فُتِح باب حديديّ مُسيّج في الظلام فظهر وجه عبد الله خلفه, كان ممسكاً بالسياج جالساً على ركبتيه وهو ينظر إلى الأسفل إلى ماخلف الباب, فقد كان الباب يفتح على مكان ما إلى الأسفل كقبو مظلم لايمكن رؤية نهاية سلالمه حيث امتدّت السلسلة التي تربط كاحل عبد الله إلى ذلك الظلام, ابتلع عبد الله ريقه مقطباً حاجبيه حيث بدا عليه الخوف فهمس: يا إلهي! لماذا تمتدّ السلسلة إلى هناك؟ حظّي عاثر اليوم! ماذا يجدر بي أن أفعل؟
نهض وأمسك السلسلة بكلتيّ يديه وجرّها بكل قوتّه حيث استقامت, خطى إلى الخلف خطوتين وتابع الجرّ لكن دونما فائدة فتوقّف وهمس بإحباط: يبدو أنّها محكمة, لايُمكن أن تنحلّ بدون أن أنزل إليها ولكن ..
حوّل بعينيه نحو الفتحة, إلى تلك السلالم المظلمة الغائرة إلى الأسفل, قرّب رأسه إليها أكثر محدّقاً في الظلام بقلق وصمت, فظهر دويّ ما من الأسفل جعلت من أطراف عبد الله أن تهتز رعباً وهو يقفز إلى الخلف مرتعباً قائلاً بهلع: هاه! مـ ماهذا؟
تلفت حوله يمنة ويسرة ثم قال بقلق وارتباك: لا! لابد أنني أتوهّم, نـ نعم أنا أتوهم, لايمكن أن يكون هناك أحداً في الأسفل فالمكان مظلم
أخذ نفساً عميقاً ثلاث مرات وابتلع ريقه مفكراً: أشواق تنتظرني, لن أتركها وحدها مدة طويلة, سأنزل وأحلّ قيدي وأخرج بسرعة
قبض على يده المرتجفة وقوّس حاجبيه مفكراً: يجب أن أتشجّع, أستطيع فعل ذلك
تقدّم إلى البهو ونزل بضع درجات ببطء وحذر وهو ينظر إلى الظلام واضعاً كف يده على الحائط بجواره, ثم توقّف مكانه مفكراً: سيكون المكان مظلماً جداً, كيف سأفكّ القيد في هذهِ الحال؟
صوت ارتطام حديديّ مُفاجئ سمعه عبد الله خلفه فاتسعت عينيه مع رعشة بانت على جسده, أدار رأسه بسرعة واندهاش فإذا بالباب قد انطبق ليُغلق, ارتعب عبد الله وانطلق يركض إليه فأمسك بالسياج ليزيحه إلى الأعلى ولكنّ الباب قد أوصِدَ بإحكام, هزّه بكل قوّته حيث تترجم ملامح وجهه مشاعر خوفه, فهمس بارتعاب: مُـ مستحيل! لـ لماذا أوصِدَ الباب هكذا؟
نادى بنبرة مهزوزة: هيه! هل هناك أحد؟
هزّ عبد الله الباب وهو يدفعه ويسحبه مراراً وكرر جملته منادياً بصوتٍ أعلى, لتنتشر موجات صوته عشرات الأمتار ليصل لأمل التي كانت تركض نحوه فاتسعت عينيها حينما سمعته وقد توقفت مكانها هامسة: عبد الله!
قوّست حاجبيها وانطلقت تركض أسرع, نادا عبد الله: هيـ ..
لم يكمل عبد الله ندائه حتى سمع اهتزاز السلسلة مع دويّ مرتعب يصدر من الأسفل, فاتسعت عينيه وأطبق شفتيه على بعضهما ثم أدار برأسه إلى الخلف ببطء حيث الظلام, صوت تقلّص حديديّ صدر من الأسفل فتلوّن وجهه بالرعب ثم اشتدّت السلسلة وجرّت ساق عبدالله شبراً فصرخ مرتعباً وجرّ ساقه إليه وهو يتراجع نحو الباب خلفه حتى التصق بالسياج وجسده يرتجف رعباً حيث لم يزح عيناه عما قد ينقض عليه من الأسفل, فقرر أن يجلس بمحاذاة الباب خلفه.
توقّفت أمل وهي تلهث منادية: عبد الله! عبد الله أينَ انت؟
لمحت باب البهو ملتصقاً بالأرضية السوداء فركضت إليه وانحنت لتجده, وبالرغم من أنّ خلفه وشعره هو ما رأته ولكنها استطاعت تمييزه, حيث كان عبد الله يجلس بصمت فحدّثته: عبد الله! هل أنت بخير؟
أدار عبد الله رأسه إليها قائلاً بقلق: أمل!
