدا ماذا كانت تفعل, وهكذا ترى أن هذه الرسائل كانت من طرف واحد".
    " هل تصدقينني لو قلت أنني لم أكن أنوي قراءة هذه الرسائل في بادىء الأمر ؟ ولكنني أردت معرفة عنوانك لأبلغك ماذا حدث لأختك , ووجدت نفسي أريد معرفة المزيد عنك , كانت قراتي لرسالتك الأخيرة مفيدة فلم تنتظري في برج الرياح الى ما لا نهاية , أما بقية الرسائل فدارت حول مرض والدك والمنزل الذي تعيشين فيه , تشاريتي , ألم تتح لك الفرصة طوال هذه السنوات لأقتناص نصيبك من المتعة, يبدو لي أنك أصغر من أن تتحملي مثل هذه المسؤولية , أليس لك أقرباء من الممكن أن يساعدوك؟".
    " لي عم أعزب , ولكنني لم أره منذ سنوات , في أي حال لم أكن صغيرة الى هذا الحد , بالأضافة الى كولين ".
    " آه بالطبع لقد نسيته , بلا شك هذا هو السبب الذي جعل نيكوس لا يطير الى أنكلترا لدى وفاة والدك , أنني مسرور لوجود هذا الكولين ليقوم لك بجميع الترتيبات , فليس من المناسب أن تقوم أمرأة بمثل هذه الأمور".

  15. #15
    أحست تشاريتي بالدماء تتدفق في وجنتيها ولكنها لم تقل شيئا , كيف تقول له أن كولين لم يكن موجودا في ذلك الوقت, وحتى لو كان موجودا فلن يخطر بباله التدخل في أمورها الخاصة, كان يمكن أن تشعر بشيء من السعادة , لو أن شخصا آخر تولى عنها مسؤولية أتخاذ القرارات السريعة في ذلك الوقت, نظرت الى لوكوس الذي كان مشغولا عنها بالتحدث الى خادم المطعم, لم يكن من طبيعتها أن تعقد المقارنات بين الناس , ولكنها وجدت صعوبة بألا تفكر في كولين, وكيف كانت على ثقة من أنها تستطيع الثيام بهذه الأمور خير قيام , ليس بالنسبة لمشاكلها هي فقط ولكن بالنسبة الى مشاكله هو أيضا, في حين أن لوكوس لم يأخذ رأيها فيما تريد أن تأكل- أو تشرب! كان رأيه هو السائد فيما يختص بذلك , لقد حوَل لوكوس مسار تفكيرها الحزين الى شيء آخر استحوذ على مشاعرها , بدأ قلبها يخفق بشعور غريب, يخفق بحب لوكوس , ونظرت اليه خلسة من بين رموشها , وتعجَبت من مشاعرها , هل هذه المشاعر نتيجة تأثير اليونان عليها , اذا كلما أسرعت في العودة الى الأمان في منزلها كان ذلك أفضل.
    قالت شيئا عن أبوللو أثار فيه موجة عارمة من الضحك, رجَت في أنحاء الكافيتيريا , وتصوَرت أن الموجودين سينظرون أليهما في دهشة , ولكن أحدا غيرها لم يلاحظ شيئا غير عادي في أنسان يحاول أن يقضي وقتا سعيدا وعلَق لوكوس على قولها:
    " يا فتاتي العزيزة , أؤكد لك أنني لست أبوللو مهما كنت تعتقدين أنني أشبهه , أنا لوكوس باباندريوس ! ألا يكفيك ذلك؟".
    لقد ضايقتها هذه الجلسة التي تنم عن صلف أنا لوكوس باباندريوس ! وحاولت أن تتخيل نفسها تعلن أنها تشاريتي آرتشر بنغمة الصوت نفسها , وأزعجها هذا الخاطر فلم تكن واثقة أنها شخص يمكن أن يشار اليه بالبنان وحسدته على هذه الثقة بالنفس , قال:
    " سآخذك لتقومي برحلتك الى هيكل أبوللو غدا فهل ستنتظرينني في أثينا حتى أعود اليك بالطفل لتريه؟".
    " لقد وعدتني أن أذهب معك!".
