الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين .
أما بعد :
أحييكم بتحية الإسلام
سنتكلم بإذن الله تعالى في هذا الموضوع عن قصة قارون وما فعله الله به
وهذه القصة تحمل لنا قيمة شيئين عظيمين هما قيمة المال وقيمة العلم
وقد أخبرنا الله عنها في أواخر سورة القصص قال تعالى ( إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه
لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين * ...... ) الآيات من سورة القصص
ذكر الإمام بن الجوزي رحمه الله تعالى في تفسيره : ( قوله تعالى : { إِنَّ قارونَ كان من قوم موسى } أي : من عشيرته؛
وفي نسبه إِلى موسى ثلاثة أقوال .
أحدها : أنه كان ابن عمه ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وبه قال عبد الله بن الحارث ، وإِبراهيم ، وابن جريج .
والثاني : ابن خالته ، رواه عطاء عن ابن عباس .
والثالث : أنه كان عمَّ موسى ، قاله ابن إِسحاق .)
وأغلب المفسرين على أنه بن عمه وما يشغلنا هنا هو القصة والعبرة المستفادة منها
فقد كان قارون من قوم نبي الله موسى - عليه السلام - وكان قد أنعم الله عليه بكنوز وأموال وخزائن عظيمة جداً
حتى إن مفاتح تلك الكنوز والخزائن لتعيي العصبة من الرجال الأقوياء الأشداء . فبغى على قومه وتجبر وتعالى عليهم واستطال
عليهم بجبروت العلم والمال الذي آتاه الله له .
ذكر سيد قطب رحمه الله في الظلال : ( ولا يذكر فيم كان البغي ، ليدعه مجهلاً يشمل شتى الصور . فربما بغى عليهم بظلمهم وغصبهم
أرضهم وأشياءهم كما يصنع طغاة المال في كثير من الأحيان وربما بغى عليهم بحرمانهم حقهم في ذلك المال . حق الفقراء في أموال الأغنياء ،
كي لا يكون دولة بين الأغنياء وحدهم ومن حولهم محاويج إلى شيء منه ، فتفسد القلوب ، وتفسد الحياة .
وربما بغى عليهم بهذه وبغيرها من الأسباب . )
فقام بنصحه أُناس من قومه بأن لا يفرح فرح المغتر المتعالي لأن الله لا يحب هذا الفرح الذي يصحبه الغرور والتعالي
والزهو المنبعث من الإعتزاز بالمال ونصحوه بالإعتدال في هذا الفرح وأن يكون همه إبتغاء رضا الله ونيل الثواب منه والعمل
إلى الدار الباقية - الآخرة - وأن لا ينسى أيضاً أن يأخذ حظه ونصيبه من هذه الدنيا لكن بالإعتدال والوسطية في أموره
وأن يعطي الفقراء والمحتاجين ويحسن إليهم كما أحسن الله إليه فالإحسان لا يقابل إ بالإحسان ولكن هذا الجاحد قابل الإحسان بالنكران والجحود
فكان جوابه (إنما أوتيته على علمٍ عندي) أي إنما حصلت على هذا المال بجهدي الخاص وبعلمي الذي جعلني أحصل
على هذه الأموال فلماذا تملون عليَّ طريقة خاصة للتصرف فيه .
فهذه مقولة المغرور الذي ينسى مصدر النعمة وحكمتها .
ولكن قارون لم يستمع لنداء ناصحيه ، ولم يشعر بنعمة ربه عليه، ولم يشكرها، ولم يخضع لمنهجه القويم .
وأعرض عن هذا كله في استكبار لئيم وفي بطر ذميم .
فجاءه التهديد من الله العلي القدير - سبحانه وتعالى - بأنه إن كنت ذا قوة ومال وجاه وسلطان فإن الله قد أهلك من قبلك
من هم أكثر طغياناً وجحوداً ومالاً منك ومن أشد منك قوةً وتجبراً
ولتعلم ياقارون أنك وأمثالك من المجرمون أهون على الله من أن يسألكم حتى عن ذنوبكم .
(ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون)
وقد ذكر سيد قطب رحمه الله في الظلال : ( ذلك كان المشهد الأول من مشاهد القصة ، يتجلى فيه البغي والتطاول ، والإعراض عن النصح ،
والتعالي على العظة ، والإصرار على الفساد ، والاغترار بالمال ، والبطر الذي يقعد بالنفس عن الشكران .)