أمل بحيرة: ما الذي تفعله عندك؟
عبد الله بذهول وتمهّل: لقد .. حُبست!
أمل بتضجّر: ولماذا حَبست نفسك بالداخل؟ لماذا دخلت هُناك؟ هل تحاول أن تختبر شجاعتك الآن؟
أمسكت أمل بالسياج بكلتي يديها هزّته ثم جرّته إليها بقوة وعبد الله يراقبها بقلق, فصدر صوت تقلّص حديدي فأدار عبد الله رأسه إلى الظلام وحوّلت أمل بعينيها هناك يحدّقان في الظلام, فأدار عبد الله رأسه نحو أمل بسرعة هامساً بهلع وبجمل متلاحقة: أمل! هُناك شيء ما في الأسفل يجرّني بالسلسلة وقد أغلق الباب من تلقائه بعد أن دخلت إليه بسبب السلسلة التي قادتني إلى هنا, شيء ما في الأسفل حبسني هنا ويريد القضاء عليّ, أخرجيني يا أمل بسرعة, أنقذينــي !><
حاولت أمل التقاط كلماته السريعة المتلاطمة على بعضها وقد اختلطت بتنفسّه السريع الذي يهتزّ خوفاً, فقالت بحزم بعد أن أنهى كلامه: أحمق! لا تصب بالهلع لمجرد أنّك قد حُبست هناك, إنُهُ صوت الهواء وهو يمر عبر الفتحات
تفقّدت أمل أطراف الباب الحديدي وعبد الله يقول بهلع: مستحيل! أ أنا متأكد أن هناك شيء ما بالأسفل! لقد.. لقد تحرّكت السلسلة وكانت تجرّني يا أمل! هاه أمل أرجوكِ افتحي الباب بسرعة! لابد أنهُ يقترب!
هزّ عبد الله الباب حيث كان يمسك بسياجه, فقالت أمل بحيرة: هذا غريب! الباب لايفتح بالقوّة وليس هُناك أي قفل عليه
كانت أطراف الباب ملتصقة بمحاذاة الأرضيّة السوداء وكأنه نافذة ذات سياج, فصاع عبد الله بهلع: و ولكن.. لقد فتحتُ الباب بنفسي حينما دخلتُ هنا أمل, إنّهُ باب و لابد أن يُفتح, حاولي أن تفتحيه, أمل أرجوكِ, أملِ افتحيه ><
قاطعته أمل بغضب: أخبرتك أنّهُ لايفتح لقد حُبست في الداخل تماماً أيّها الأحمق!
ارتسمت الخطوط الزرقاء على جبين عبد الله وقد توشّح باليأس, فتنهدت أمل ثم قالت بهدوء: لربما يكون باباً الكتروني أو ماشابه, في النهاية فالباب لم يكن مقفلاً تماماً حينما فتحته وإلا لكانت السلسلة ممتدة من خلاله
أشارت بسبابتها إلى الظلام مردفة: اسمع! يجب عليك أن تدخل هناك فلابد أن تجد له مفتاحاً الكترونياً أو أي شيء يساعدنا لفتحه
اتسعت عينيّ عبد الله فقال بهلع: هاه ء أذهب إلى الأسفل؟ مـ مستحيل! إنّ المكان مُظلم جداً هناك أمل ><
أمل بحزم وهي تشير بسبابتها نحوه: ما الذي تقوله؟ إن ظللت هنا فلن تخرج أبداً وأنا لن أستطيع مساعدتك من هنا, يجب أن تنزل بنفسك حتى تحلّ السلسلة عنك وتفتح الباب أيها الأحمق
عبد الله بخوف: و ولكن أمل ...
رفعت أمل حاجباً ثم قالت بإشمئزاز: تباً عبد الله! يمكنك حماية نفسك بسلاحك لو أنّ هناك شيئاً ما بالأسفل
عبد الله بيأس: لقد فقدتُ سلاحي بطريقة ما, أظنّ بأن لهب قد استولى عليه قبل أن يرسلنا إلى هنا
دُهشت أمل لوهلة ثم قالت بتضجر: هذا ليس مهماُ الآن, كل ماعليك فعله هو حلُّ السلسلة عنك, إنّهُ مجرد ظلام ولاشيء مخيف في الأسفل, كن شجاعاً هذهِ المرّة, هيا اذهب!
قالت جملتها الأخيرة وهي ترف بيدها بلامبالاة أن يذهب, عمّ الصمت لوهلة ثم قال عبد الله بقلق: ولكن أمل .. المكان مظلم فـ..