    كانت توق لرؤية دلفي , ليس لأن أختها عاشت هناك , ولكن لترى ذلك المكان الذي ظلَ الناس يرتادونه منذ خمسة آلاف عام , قال لها وهو يمد يده تعتصر أصابعها في قبضته القوية:
    " اذا ستذهبين الى هناك , وآمل ألا يكون ذلك مخيبا لآمالك".
    شعرت تشاريتي بأنها مرهقة للغاية من ضوضاء الكافيتيريا عندما أخذها ليعود بها الى الفندق , لقد عرفت الكثير عن اليونانيين في ليلة واحدة , أنهم لا ينامون ويحبون الحياة مما يجعلها تحب مشاركتهم هذا الحب ".
    وعرفت أيضا شيئا عن لوكوس , أبلغها بأنه رجل أعمال على صلة بالسفن والزيتون, ولكن لم يكن ذلك ما يثير أهتمامها , واكتشفت شيئا عن نفسها أيضا, وهذا ما كانت تحب أن تعطيه مزيدا من التفكير , أنه أمر يتعلق بالصبي خادم المطعم الذي-اذا صدق لوكوس - شبه شعرها الأحمر بأشعة الشمس , كانت تريد أن تعيد التفكير أيضا في الطريقة التي كان لوكوس ينظر بها اليها ويرقص معها, وكيف قبَل يدها عندما أفترقا , أضاف ذلك الى الأحساس الغريب الذي كانت تشعر به لأول مرة , أحساسا بأنوثتها أسعدها.
    كولين الذي ظنَت أنها تحبه , لم يعطها الأحساس بأنها أمرأة , ولكن هذه الليلة تغيَر كل شيء , برغم دموعها وحزنها على وفاة أختها , الا أنها أمسكت بومضة من ومضات الحياة , ولن يكون هناك مكان للحزن بعد الآن.
    غدا, سيكون مجال للتفكير في فيث وابنها, اذا كانت ستضع ثقتها في لوكوس , ولكن هذه الليلة بالذات فلن تفكر الا في أحلام تداعبها , وسعادة بالحياة كما يفعل لوكوس , نظرت في المرآة وأدهشها أنه لم يكن على وجهها أثر للدموع التي ذرفتها , كانت عيناها تشعان بريقا مثل بريق عينيه عندما يضحك على بعض النكات , أطفأت النور وجذبت الغطاء , وقررت أن تضع خطة صارمة قبل أن ترى لوكوس مرة ثانية , لكنها نامت لحظة وضعت رأسها على الوسادة.

  16. #16
    3- المرأة المجهولة
    نظرت تشاريتي الى الأطلال الأثرية في دلفي والى المسرح الأغريقي , الى الأعمدة الست المتبقية من هيكل أبوللو , والطريق الذي اصطفت على جانبيه الكنوز المختلفة التي تمثل جميع أنحاء اليونان.
    أوقف لوكوس السيارة على جانب الطريق ليسمح لها بالتمعن في الآثار وأخذ يشرح لها عن الأساطير اليونانية المرتبطة بها ,
    ثم عاد الى السيارة وقادها لوكوس حتى وصلا الى قاعدة الهيكل حيث أوقفها , وأسرعت تشاريتي صاعدة الدرج قبله, كانت تتحرق شوقا للسير في الطريق القديم المتعرج المؤدي الى أعلى الهيكل , قال لها لوكوس:
    " سيفوتك الكثير اذا أسرعت بهذا الشكل, يجب عليك أولا مشاهدة الكنوز على جانبي الطريق".
    أطاعته تشاريتي وسارا جنبا الى جنب , وهو يشرح لها كل شيء يقع عليه نظرهما, وظلت تتحرك بخفة صعودا ونزولا في المستويات المختلفة للهيكل.
    جلست تشاريتي على حافة الهيكل , شعرت بمزيد من الراحة تجاه موت أختها , فقد ظلَت طوال الطريق من أثينا يتسلط عليها شعور بأنهما قد يمران بالبقعة نفسها حيث لقيت فيث حتفها , وظل لوكوس طوال الطريق صامتا تقريبا.
    سألت تشاريتي لوكوس:
    " هل كان الحادث بالقرب من هذا المكان؟".