ثم يخرج قارون في أبهى حلة وزينة على قومه فكان هناك فريق من قومه ممن مالت قلوبهم للحياة الدنيا ويتمنون لأنفسهم
ما أوتي قارون من مال وملك ونعيم ويظنون أنه أوتي نصيباً وحظاً عظيماً يشتهيه كل محروم .
ففي كل زمان ومكان يوجد مثل أصحاب تلك القلوب الضعيفة المتهاوية .
وفي تلك الأثناء وقفت طائفة لم تفتنهم هذه الزينة الفانية وهذا المتاع الزائل طائفة آتاهم الله العلم الصحيح
وقفت ناصحة لهم تذكرهم وتعظهم بأن ما عند الله من ثواب وجزاء ونعيم خير وأبقى من هذا المتاع الفاني .
ذكر سيد قطب رحمه الله في تفسيره : ( والشعور على هذا النحو درجة رفيعة لا يلقاها إلا الصابرون . . الصابرون على معايير الناس ومقاييسهم .
الصابرون على فتنة الحياة وإغرائها . الصابرون على الحرمان مما يتشهاه الكثيرون . وعندما يعلم الله منهم الصبر كذلك يرفعهم إلى تلك الدرجة .
درجة الاستعلاء على كل ما في الأرض ، والتطلع إلى ثواب الله في رضى وثقة واطمئنان . )
وعندما تبلغ فتنة الزينة ذروتها ، وتتهافت أمامها النفوس وتتهاوى ، تتدخل يد القدرة لتضع حداً للفتنة ، وترحم الناس الضعاف من إغرائها ،
وتحطم الغرور والكبرياء تحطماً .
وينزل العذاب من الله القوي القادر على هذا المغرور بأن تبتلعه الأرض هو وداره
وكنوزه وخزائنه وهوى في بطن الأرض التي طالما تجبر وتعالى فوقها .
هكذا انتهت القصة وبقيت العبرة والعظة وأصبح من كان يتمنى أن يكون معه مثل الذي أوتي قارون أصبحوا يحمدوا الله ويشكرونه
لأنه سبحانه لو من عليهم ربما كان خسف بهم الأرض مثلما حدث مع قارون .
ثم يعقب ربنا تبارك وتعالى بقوله ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين *
من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون *)
ما يستفاد من القصة
1 - قيمة المال والعلم وضرورة تقوى الله فيهما في السر والعلانية فمن اتقى الله فيهما كان له من الخير الكثير وزاده الله من فضله .
ومن لم يتقي الله فيهم فلينتظر عقاب الله الشديد وهذه القصة خير شاهد ودليل على ذلك .
2 - لا يصيبك الغرور والفرح الذي يصحبه الكبر فطالما قتل الغرور والتكبر صاحبه واعلم أن ما آتاك الله قد يكون ابتلاء واختبار لك من الله عزوجل فاتقي الله فيه فتقوى الله هي زاد المؤمن .
3 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات الصالحين وأهل العلم الصحيح وهذا ما نأخذه ونستفيده من هذه القصة فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم ومسلمة .
4 - أحسن كما أحسن الله إليك وأيضاً من الفوائد الحث على الإنفاق والصدقة في سبيل الله فالإحسان لا يقابل إلا بالإحسان ويكون عن طيب خاطر وأن يبتغي به وجه الله عز وجل .
5 - الإعتدال والوسطية في أمور الحياة فخير الأمور الوسطية في كل شئ ولا ينسى الإنسان ان ياخذ حظه ونصيبه من هذه الدنيا .
6 - أن لا يعميك الغرور والتكبر عن الحق فما هلك قارون وأمثاله إلا بسبب تكبره وإعراضه عن الحق .
7 - لا تنظر إلى ما في يد غيرك ولا تتمناه فقد يكون وبالاً وخسراناً عليك ولكن إحمد الله على ما آتاك فقد تكون في نعمة من الله عز وجل فالزم الشكر فإنه دأب الصالحين .
8 - النعيم الباقي والنعيم المقيم لا يناله إلا الصالحين المتواضعين لله عز وجل الراضين بقضاءه المعترفين بفضله ونعمته غير جاحدين ولا منكرين لها .
9 - من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون .
بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً
أسأل الله العظيم أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يزدنا علماً ننتفع به وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل
وإلى الملتقى بإذن الله تعالى ومع قصة أخرى من قصص القرآن الكريم
وختاماً
لا تنسونا من صالح دعائكم









اضافة رد مع اقتباس













المفضلات