أصدقائي الأعضاء و الزائرين.. المراقبين و المشرفين.. المساعدين و الإداريين.. المتابعين و غير المهتمين.
تحية معطرة بالورد و الرياحين.. و الفل و الياسمين.. مزينة بالأوسمة و النياشين.. تغلفها رحمة رب العالمين.. من قلب محب للقارئين.
تحية تليق بفارسنا الملهم الحساس.. قوي اللسان و البأس.. الذي لم يستسلم طوال حياته لليأس.. فملأ الدنيا و شغل الناس.
تحية من طائر حب ملكي.. لعلم من أعلام الكون الشعري.. خط لنفسه دربا فضي.. في متاهات العصر العباسي.. و متعنا بأغزر نتاج شعري.
تحية لشاعر سلب عقلي.. و أشغل فكري و وجدي.. و بشعره عبر عني.. فأي شاعر يستحق جهدي.. إن لم يكن أبو الطيب المتنبي.
إذا غامرت في شرف مروم ******** فلا تقنع بما دون النجوم
هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي.. و لد بالكوفة سنة 303هـ .. يكنى بأبي الطيب و يلقب بالمتنبي و اشتهر بأبي الطيب المتنبي.. كان والده سقاء خامد الذكر في الكوفة.. رافق أحمد والده حين انتقل من العراق إلى الشام فاستغل الفرصة و تعلم في البادية الفصاحة و جزالة اللغة و تاريخ العرب و أيامهم.. فقد كانت هذه الفترة بداية ضعف الدولة العباسية و ظهور الإمارات المستقلة ما يعني أن هناك مسار واسع ينتظره ليقوده إلى الغنى و الشهرة فالأمراء و الوزراء و القادة كثيرون و لكل منهم مجلسه الذي يمجده و يفاخر به صاحب المجلس خصومه.. فالأمراء كثيرون و موهبة الشعر تتفتق داخله يوما بعد يوم.. فعاد إلى بغداد و درس دواوين سادة شعراء الفترة الماضية و الذين عرفوا بالمحدثين كأبي نواس و البحتري و ملهمه الأول أبو تمام.. فقد حرص على استيعاب كلا الأسلوبين القديم البدوي الجزل.. و المحدث المدني الرقيق.. لكنه لم يكتف بالعلم الكتابي بل قرر تجريب حظه في أكبر و أهم المدارس و هي مدرسة الحياة سبيله إلى اكتساب التجارب و تشكيل شخصيته.. فكانت أولى وجهاته الشام التي تنقل بين إماراتها و ولاياتها.. تزوج من امرأة شامية وحيدة أنجبت له ابنه الوحيد المحسد.
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ******** حتى يراق على جوانبه الدم
اختلفت الأسباب و راء تسمية أبي الطيب بالمتنبئ.. إذ يرى قسم و منهم أكبر متعصبيه أبو العلاء المعري بأن اللقب كما أعلن المتنبي في رواية مشتق من كلمة النبوة و هي الجزء المرتفع من الأرض.
قسم آخر و يتزعمه ابن العديم و مسكويه.. إذ يشير إلى أن المتنبي سئل (بحضوره على ما يبدو): «على من تنبأت ؟ قال: على الشعراء. فقيل:
لكل نبي معجزة، فما معجزك ؟ قال:
هذا البيت
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ******** عدوا له ما من صداقته بد.
القسم الآخر و يتزعمه ابن جني يرى أن سبب تلقيبه بالمتنبي هو بيته
أنا معدن الندى ورب القوافي ******** وسم العدى وغيظ الحسود
القسم الأكبر و هم خصومه يرون أن سبب تلقيبه بالمتنبي هو ادعاءه النبوة في بادية السماوة بالشام ما جعل لؤلؤ والي الاخشيدين بحمص يقوم بسجنه لكن متعصبيه يرون أن سبب سجنه كان انضمامه لإحدى الحركات المعارضة.
لكن الرواية الأقرب للصحة هي تلك التي أوردها التنوخي حيث قال:
"كان يتردد في نفسي أن أسأل أبا الطيب المتنبي عن تنبيه والسبب فيه، وهل ذلك اسم وقع عليه على سبيل اللقب، أو أنه كما كان يبلغنا، فكنت استحيي منه لكثرة من يحضر مجلسه ببغداد، وأكره أن أفتح عليا بابا يكره مثله.
فلما جاء إلى الأهواز، ماضيا إلى فارس، خلوت به وطاولته الأحاديث وجررتها إلى أن قلت له: أريد أن أسألك عن شيء في نفسي منذ سنين، وكنت أستحيي خطابك فيه من كثرة من كان يحضرك ببغداد، وقد خلونا الآن، ولابد أن أسألك عنه. وكان بين يدي جزء من شعره عليه مكتوب: "شعر أبي الطيب المتنبي".
فقال: تريد أن تسألني عن سبب هذا؟ وجعل يده فوق الكتابة التي هي "المتنبي" فقلت: نعم.
فقال :هذا شيء كان في الحداثة أوجبته صبوة ، فما رأيت (تلميحا) ألطف منها لأنه يحتمل المعنيين في أنه كان تنبأ واعتمد الكذب، أو أنه كان صادقا، إلا أنا اعترف بالمتنبي على كل حال قال: ورأيت ذلك قد صعب عليه، وتابع التنوخي. فاستقبحت أن استقمي وألزمه الإفصاح بالقصة فأمسكت عنه".