    أومأ لوكوس بالأيجاب , ولكنه لم يحدد لها بالضبط موقعه , وفكرت في رسالة أختها , وسبب مجيئها الى اليونان , كانت حياتها موزعة بين أفراد عائلتها , تلتقط قطعا متناثرة من أعمارهم , لم تكن لها حياة خاصة بالمعنى الحقيقي, وكم رغبت في أن تكون هي نفسها, وأن تسير في الطريق الذي تريده , حتى تستطيع هي أيضا أن ترفع رأسها عاليا قائلة في تصميم: أنا تشاريت آرتشر , هل هذا الشيء بكثير الآن , بعد أن مات أبوها وأحدى شقيقاتها ولم يبق لها سوى هوب . التي لم تكن في حاجة أليها .
    نظرت تشاريتي الى أعلى وهما يصعدان المسافة القصيرة الى المسرح.
    " من المؤسف الا تدب الحياة في هذا المسرح , طوال الصيف المقبل كما أراد نيكوس , أنه مكان لا مثيل له , أليس كذلك؟".
    كان عليها الأعتراف أنه كذلك بالفعل , لقد بدا صغيرا عند النظر اليه من أسفل , وضم ثلاثة وثلاثين صفا من المقاعد , ترتفع على شكل نصف دائرة حول المسرح في أسفله , أسرعت تشاريتي تصعد الدرجات في خفة وجلست بالقرب من القمة.
    كانت الشمس قد احتجبت عند عودتهما الى السيارة , وبدأ المطر يهطل ببطء على الوادي .
    قال لوكوس:
    " لا تقلقي , سنعود مرة أخرى بعد الغداء لألقاء نظرة سريعة على المتحف, قرية دلفي تقع عند المنعطف , ولكن علينا العودة الى أراخوفا".
    أسندت رأسها على جانب المقعد ونظرت اليه قائلة:
    " أشكرك على أصطحابي الى هنا , لن أنسى لك ذلك أبدا".
    كان الطريق متعرجا حول الجبال , ومرتفعا بحدة نحو القمة حيث قرية أراخوفا , كانت منازلها مقامة على المنحدرات , بحيث يقع سقف المنزل في نفس مستوى الدور الأرضي للمنزل الذي يليه , وعند وصولهما أراخوفا تحوَل المطر الى سيول.
    أوقف لوكوس السيارة في مكان مناسب قائلا:
    " علينا أن نذهب سيرا على الأقدام ".
    أمسطها لوكوس من ذراعها , واندفع بها صاعدا أحدى حارات البلدة , منبها ايَاها أن تأخذ حذرها لئلا تتعثر في الماشية والدجاج المتجولة بحرَية عند وصولهما الى القمة وهما يلهثان , قال لوكوس:
    " كان نيكوس يحب هذا المنظر ".
    قالت تشاريتي لنفسها : أستطيع أن أفهم هذا , ولكنها لم تستطع مقاومة نفسها من التعجب كيف كانت فيث تتصرف , وهي تحمل مشترياتها صاعدة الى ذلك التل , أو هابطة منه الى بداية الطريق , سألت تشاريتي:
    " هل هذا هو المنزل؟".
    لا تستطيع التصديق, كان الدور الأرضي يستعمل كأسطبل وليس به سوى حمار واحد.
    لم يهتم لوكوس بالأجابة , وسبقها الى درج حجري يؤدي الى غرفة الجلوس في الطابق العلوي وهو ينادي باليونانية , أطلَت أمرأة عجوز ظهر على وجهها علامات الشك والعداء , سرعان ما تلاشت عندما تبينت من القادم.

  17. #17
    " لوكوس , هذا أنت! حسبتك شخصا آخر".
    " هل تودَن رؤية الطفل أولا أم ترغبين في تناول الطعام؟".
    " أرغب في رؤية ألكسندر".
    كلَم المرأة العجوز التي ابتسمت فجأة لتظهر مجموعة من الأسنان السوداء غير المستوية , قال لوكوس بجفاء:
    " المرأة هي مربية ألكسندروس وهي ترعى الطفل والبيت, أنها من نساء القرية وجديرة بالثقة".
