الحمد لله الكريم المتعال خالق الإنسان بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته "إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين* فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين* فسجد الملائكة كلهم أجمعون* إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين"
والصلاة والسلام على خير من خلق وسيد الخلائق نبينا نبي الأولين والآخرين محمد بن عبدا لله عليه أفضل الصلاة والسلام عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عنه الغافلون
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كيف حال النفوس الطيبة ؟ إن شاء الله بخير وعافية يارب!
ربنا جلّ في علاه خالق كل شئ ما كان وما يكون وما لا يكون في أحسن تقويم
وفي أحسن هيئة وفي تمام الإتقان "الذي أحسن كل شيء خَلَقه"
وفي سياق قصة موسى عليه السلام ودعوته لفرعون ملك مصر
و عندما سئل فرعون موسى عليه السلام مستنكراً مستكبراً بقول" فمن ربكما يا موسى ؟"
فكانت إجابة كليم الله بقول بليغ شامل " ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى"
نعم ربنا هو الله خالق كل شئ خلق كل ما نراه حولنا وخلق كل مالا نراه , خلق جميع المخلوقات ومنح كل مخلوق صفته وشكله المناسب له وبأحسن صورة, وبعد تمام الخلق هدى كل مخلوق إلى ما خلق له فتجد المخلوقات تعيش في هذه الدنيا بما يسره الله لها منذ أن ترى عينها النور وتسير في عمل المنافع ودفع المضار الذي قدره الله لها , ونجد كل مخلوق يبحث عن رزقه ويهتم في مسكنه ويحافظ على نسله وتكاثر الأجيال بعده !
,,
فمن علم العنكبوت صناعة النسيج بذلك الإبداع ؟
ومن علم الطيور أساليب الهجرة من المناطق الباردة إلى الدافئة ؟
ومن علم العصافير ذلك الصوت البديع ؟
ومن فهم الديك وقت الإصباح؟
ومن أعطى الأزهار ألوان الحسن والجمال؟
ومن علم الأشجار الظل والثمار؟
قال سعيد بن جبير في قوله: (أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) قال: أعطى كل ذي خلق ما يصلحه من خلقه، ولم يجعل للإنسان من خلق الدابة، ولا للدابة من خلق الكلب، ولا للكلب من خلق الشاة، وأعطى كل شيء ما ينبغي له من النكاح، وهيأ كل شيء على ذلك، ليس شيء منها يشبه شيئًا من أفعاله في الخلق والرزق والنكاح
وقال الضحاك: أعطى كل شيء من المنفعة المنوطة به المطابقة له. يعني اليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع
,,
ثم خلق الله عزوجل أكرم المخلوقات الذي من اجله وجد الكون
وأشرفها منزلةً ومكانة بين كل الخلائق ألا وهو الإنسان فقال جلّ في علاه "
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ"
وقد أبدع الله عزوجل في خلق الإنسان وجعل منه روح وجسد ورتب للروح ما يغذيها ويحقق لها التوازن المنشود وما يحقق لها سعادتها واستقرارها وكذلك الجسد " يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ{6} الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ{7} فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ{8}
فجسد الإنسان لا قيمة له بدون الروح فالجسد إذا مرض وأصيب بالإنهاك والتعب والروح لازالت سليمة فالحمد لله !
لكن إن مرضت الروح وسقمت فلنرسل التعازي إلى الجسد ونقول عليك السلام !
,,
إن أوراق الدفتر صُنعت لهدف وهو الكتابة عليها
فإن رأينا شخصاً ما يستخدمها لنظافة يديه ومسح العرق من وجهه لقلنا
هل أصابك الجنون ما لهذا صُنعت؟!
وأيضاً الإنسان لم يخلق للأكل والشرب فقط!
ولم يخلق للنوم واللهو واللعب فقط!
ولم يخلق للجري وراء الدنيا فقط !
بل خلق لاتخاذ الدنيا طريقاً وسلماً يصعد به إلى الآخرة في رضوان الله عزوجل " أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ"
والناظر في أحوال الناس قاطبةً يعود بصره إليه خائبا كسيراً حسيراً من أحوالهم وما يجرون خلفه
فهم إلا من رحم ربي بذلوا جهداً كبيراً لإطعام الجســد أشهى أنواع المأكولات والمشروبات والإعتناء به بكافة أنواع الزينة " زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ"
وغفل الكثير منهم عن سر مكمن السعادة الحقيقة للإنسان وسر الارتياح الروحي الراقي :
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته *** أتطلب الربح مما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها *** فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
قال الإمام العلامة ابن باز رحمه الله لأحد تلاميذه و قد عاتب الشيخ على إتعابه لجسده و تحميله فوق طاقته فقال :يا بني إذا تلذّذت الروح لا يبالي الجسد بالتعب
ومن رحمة الله بعباده انه يرزقهم بمواسم خيرات تذكرهم بربهم وتذكرهم بالعودة إلى جنبه سبحانه وتعالى وتذكــرهم أيضاً أن لديهم أرواح عطشه إلى نسمات معطرة بالقران والسنة النبوية المطهرة ..
أرواح تبحث عن النور بدل الظلمة ..
أرواح تبحث عن الحياة بدل الموت ..
أرواح تبحث عن الصحة بدل المرض والعلل..
قال الله تعالى " أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ"
هل يستوي جماعة يمشون في ليل دامس مظلم لا مصباح لهم يرشدهم ولا نور يبين لهم طريقهم
ومع شاب بيده مصباح يعرف يمين الطريق من يساره !ويعرف أين يضع قدمه ومتى يرفعها!
هل يستويان!
"قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ"
وقد نبهنا الله عزوجل في القران الكريم أن الأمور المخالفة لا تتساوى بأي حال من الأحوال والصغير يعلم ذلك " قال تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ {19} وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ {20} وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ {21} وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ)[2].
وتلك المواسم الربانية تتكرر في اليوم والليلة , ومنها ما يتكرر شهرياً ومنها ما يتكرر كل عام
عن محمد بن مسلمة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لربكم في أيام الدهر نفحات فتعرضوا لها لعل أحدكم أن تصيبه نفحة فلا يشقى بعدها أبدا "
ومن أعظم هذه النفحات التي رزقنا بها لإعادة النور إلى أرواحنا وإعادة ماء الحياة الربانية فيها هو شهر رمضان المبارك
شهرٌ يفوق على الشهور بليلةٍ *** من ألف شهر فُضّلت تفضيلا
طوبى لعبدٍ صـحَ فيه صيامه *** ودعا المهيمنَ بكـرةً وأصيلا
وبليله قـد قـامَ يختـم وردَه *** متبتـلاً لإلهـــه تبتيــلا
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان أولُ ليلةٍ من رمضانَ صفدت الشياطين ومردة الجن وغُلقت أبواب النيران فلم يفتح منها باب وينادي مناد: ياباغي الخير أقبل وياباغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كُلَ ليلة) رواه الترمذيُ وابنُ ماجةَ والنسائيُ وحسنهُ الألبانيُ.
فهيا نقبل على شهرنا الكريم ولعل الله يرزقنا نفحة لا نشقى بعدها أبداً
ولعل الله يعتق رقابنا من النيران ونصبح من أهل الخير ونقصر عن الشر بالتعرض لهذه النسمات المباركــة :
.




اضافة رد مع اقتباس


















,, 
المفضلات