قاطعته أمل بتضجّر: هيا اذهب!
حدّق عبد الله بأمل نحو عينيها الحادتين فرد بقلق: حـ حسناً
استدار عبد الله نحو الظلام, حدّق فيه و ابتلع ريقه وأمل تراقبه بإزدراء, فخطا خطوته الاولى نحو الظلام ثم الثانية وأكمل سيره بحذر وترقّب والظلام يزداد شيئاً فشيئاً, أدار رأسه نحو أمل لينظر إليها تراقبه بإزدراء ثم أعاد ببصره نحو الأمام مفكراً: الآن سيزداد الظلام, كيفَ لي أن أرى شيئاً في الظلام الحالك؟
شعر بالخوف الرهيب يتسلل إليه فجأة مدركاً وضعه ثم فكّر: أشعر بأنّ مصيبة ستحلّ عليّ, إنها مصيبة فعلاً قد حلّت
نادته أمل بهدوء فأدار رأسه نحوها, فقالت بإشمئزاز: إن خفت وتوهّمت أموراً من رأسك فستظهر لك حولك
ارتسمت خطوط زرقاء على رأسه و وجهه يوحي بالإحباط قائلاً بيأس: أمل!
أمل بحزم وجديّة: لاتخف إنّهُ مجرّد ظلام ولاشيء سوى الظلام, لاتتخيل أشياء غريبة عبد الله, حلّ السلسلة وعد بسرعة
كان يحدّق إليها بغرابة ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة قلقة قائلاً بتوتر: بالتأكيد
أدار رأسه وأكمل طريقة يسير بحذر مفكراً بقلق: بالتأكيد لا شيء آخر سيدفعني للتجوّل هناك.
وهناك في الأسفل سار ببطء يحاذر من الوقوع إثر الظلمة وماقد يفاجئه الظلام, خطوة تلو خطوة وهو يزداد عمقاً ووحشيّة وصمت مهيب, ابتلع عبد الله ريقه وقد بدأ جسده بالاهتزاز وهو يسمع صدى صوت خطواته, خطوة تلو خطوة تقابله فكرة تلو فكرة قد ادمج موقفه مع ذكرياته الموحشة, وكأنّ الظلام قد ارتبط بمشاعر الخوف حينما كان في عمر أصغر, فقد قد مُستضعفاً من قبلِ الأطفال في سنه حيث كانوا يتنمّرون عليه في المدرسة والشارع, إنهُ يذكرُ حينما ألقوا به في مخزن المدرسة المظلم وهم يضحكون حيث ترجاهم بأن يتوقفوا عن العبث معه فأقفلوا الباب و ولّوا مدبرين وهو يناديهم باكياً, إنّهُ يذكر حينما تسلّوا به بأقنعتهم المرعبة وهو يركض في الظلام ثم ضحكوا ساخرين, وتخويفهم له بتمثيل دور الأشباح والوحوش في الظلام, فحرّك رأسه يمنة ويسرة متوقفاً مكانه وهو يغمض عينيه كمحاولة لطرد ذكرياته حيث بدأ يستشعر الخوف مفكراً: كلا! لاعلاقة بذلك لما يحدث الآن, لقد حدث ذلك في الماضي
فتح عينيه وهو يوقف حركة رأسه مفكراً: لاشيء هُنا يثير الرعب, إنهُ مجرد ظلام سأحلّ السلسلة وأخرج, لاشيء مرعب هُنا
صوت تنهيد سمعه عبد الله فتجمّد مكانه وقد اتسعت عيناه, مفكراً: ماهذا؟
ابتسم ساخراً محدّثاً نفسه: هه لابد أنني بدأتُ أتخيّل بسبب ما أفكر به
أُطرقت حلقات السلسلة بعضها ببعض في الأسفل مما أوجس الخوف في عبد الله أكثر حيث اتسعت عينه لأقصاها مفكراً: لا! لابد أن هناك شيء ما في الأسفل
حدّق في الظلام هناك بقلق فقبض يده التي كانت ترجف خوفاً وقوّس حاجبيه مفكراً: لن أجزع, إنه ليس الوقت المناسب للجزع, أمل محقة إنه مجرّد ظلام وأشواق تنتظرني, أيهم والآخرين أيضاً لابد أنهم تائهون ويحتاجون مساعدتنا, لن أجزع, ليس الآن, ليس الآن
قبض يده بقوّة واستجمع شجاعته وأكمل سيره الهادئ خطوة تلو خطوة حتى وصل لنهاية الدرج حتى أدرك ذلك من خطاه, حوّل بعينيه نحو المكان فقد كان الظلام دامساً لا يسعه رؤية شيء البتة, فانحنى وأمسك بالسلسلة مفكراً: إن تتبعتُ امتداد السلسلة بتحسسها فلن أكون بحاجة لرؤيتها حتى أحلّها عني