    هزت تشاريتي رأسها تحيَة للمرأة , وأنتظرت بلهفة وهي تراها تذهب الى غرفة النوم لتأتي حاملة الطفل على ذراعيها , كان نائما, ولكنه فتح عينيه عندما مدَت تشاريتي ذراعيها لتتلقاه , وتثاءب في وجهها , كان متدثرا في دفء , تشع منه رائحة الحليب وبودرة الأطفال . جعل الدموع تملأ عينيها عندما نظرت اليه , بكت بسبب شعره الأحمر الذي يشبه لون شعرها وأهدابه البرونزية التي تحرس عينيه الواسعتين, نظرت الى لوكوس في شيء من الأتهام , وقالت في تعجُب:
    " أنه يشبه آل آرتشر في كل جزء منه".
    قال فجأة مذكرا اياها:
    " ولكن اسمه باباندريوي , سأكون شاكرا لك لو تذكرت ذلك جيدا".
    " لا أعتقد أنك ستسمح لي بنسيانه , ولكن لا يمكنك تغيير ملامحه , أنه يشبه فيث تماما , أليس كذلك؟".
    جاء ونظر الى الطفل من فوق كتفيها وقال:
    " ليس بالضرورة , أما اذا كان لا بد , فأنني أقول أنه يشبهك أنت أكثر , فلم يكن لفيث نضارة بشرتك".
    رمقته بنظرة خجولة وودَت لو أنها لم تفعل , لأن تعبير الرضى الذي ملأ وجهه أثار التوتر, مما جعلها تتساءل فجأة ماذا سيكون شعورها لو أحست بوجه يلامس وجهها , حاولت وقف أتجاه تفكيرها , وشعرت أن يديها ترتعشان مما أيقظ الطفل الذي بدا أنه يفكر في البكاء , هزَته برفق وهي تخفي وجهها في وشاحه وكلَمته بالأنكليزية في رقة , قال لوكوس في لهجة آمرة:
    " تعالي , لقد حان وقت الغداء , يستطيع الطفل أن ينتظر ".
    " كم هو طفل حبيب , أنني أرغب, أعرف أنه ينتمي الى باباندريوي أيضا , ولكنني أتمنَى لو كان لي".
    رفع لوكوس حاجبيه في دهشة وقال:
    " سيكون لك أطفالك أنت , وقد يختلف شعورك نحوه".
    " أبدا".
    كانت نظرته الساخرة كفيلة بأن تجعلها تشعر بأنها حمقاء , أعادت الطفل الى مربيته التي وضعته في مهده , جالت تشاريتي بنظرها في الغرفة , وشعرت أن أشياؤها تبدو يونانية صرفة, وأن فيث لا بد شعرت بأنها غريبة في هذا الجو , لم يكن في الغرفة شيء حديث سوى صورتين معلقتين على الحائط للعذراء والطفل , أمامها مصابيح حمراء صغيرة لم تكن مضاءة , أما بقية أثاث الغرفة فكان متواضعا للغاية, منضدة لامعة في وسط الغرفة حولها أربعة مقاعد مصنوعة يدويا , ومنضدة ثانية , وهو كل أثاث الغرفة , وعلى الأرض أمتدَ بساط ذو لون برتقالي فاتح بدا عليه كثرة الغسيل , وفي غرفة النوم , استطاعت تشاريتي أن تلحظ سريرا كبيرا مزدوجا ومهد الطفل.
    سألت لوكوس وهما يجلسان الى المائدة:
    " ما الذي حدث لكل أشياء فيث؟".
    " أخذت الكتب والأوراق الى شقتي في أثينا , أما بقية الأشياء , فقد تم توزيعها , لو علمت بقدومك لحفظت لك ملابسها".
    " ليس هذا بالأمر الهام".
    " لم تكن أختك تملك شيئا سوى زوجها لذا لم يكن ضروريا كتابة وصية أو شيء من هذا القبيل!".
    ابتسمت تشاريتي وقالت:
    " ما دام نيكوس تخلَى عن أعماله التجارية لا أعتقد أنه كان يمتلك الكثير , فلو كان يملك شيئا لما أقاما هنا , أليس كذلك؟".
    عادت المرأة اليونانية الى الغرفة ووضعت على الطاولة زجاجة شراب بدأت سكبه في أكواب لا تعرف من أين جاءت بها , وهي تحثٌ لوكوس على تذوقها.
    قال لوكوس لتشاريتي :
    " هذا الشراب تعودنا عليه, ولكن يمكنك شرب الماء , طلبت من أفيجينيا أن تحضره لك".
