السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
موضوعي إخوتي الكرام رد على أختناالفاضلة آيسي ، والتي افتتحت موضوعا نقاشيا رائعا محوره الأمل ، وسأحاول إن شاء الله بما تيسر وتقدر أن أقرب أختي إلى هذا المصطلح الذي أخذ منها غموضا وغرابة ...
ولم أقم بهذه الخطوة إلا لعِلمي برحابة فِكر أختنا آيسي ، وتقبلها للرأي الآخر..
أول ما يتلمسه القارئ في موضوعك هو عنوانه ، وهو اقران التفاهة بمصطلح الأمل ، وحسب ما يتخزن في العقل الباطن فأنت متمردة بشرف على هذه الكلمة وكأنها أخذت منك مصرعا ، تذكريني بسيبويه حين قال " أموت وفي نفسي شيء من حتى " d
ترين من الصواب أن نعيش على التفاؤل وهو حسب نظرتك سيان مع الأمل ، أقول لك أختي الفاضلة أن الأمل والتفاؤل ملتقيان تخاطُرا ، مفترقان معنى وحقيقة ..
فالأمل هو الرجاء ، أما التفاؤل فهو الاستعداد
رجاء خير ... واستعداد يُرِي جانب الخير في الأشياء
طيب
يقول سبحانه وتعالى " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله "
الجليل هنا ينزل أمرا إلاهيا بالغا في الأهمية ، والدليل اختياره لفعل الأمر قل ، أي وجب علينا الانتباه والاصغاء ...
بماذا تأمرنا يا ربي ؟
لا تقنطوا من رحمة الله
قنوووووووط إنه عصب اليأس ، فعندما ينفي سبحانه بأداة " لا " وهذا يسمى نفيا استنكاريا ...
فإلى ماذا يدعوا ؟
عدم القنوط ..
أي أن جواب شرط عدم القنوط بالمنطق السليم القويم العاقل ، هو رجاء رحمة الله ، والرجاء حسب تعريف شيوخ اللغة وجهابذتها هو الأمل ...
اذن فنفي كلمة أمل هو نفي للعقل لو تعلمِ ...
والحذر كل الحذر في الخلط بين المصطلحات ...
فالتفاؤل بالتشاؤم ، واليأس بالأمل ...
حسن لنعالج الاشكالية من زاوية أخرى ...
أرى بين سطورك أنك تؤمنين بالأمل قلبا ، منكرة له عقلا ...
الانسان يسقط في حياته وينصدم أجل ، لكن بالصبر والمنطق والتضرع إلى الله ينجح ...
حسن لحدود الساعة لا يوجد ذكر للأمل ...
لكن لنعد تأمل جملتنا ...
التضرع إلى الله هو الحل الأمثل لمشاكلنا ...
ما هو التضرع ؟
رجاء وحب في رحمة الجليل ..أي أنه إحساس وتنشق لعظمة الرحمان وطلب لرضاه وفيض كرمه ، أي أن ذلك الاحساس أمل..
لنتأمل نبي الله أيوب الصابر وهو يتضرع ويرجو الله " ربِّ إنّي قد مَسَّنِيَ الضرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ "
يا الله آية صراحة أعظم دليل على وجود الأمل وأتحدى ـ وحاشى ولله أن أفتخر ـ أساتذة اللغة أن ينكروا وجود الأمل في هذه الآية ..
ركزوا معي
نبينا أيوب كما تعلمون جميعا أن جسمه عانى من جحيم المرض والداء وظل طريح ذلك مدة طويلة ، ماذا فعل ؟
صبر صبرا ـ باذن الله ـ يفوق الوصف والتخيل ، ووصل المرض إلى لسانه ، هنا أنظروا قوة وعظمة الرجاء والأمل في رب العزة ...
يخاطب أيوب ربه بأدب منقطع النظير ، ولم يشتكي أو يستنكر أبدا ، بل استعمل ما ندعوه " خطاب الأدب الآمل " فقال رب إني قد مسني الضر ...
ثم
وأنت أرحم الراحمين
أي بدليل العاقل اللغوي الفاهم ، نبينا أيوب يعيش على أمل عظيم في رحمة خالق السماوات والأرض ، هذا الأمل نابع من الايمان الكبير ، فالايمان بالله حق لا يُنكر ، والأمل في رحمته إحساس إيماني أكبر .
لكن وا أسفا قد تم التلاعب بالكلمات ووضعها في غير محلها ، فأصبح الأمل مقترنا ب :
أمل الشاب أن يتزوج الحسناء شهرزاد ، وأمل حواء أن تتزوج فارسا ورديا
وأمل ابن خالتي ب bmw وهو ينام حتى الظهيرة ، وأمل الأمة بتحرير فلسطين بالقمم العربية ...
هنا أقول لا لا لا ، الأمل بُراء منكم براءة الذئب من دم يوسف ...
الأمل هو العمل والعمل يتطلب فعلا ...
أمل في رحمة الله بصبر وطاعة
أمل في رزق وفير بخلق الأسباب
أمل في الحب بالتعايش
الأمل الذي دعى به حبيبنا محمد ربه بأن يخرج من أصلاب المشركين عبادا مؤمنين ...
الأمل الذي عاش عليه نبينا يعقوب في انتظار عودة يوسف ...
حيث طلب يعقوب - عليه السلام - من أبنائه أن يبحثوا عن يوسف وأخيه دون يأس أو قنوط ، لأن الأمل بيد الله ، فقال لهم : {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون }
الأمل الذي لا يجعلنا نركن إلى الحائط ونقول " كرهنا حياتنا "
ظل نبي الله نوح عليه السلام يدعو قومه إلى الإيمان بالله ألف سنة إلا خمسين عامًا، دون أن يمل أو يضجر أو يسأم، بل كان يدعوهم بالليل والنهار.. في السر والعلن.. فُرَادَى وجماعات.. لم يترك طريقًا من طرق الدعوة إلا سلكه معهم أملا في إيمانهم بالله: "قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهارًا . فلم يزدهم دعائي إلا فرارًا . وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارًا . ثم إني دعوتهم جهارًا . ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارًا "
ظهر الأمل والثقة في نصر الله بصورة جليَّة في موقف نبي الله موسى - عليه السلام - مع قومه ، حين طاردهم فرعون وجنوده ، فظنوا أن فرعون سيدركهم، وشعروا باليأس حينما وجدوا فرعون على مقربة منهم، وليس أمامهم سوى البحر، فقالوا لموسى: {إنا لمدركون}
إن الأمل طاقة يودعها الله في قلوب البشر ؛ لتحثهم على تعمير الكون ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة (نخلة صغيرة)، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسَها فليْغرسْها) [أحمد].
وقال حكيم: لولا الأمل ما بنى بانٍ بنيانًا، ولا غرس غارس شجرًا.
ولولا الأمل لما تحققت كل الإنجازات التي وصلت إليها البشرية، وذلك لأن المخترع لم يتمكن من تحقيق إنجازه من أول مرة في أغلب الأحيان ، وإنما حاول تحقيقه مرة بعد مرة دون يأس أو ملل ، ولذلك قيل : الأمل يُنَمِّي الطموح والإرادة ، واليأس يقتلهما ..
وأخيرا أختم بقول عالمنا الجليل الطغرائي
أُعَلِّلُ النَّفــْسَ بـالآمــال أَرْقُـبُــها * ما أَضْيَقَ الْعَيْـشَ لولا فُسْحَة الأمل






اضافة رد مع اقتباس









.....غموضا وغرابه ....






المفضلات