تتبع عبد الله السلسلة وهو يمسك بها بيديه واحدة تلو الأخرى ببطء وحذر, حتى وقعت يديه بشيء غريب, فوجئ في البداية ولكنه تفحصّه بحذر وهو يتلمسّه بيديه والقلق يلمّ به, وازداد ارتيابه حين بدأ يدرك بأن يده قد وقعت بيد شخص آخر فتحرّكت من تلقائها وفزع عبد الله وهو يبعد يده بسرعة مع شهقة تلفّظ بها, وظهر ذلك الكائن في الظلام كشبح أبيض خافت يمكن لعبدالله أن يراه حيث ارتعب وسقط أرضاً, تراجع إلى الخلف فوقعت يده على آخر قد تحرّك من خلفه ففزع ولم يكن لصوته أن يخرج من هول الصدمة, حوّل بعينيه حوله فقد كان هناك الكثيرون يحيطون به وهم يتهامسون بينهم وعبد الله يرتجف خوفاً مفكراً: لا, لماذا يظهرون هنا وأنا وحدي؟
تزايدوا بالعدد وهم يسيرون حوله بين هنا وهناك, فتكوّر على نفسه وهو يضم ساقيه لتكون حول ذراعيه مخبئاً رأسه وهو يسمع همساتهم ويرتجف مفكراً: سيأذونني, سيقتلونني, أشعر بالخوف, أشعر بالخوف الشديد
اهتزّ جسده بالكامل, وظلّ يرتجف, في حين كانت أمل بالأعلى واقفة تتلفت حولها, ثم ألقت بنظرة نحو فتحة السرداب وهي تهمس محدّثة نفسها بتذمر: تباً, لماذا تأخر ذلك الأبله؟ لا يمكن أن يكون خوفه قد تمكن منه وقرر البقاء هناك متكوّراً حول نفسه, هاا
لفت انتباهها انحسار الأرضيّة على بعضها حيث تصغر فتحة السرداب ببطء وكأنه يُدفن تحت الأرض, فاتسعت عينيها وانحنت جالسة وهي تضع يديها على الأرض قائلة بدهشة: مستحيل! الباب يختفي! بهذا المعدّل لن يستطيع عبد الله الخروج
صاحت أمل به وهي تنادي من الأعلى بأعلى صوتها: هيه! عبد الله! أخرج بسرعة! حلّ السلسلة وأخرج بسرعة, إن تأخرت فستظل حبيساً في الأسفل, هيا أسرع!
لايزال عبد الله متكوّراً مكانه ولم يصل إليه صوت أمل, وهو يضع في خياله مشاهد مرعبة لأوجههم وهم يظهرون فجأة, كمّا رسم إحساسه وهم يمسكون به, خُيّل إليه أنّ الماضي يصبح حقيقة, فحدّث نفسه: لا, لا يفترض أن أجزع في موقف كهذا, ولكنّهم حولي, لا! لايفترض لهذا أن يحدث
ارتسمت صورة أمل في رأسه متذكراً آخر كلماتها تحذّره, فكوّر نفسه أكثر مفكراً: ليس حقيقيّاً, ليس حقيقياً, ما أراه مجرد وهم يحدث لأنني أتخيله, ليسوا هنا, لا أحد هنا
لمح صورة أشواق الأخيرة حين تركها تقف وهي تنظر إليه بقلق, ففتح عينيه دفعة واحدة وهو يرفع رأسه مفكراً: أشواق تنتظري, لابد أنها قلقة وهي تنتظر هناك وحيدة, إنها وحيدة, جميعهم وحيدون ولابد أنهم يحاولون النجاة بعدما حدث مع ماهر, لقد بذلوا الكثير جميعاً
تذكر سقوط أيهم العنيف ودفنه تحت الرماد, دموع شمس بسبب ما حصل لأخيها, محاولات أشواق لإخراج أمل من سيطرة دراكولا, مقاومات أمل للتحرر, معاناة رهف التي سببها لهب, وماهر نفسه الذي كان يقاوم تحكّم لهب به, حدّث عبد الله نفسه مفكراً: جميعهم يحاولون, حتى ذلك الفتى نفسه رغم كل شيء يظل محتفظاً بثباته وبرودته وأنا أخاف من الظلام, إنه ليس الوقت ولا المكان المناسب للخوف, كما أنه لا يستحق, إنّه مجرد خوف بسبب ما أتخيّله, نعم أنا أتخيّل
رفع عبد الله رأسه ملاحظة تحرّك الأشباح الغريبة, فقد كانت تسير حوله بدون أن تنتبه له وكأنها موجودة في مكان آخر بل كأن عبد الله نفسه لا يمكنهم رؤيته, حدّق بهم لوهلة ثم حدّث نفسه: وكأنّني.. لستُ هنا!