    شربت تشاريتي من الشراب لترضي لوكوس , في بداية الأمر لم تكن تستسغ مذاقه , ولكنها بدأت تتعوَد وقالت في حرص:
    " أنا لا أشرب كثيرا".
    ولم يعد بأستطاعتها مواجهة نظرات عينيه , وأحست بالراحة حين أحضرت أفيجينيا صحنا كبيرا يتصاعد منه البخار, يحتوي على نوع من الخليط , وبدأت توزيعه عليهما بكرم ظاهر.
    كانت وجبة سعيدة, أنست تشاريتي أن فيث لم تكن تشعر بالأنتماء الى هذا البيت , أنه شعور غريب تسلط عليها لم تعرفه في حياتها من قبل, فقد عاد اليها السحر نفسه الذي أحاطها لوكوس به في الليلة السابقة , وأحست أنها تقترب من أكتشاف عظيم , ورحبت بهذا الشعور.
    عندما استيقظ ألكسندر وبدأ في البكاء , شعرت بالأسف لأن بكاءه أنهى الوجبة الشهية , أحضرته أفجينيا من غرفة النوم بعد أن غيَرت له ملابسه ووضعته على ركبة تشاريتي , وسألت بعض الأسئلة التي ترجمها لوكو.س.

  18. #18
    " أنها تسأل اذا كنت تودين أطعامه...".
    سعدت تشاريتي وقالت:
    سعدت تشاريتي وقالت:
    " هل يمكنني ذلك حقا؟ أنه صغير جدا , أليس كذلك؟".
    " كل الأطفال المولودين حديثا يبدون هكذا . أن عمره الآن لا يتعدى سبعة أسابيع".
    " لاأعرف كيف كانت فيث ترتاح لتركه".
    " كان الأجدر بها أن تبقى معه, أن النساء العصبيات يسببن الأزعاج لغيرهن".
    قالت تشاريتي محتجة:
    " لم يكن هذا قولا طيبا منك".
    " لو كانت زوجتي لعرفت كيف أتعامل معها, لن تهرب من بيتي بهذا الشكل مهما كانت تصرفاتي , كان يجب عليها البقاء مع أبن نيكوس , لا أن تهرب وتسبب لنفسها الشقاء".
    " أكيد أن نيكوس فعل شيئا لا تطيقه!".
    " كان زوجها , ولها طفل وكان يجب أن يكفيها ذلك".
    " أن معظم النساء الأنكليزيات يشعرن أن لهن حقوقا مثل أزواجهن , ربما نيكوس أساء معاملتها لدرجة أن صبرها نفذ".
    " يجب على المرء أن يكون اما رجلا أو أمرأة".
    يبدو أنه لم يكن هناك رد على ذلك, وهكذا شغلت تشاريتي نفسهابأطعام الطفل , وهي منبهرة بالطريقة التي التهم بها حلمة الزجاجة وأخذ يرضع الحليب منها, راقبها لوكوس لفترة , ولكن يبدو أن المنظر لم يرق له لأنه ألقى بنفسه على المقعد وأخذ يدق الطاولة بأصابعه, لاحظت تشاريتي بشيء من المتعة أن يديه نادرا ما تظلان ساكنتين , فهو يستخدمها عندما يتحدث ليؤكد على نقطة ما , أو حتى للتعبير عن أشياء بدون اللجوء الى الكلام أطلاقا.
    وعندما يكون صامتا فهو يلعب دائما في أشياء تقع بين يديه, لا عجب اذا أن اليونلنيين كانوا نحاتين قبل أن يكونوا شيئا آخر, كان الطفل قد أنتهى من رضاعة نصف الزجاجة عندما سمع نهيق الحمار معلنا وصول زائر, ونظر لوكوس غبر النافذة اتجاه الباب , لكنه لم يحاول النهوض لأستقبال الزائر.