فهذه الرواية تحتمل المعنيين.. فهو إما يكون مجرد لقب بمعناه الأدبي الحرفي لا الحقيقي.. و إما أن يكون ادعى النبوة بشكل فعلي.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ******** و تأتي على قدر الكرام المكارم
بعد خروج أبي الطيب من السجن الذي أنهكه و شكل حجر عثرة حال بينه و بين أحلامه فإنه لم يستسلم لليأس و عاود بحثه عن المجد و الشهرة متسلحا بثقته بنفسه و شعره و بصدقه و صراحته.. فتنقل بين أمراء الشام بمدحهم باحثا عن حاكم يكون أهلا ليخلده بشعره حتى انتهى به المطاف عند أبي العشائر صاحب إنطاكيا و من خلاله تعرف على ابن عمه سيف الدولة الحمداني.. و منذ اللقاء الأول لاحت لأبي الطيب بوادر الاطمئنان.. و شعر بأن هذا الأمير الفارس هو غايته التي بحث عنها.. و الذي سيكون أهلا للتخليد بشعره.
وقيَّــدت نَفســي فـي ذَراكَ مَحبـةً *** ومَــن وجَــدَ الإِحسـانَ قَيـدا تَقيـدا
في البداية اشترط أبو الطيب أن يلقي شعره على سيف الدولة جالسا و قد كان الشعراء يلقونه واقفين.. و قد سمح له سيف الدولة بذلك و كان أبو الطيب يرى أن هذا بعض من حقه فهو يعلم أكثر من غيره مدى جودة شعره و تفرده.. لكن آخرين لا يرون ذلك بل إنه يطلب أكثر مما يجدر به.. لكن الكلمة الأخيرة هي لسيف الدولة الذي أجاز جلوس أبي الطيب وحده.
لكل امرئ من دهره ما تعودا ******* و عادة سيف الدولة الطعن في العدى
لم تخب نظرة أبي الطيب و بالفعل كان سيف الدولة هو فارسه المنتظر و بلاطه هو المستقر المنشود لولا جو الضغينة و الحسد السائد.. لكن ذلك لا يهم طالما أنه اختص برضا قمر المجلس فما حاجته برضا النجوم.. عاش أبو الطيب أجمل سنين حياته مع صديقه و أميره فقد ارتبط الاثنان برباط قوي متين.. لعل أقوى أجزاءه عمرهما المتقارب لدرجة أن المؤرخين احتاروا أي منهما كان ذو فضل على الآخر.. فقال بعضهم لولا سيف الدولة ما كان المتنبي.. و قال آخرون لولا المتنبي ما كان سيف الدولة.
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ******** و إن أنت أكرمت اللئيم تمردا
لكن الأكيد أن سيف الدولة خص أبو الطيب بامتيازات دون غيره من الشعراء.. و قربه و أجزل له العطاء.. لكن أبو الطيب قابل الإحسان بالإحسان.. فلزم سيف الدولة.. و شاركه كل غزوة.. و خصه بالسيفيات من أروع شعره.. وقضى أمتع و أسعد تسع سنوات من حياته معه و لم ينافس سيف الدولة أي شخص في القدر سوى نفسه التي رفعها أحيانا لمستوى سيف الدولة.
أزل حسد الحساد عني بكبتهم ******** فأنت الذي صيرتهم لي حسدا
لم يبق أبو الطيب مع سيف الدولة أكثر من تسع سنوات إذ نجح الحاسدون أخيرا في نيل مرادهم و فرقوا بينه و بين سيف الدولة و كان أقوى أسلحتهم حين ادعوا أن أبا الطيب كان عاشقا لخولة شقيقة سيف الدولة الصغرى.. فكان ذلك السهم بداية الجفاء الذي أبداه سيف الدولة لأبي الطيب.. و شعر الأخير به لكنه لم يشأ تصديقه و بذل جهده لإنقاذ ما تبقى من علاقتهما لكن الحاسدين لم يعطوه الفرصة و ضربوا ضربتهم القاضية حين اعتدى ابن خالويه على أبي الطيب في مجلس سيف الدولة بحضوره برميه بدواة الحبر.. لكن سيف الدولة لم ينصفه و لم يأخذ بحقه.. عندها أدرك أبو الطيب أن لا مقام له بعد اليوم في حلب.. فإنه قد يتقبل أي فعل من صديقه إلا إذا تعلق الأمر بكرامته.. و كان آخر ما أنشده سيف الدولة قصيدته الميمية "و ا حر قلباه"
كما نلاحظ خلال الأبيات فإن أبي الطيب رغم مغادرته حلب مظلوما لم يكره أو يحقد على سيف الدولة فمن أحب لا يكره و لكن بقدر المحبة يكون العتاب.. و أبو الطيب هنا يعاتب سيف الدولة دون أن يهجوه.. كما يفخر بنفسه و يمجدها و كأنه يظهر لسيف الدولة أي كنز ضيع من بين يديه.. ترك أبو الطيب حلبا منتصرا لكرامته بعد أكثر من تسع سنوات من الهناء و السعادة.. فإذا لم ينتصر سيف الدولة لكرامته فسينتصر لها هو.. إذ لم يعد يطيق الإقامة بحلب بعد ما حصل.. و داس على عواطفه حتى كاد يقتلها.. فلا شيء يعلو قدرا عند أبي الطيب من نفسه.. غادر حلبا مكرها و كارها لجو الحسد الذي لوث هواء مجلس أميرها فيمم وجه صوب مصر بعد تفكير عميق.




اريغاتو بيرلي و إدارة الميغاتوون
اضافة رد مع اقتباس

















المفضلات