كان جسده لايزال يرتجف وهو يتأملهم كيف يحومون حوله مفكراً: ليسوا هنا, لا أحد هنا وإلا لاستطاعوا أذيتي فعلاً لو أنهم حقاً..
أرخى بعينيه وهو يركز بما يجول في عقله: هذهِ مجرد أموراً يخيل إليّ أنها هنا لأنني أتوقعها, ليسوا هنا فعلاً
أدار برأسه إلى الخلف حيث الظلام مفكراً: عليّ أن أخرج من هنا, يجب أن أعود إلى البقيّة
وضع يديه حول كاحله مباشرة فلم يعثر على غل يصفده مما أوجس الحيرة إليه فأمسك بكاحل ساقه الأخرى ولم يجد شيئاً مفكراً بدهشه: مستحيل! كيف اختفت السلسلة ؟
رفع رأسه نحو الأشباح فلم تكن موجودة حوله, ثم بدأت تظهر وتختفي مرة تلو مرة وهي تكمل سيرها وكأنه عرض سينمائي مشوّش موقعة عبد الله في حيرة وذهول, فنهض واقفاً واستجمع شجاعته وهو يبتلع ريقه ويقوّس حاجبيه, ثم سار ببطء باتجاه الدرج الذي ميّز مكانه بواسطة الأشباح التي تصعد وتهبط منه وإليه, سار ببطء متجاوزاً الأشباح التي تحوم حوله لامبالية به, لكنّه توقّف فجأة حينما رأى ذلك الجسد يقترب منه أمامه مباشرة, اهتزّت شفتيه وهو يحدّق بذهول نحو عينيه حين شعر بأنه ينظر إليه مباشرة لكنّه قوّس حاجبيه وتقدّم إليه خطوة تلو خطوة ببطء محافظاً على هدوئه ثم أغمض عينيه وسار حيث كان الشبح يتقدّم إليه وبدون أن يشعر وجد قدمه تصطدم بأوّل الدرجات حيث وصل أمام الدرج, فتح عينيه وأدار برأسه إلى الخلف حيث الظلام دون أن يجد أحداً, وظلّ يحدّق هناك بذهول.
أمل التي كانت في الأعلى لاتزال تنادي عبد الله أن يخرج دونما رد منه بينما توقّف دفنُ الباب حيث انحسرت فتحة الباب إلى النصف, فهمست أمل بشيء من القلق: يمكنه الخروج من هذهِ الفتحة الضيقة ولكن يجب أن يخرج من هناك بسرعة قبل أن يختفي الباب تماماً
اشتدت السلسلة التي تصفد ساقها فجأة فشعرت بها أمل تجرّها مما جعلها تلقائياً أن تنظر خلفها نحو امتداد السلسلة حيث كانت تمتد مشدودة منتهية بإحدى حلقات السلسلة الحديدية وكأن الأرضية قد ابتلعت جزء من السلسلة, فنهضت أمل وسارت باتجاه امتدادها بضع خطوات هامسة: ماهذا؟ لقد كانت السلسلة أطول! هل تبتلع الأرضيّة السلسلة فعلاً؟
بدأت السلسلة بالتحرّك نحو الأسفل وبالفعل وكأن أحدهم يجرّ السلسلة من تحت الأرض مما فاجأ أمل التي صُعقت فتوقّفت السلسلة عن التحرّك فجأة, فظلّت أمل تنظر بدهشة مفكرة: من الذي يسحب السلسلة؟
انطلقت نحو نهاية السلسلة وأمسكت بها بكلتي يديها تجرّها بكل قوتها لكنها لم تستطيع استعادة أي جزء منها, فقالت بحيرة: مستحيل! ماهذا الشيء؟
صوت صرير باب حديديّ سمعته أمل خلفها فأدارت رأسها بسرعة لتقع عينيها على رأس عبد الله الذي فتح الباب المسيّج بيديه ثم زفر بإجهاد وهو يغمض عينيه بأريحيّة قائلاً: يا إلهي لقد كان أسوأ كابوس مررتُ به, لقد نجوت
فصاحت أمل بسرور: عبد الله!
.
المفضلات