    نادى أفيجينيا وأومأ لها برأسه اتجاه الباب , تعثرت المرأة اليونانية وهي تسير عبر الغرفة لتفتح الباب الذي تدفقت منه رياح باردة , وصاحت مرحبة باليونانية ... ورد عليها باليونانية , صوت أنثوي رقيق , وسمعت أصوات وقع الأقدام مسرعة على الدرج الحجري , حولت تشاريتي نظرها عن ألكسندر , وهي تتساءل ترى من تكون هذه المرأة المجهولة, دخلت المرأة مندفعة الى الغرفة وتوقفت عند المدخل لتتبادل معهما النظرات , كانت ذات ملامح أغريقية أصيلة, وبنية قوية مع بعض الثقل عند كتفيها وصدرها , وعندما وقع بصرها على تشاريتي بدا عليها الأرتباك بوضوح , وقالت فجأة بالأنكليزية:
    " أنت شقيقة فيث؟".
    أنطلق ألكسندر بالصراخ بشكل حاد , عندما توقف الحليب في الزجاجة عن الوصول الى فمه , وكان كفيلا بأعادة تشاريتي الى الأهتمام به , ابتسمت له وأخذت تربت عليه لتهدأ من ثورته , قال لوكوس من خلال الهدوء الذي ساد الغرفة:
    " أقدَم الآنسة تشاريتي , الآنسة أدرياني فوزاس وحدة من أشهر ممثلاتنا , وكانت ستظهر في مسرحية نيكوس".
    قالت أدرياني وهي تبدو عابسة:
    " لقد استأجر لي غرفة في القرية".
    ونظرت الى لوكوس نظرة سريعة من بين أهدابها وأضافت:
    " لم يكن لوكوس موافقا , وسأعود الى أثينا لأرضائه, ولكنه رجل يصعب أرضاؤه, صدقيني!".
    وافقت تشاريتي على كلامها , وراقبتها بأنبهار , وهي تعبر الغرفة وتلف ذراعيها حول رقبة لوكوس في حركة مسرحية قائلة له بأستعطاف:
    " قل أنك مسرور لرؤيتي".
    " لماذا تمكثين هنا؟".
    " ظننت أنه ربما يقوم شخص آخر باستكمال المسرحيات , ولكن أحدا لن يفعل , كل شيء يبدو مختلا بدون نيكوس".
    مال لوكوس الى الأمام ولمسها برقة فوق خدها قائلا:
    " وأكثر أختلالا ... بالنسبة الى ألكسندروس".
    " أن له خالته".
    " وأنت كل شيء لك وفي أنتظارك في أثينا".
    قالها وهو يبتسم....

  19. #19
    4- أنت لا تحبني
    حاولت تشاريتي تجنب نظراتها , وهي تعجب من شعورها بالغضب, ربما كانت علاقتهما تسمح لهما بهذه التصرفات أو كانت العائلتان متعارفتين منذ أعوام, بالأضافة الى أن أردياني كانت تعمل لصالح نيكوس , وأن ما يحدث ليس له علاقة بلوكوس , ولكن ما الذي ينتظرها في أثينا؟ شقة جديدة؟ وبدأ ألكسندر يحتج, ملوحا بقبضة صغيرة في الهواء عندما بذلت خالته ما في وسعها لتنظيف فمه بمنديل , راقبتها أردياني وعلقت قائلة:
    " يبدو أنك تعرفين جيدا ما تفعلين!".
    وافقتها تشاريتي:
    " الى حد ما, كان لي أصدقاء لهم أطفال صغار , ولكن لم يكن لي تجربة شخصية معهم".
    ابتسمت أردياني في خبث وتحولت الى لوكوس قائلة:
    " مما يؤسف له أن أفيجينيا لن تذهب الى أثينا , ماذا ستفعل بالطفل؟ أن والدتك لن تسعد بوجوده في كيفيسيا".
    " هناك دائما أليكترا".
    قالها بجفاء, ردت ضاحكة:
    " آه , نعم , أليكترا , لقد نسيتها , يا للمسكين ألكسندروس , آمل ألا تخنقه بحبها".
    قطب لوكوس جبينه وقال مؤنبا الفتاة اليونانية:
    " أنت تخيفين تشاريتي عندما تتحدثين بهذه الطريقة , أنها تريد أن تأخذ ألكسندروس لنفسها".
    " ألكسندروس فقط؟".
    " ليس هذا من شأنك , تشاريتي , اذا لم تنتهي من أرضاع الطفل , دعي أفيجينيا تقوم بذلك , علينا الأسراع اذا أردت رؤية المتحف وأنا لا أرغب في تسليم الطفل الى والداي في وقت متأخر".
    أخذ الطفل منها بيدين قويتين وذهب بنفسه الى غرفة النوم وأعاده الى مهده وتابعته أردياني بتهجم:
    " أعتقد أنكما ذهبتما هذا الصباح لمشاهدة دلفي؟ لو علمت بعودتكما الى هناك مرة أخرى لما أتيت , أشعر بالتعاسة لرؤية هذا المسرح الرائع, وأنا أعلم بعدم تمثيلي هناك أبدا, كان لدينا خطط رائعة, نيكوس وأنا, أنه عبقري بطريقته الخاصة , برغم أن أختك لم تقتنع أبدا , أو تقدر ما يحاول القيام به, كانت تريد منه أن يعود الى أثينا".
    تجولت تشاريتي بنظراتها في أنحاء الغرفة وقالت:
    " أنني لا أستغرب ذلك".
    " هل تعنين الأثاث؟ هذا ليس مهما لم يكن عليها المجيء الى أراخوفا".

  20. #20
    ظهر لوكوس خارجا من غرفة النوم , وقال شيئا باليونانية لأردياني جعلها تلوذ بالصمت , ثم قال لوكوس بالأنكليزية :
    " ما دام نيكوس قد أتى الى أراخوفا فمن الطبيعي أن تحضر معه فيث, كانت أمرأة بيته وزوجته يا أردياني!".
    ثم دار بينهم حديث عن فيث شعرت منه تشاريتي بمدى كراهيتها لأراخوفا , ثم خرج الجميع.
    أطارت الرياح العنيفة تنورة تشاريتي لتصطدم بشدة بساقيها بينما كانت تمر عبر الحارة المنحدرة , لاحظت أن أردياني تمسك بذراع لوكوس بقوة, لم تعتد تشاريتي التعلق بذراع أحد, وشعرت بالغباء لأن الأمر لم يكن سوى أحساسها بالحسد الأنثوي عندما شاهدت أقتراب رأسيهما, وعينا أدرياني لا تفارقان وجه لوكوس , ما هذا التفكير الصبياني! أنهما أصدقاء منذ زمن بعيد, في حين أنها دخيلة ووجودها غير مقبول, أذا ماذا يهمها ماذا يفعلان؟".
    عندما وصلوا الى السيارة أبدى لوكوس حرارة وودا اتجاهها , الأمر الذي زادها كرها له , وقال لنفسها: ليحتفظ بسحره لأردياني.
    وصل جميعهم الى دلفي . وكانت في نظر تشاريتي بلدة رائعة الجمال, نظر لوكوس نظرة ذات معنى الى ساعته وقال لتشاريتي:
    " أمامك نصف ساعة فقط . لا يمكننا الأنتظار أكثر من ذلك".
    وتساءلت: هل سيأتي لوكوس معها أم سيظل في السيارة مع أردياني , ولكنه نزل من السيارة ناصبا قامته القوية ذات البشرة الذهبية.
    " هل تريدين أن آتي معك؟".
    هزت رأسها بسرعة موافقة , بالفعل كانت تريده وعها , وقالت وهما يقتربان من مدخل المتحف معا:
    " هل يمكنك ذلك؟".
    " كنت سآتي في أي حال, لأنني أتعجَلك في أول زيارة لك , ولكنك ستعودين الى زيارته مرة أخرى".
    " نعم, فسأقوم بزيارة ألكسندروس كلما تمكنت من ذلك".
    " لا أعتقد أن هذا آخر عهدنا برؤيتك".
    تجوَلا في أنحاء المتحف , حيث قام لوكوس بمهمة شرح أشياء معينة مما يحتويه , في حين لو أنها بمفردها لأعطت كل شيء مما تراه جزءا من وقتها , أمسكها لوكوس من ذراعيها بطريقو وديَة بينما كانا في طريقهما الى السيارة , ولم تحاول أن تتخلص منه , كانت سعيدة بهذا الأتصال وودت لو أنه لا يترك ذراعها حتى يصلا الى السيارة , وسألته تشاريتي وهما يهبطان درج المتحف:
    " هل ستعود أدرياني معنا الى أثينا؟".
    " آمل ذلك تشاريتي , أرجو أن تكوني لطيفة معها قدر أستطاعتك , أن والديها على خلاف معها , وعودتها الى أثينا تكلفها الكثير".
    سألته تشاريتي وهي تحاول ألا تتبسط معه في الحديث:
    " أليست هي في سن يجعلها قادرة على رعاية شؤونها بنفسها ! أعني ألم تتعدَ الواحدة والعشرين الآن؟".
    ابتسم لوكوس وقال:
    " مثل هذه الأمور لا تهم كثيرا في اليونان كما في أنكلترا بالنسبة للمرأة , بطبيعة الحال يحب أبواها أن يحمياها بقدر أستطاعتهما , هذه هي تقاليدنا".
    " ألم يرغبا في أن تقوم بالتمثيل في مسرحية نيكوس ؟ أن الأمر كما يبدو لي , لا يشكل أي خطورة ".
    " ولكن دلفي تبعد كثيرا عن أثينا".
    توقف لوكوس بينما كانت يده تشدَد قبضتها على يدها, سألها:
    " هل ستحسنين معاملتها؟".
    " نعم, اذا كانت هذه رغبتك , سأحاول ولكنني أعتقد أنها لا تحبني كثيرا, وأنها لم تحب فيث أيضا, لعلمك فيث على حق تماما , كان يجب على نيكوس أن يعود ألى أثينا مهما كان الثمن , فمن واجبه رعاية زوجته وطفله, ولا يمضي متصورا نفسه منتج الأجيال".
    " حسنا, حسنا".
    " لا يهمني ما تقول , فسأظل واقفة الى جانب فيث".
    " ألم يهمك ما أقول؟".
    قالت في أنكار:
    " لا يهمني".
    بينما عيناها تتسعان, والواقع أن رأيه كان يهمها , لماذا؟ لم تكن تعرف.
    " كانت أختي".
    " قد تكون فيث أختك , ولكنها كانت متزوجة من نيكوس , وما حصل بينهما ليس من شأنك ".
    " في الوقت الذي يمكنك أن تجعل كل شيء من شأنك أنت , أليس كذلك؟ نيكوس , فيث , ألكسندر , حتى أنا!".
    ثم أخذت نفسا عميقا باكيا وهي تشعر أنها مجروحة تماما وأردفت:
    " حتى أردياني".
    " يبدو لي أنك تتدخلين في شؤون عائلتي , أنَ كلينا سيشعر بالراحة عندما يأتي رجلك كولين هذا".
    ترك ذراعها فجأة , ورماها بنظرة عميقة ساهمة وقال:
    " لا تعتمدي كثيرا على صبري معك".
    " أنت أيضا لا تحبني".
    شعرت بحماقتها عندما قالت ذلك.
    " ترى, ماذا صدر مني؟".
    ضحك فجأة وأمسك بذراعها مرة أخرى وقال:
    "أنت .... أنت دائما , وهذا يكفي تماما".
    " أنني أنا؟".
    هل يعني أنه يراها شخصية لها كيانها الذاتي المستقل , وليست مجرد أخت فيث؟ أضافت:
    " ماذا لو لم يحضر كولين؟".
    " أن الأمر يستحق التفكير به".
    قالها بحزن وهو يدفعها باتجاه السيارة.

الصفحة رقم 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

مواضيع ذات صلة

  1. قال الزهر آه, روايات عبير القديمة (كتابة)
    بواسطة جين أوستين في القسم منتدى الأدب المحلّي والعالميّ
    المشاركات: 65
    المشاركة الأخيرة: 22-09-2010, 06:58
  2. اطلبو اي رواية من روايات احلام أو عبير القديمة
    بواسطة جين أوستين في القسم منتدى الأدب المحلّي والعالميّ
    المشاركات: 141
    المشاركة الأخيرة: 12-06-2010, 22:49
  3. فراشة الليل ....روايات عبير
    بواسطة جين أوستين في القسم منتدى الأدب المحلّي والعالميّ
    المشاركات: 39
    المشاركة الأخيرة: 03-09-2009, 18:47

المفضلات

collapse_40b قوانين المشاركة

  • غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
  • غير مصرّح بالرد على المواضيع
  • غير مصرّح لك بإرفاق ملفات
  • غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك
  •  


 


مكسات على ايفون  مكسات على اندرويد  Rss  Facebook  Twitter