***
***
المتنبي هو أبو الطيب أحمد بن الحسين ، الكوفي الكندي ، ولد بمحلَّةِ كِنْدة بالكوفة سنة ( 203 هـ ـ 915 م ) ، ولهذا نسب إليها .
وقد اعتنى والده بتربيته منذ الصغر ،فأدخله مدرسة بالكوفة ، تعلم فيها مذهب الشيعة ، وشيئاً من العلوم والفلسفة ، ثم انتقل إلى الشام ، وعلمه في مكاتبها ، وطاف به على القبائل بالبادية ، فأخذ عنهمالفصاحة ، وبرع في نظم الشعر ، ولم تثنه وفاة أبيه عن متابعة التحصيل ، والأخذ عن اشهر اللغويين والأدباء ، حتى صار غزير العلم ، كثير الرواية عظيم الاطلاع .
ودفعه طموحه إلى الدعوة لنفسه بين القبائل في بادية الشام ، ولما عَلِمَ لُؤْلُؤُ أمير حمص بهذه الدعوة عجَّل بتفريق أصحابه عنه ، وأسره مدة ، كاد يموتفيها لولا أنه استعطفه فرَّق له ، وأطلق سراحه .
ويقال أنه ادَّعى النبوة ،ولكنه يتنصل من ذلك . وأخذ المتنبي يتكسب بشعره ، ووصلته الأقدار بسيف الدولة بن حمدان فصار من خاصة شعرائه المقربين ، وقد مدحه بمدائح صافية رائعة ، ولازمه فيحلِّه وترحاله ، وتلقى عنه فنون الفروسية ، وخاض معه المعارك ضد الروم .
وظلمقيماً لدى سيف الدولة ، كريم المنزلة عنده ، حتى نَفسَ عليه مكانته منافسوه من الشعراء وبعض حاشية الأمير ، فدسوا له عنده ؛ حتى أسخطوا عليه .
قصدَ المتنبيإلى كافور الإِخشيدي ، متطلعاً أن ينال الحُظوة لديه ، وأن يظفر عنده بما لم يظفر به في رحاب سيف الدولة ، ومدحه بقصائد كثيرة ، ولكنه لم يظفر بأمنيته .
واستأْذن المتنبي كافوراً في الخروج من مصر فأًبى ، فانتهز فرصة ليلة عيد النحرسنة 370هـ وخرج إلى الكوفة ، ومنها إلى عضد الدولة بين بويه بفارس ، فمدحه ، ومدح وزيره ابن العميد ، وعاد إلى العراق ، فخرج عليه بعض الأعراب وفيهم فاتكُ ابن أبيجهل ـ وكان المتنبي هجاه ـ فقاتلهم قتالا شديداً ، حتى قتل هو وابن
وغلامهبمكان يسمى (( دير العقول )) ، على بعد خمسة عشر فرسخاً من بغداد ، سنة ( 354 هـ ـ 965 م ) .
شعر المتنبي صورة صادقة لعصره ،وحياته ، فهو يحدثك عما كان في عصره من ثورات ، واضطرابات ، ويدلك على ما كان به من مذاهب ، وآراء ، ونضج العلم والفلسفة .
ويمثل شعره حياته المضطربة : ففيه يتجلىطموحه وعلمه ، وعقله وشجاعته ، وسخطه ورضاه ، وحرصه على المال ، كما تتجلى القوة في معانيه ، وأخيلته ، وألفاظه ، وعباراته .
وترى فيه شخصية واضحة ، حتى لتكاد تتبينها في كل بيت ، وفي كل لحظة ، بل هي تُضفي طابعاً خاصاً يميز شعره عن غيره .
فبناءُ القصيدة بناء محكم منطقي متسلسل ، وهو يتناول موضوعه مباشرة أن يقدم له بحكم تناسبه ، وقد ظهرت قصائده الموحَّدة الموضوع ، أو المتماسكة الموضوعات في كهولته ، حين كان في صحبة سيف الدولة ، وكافور ، وأما قصائده الأخرى فيسير فيها على نمط الشعر القديم ، ويمزج فيها بين فنون وأغراض مختلفة .
والمعاني تمتاز بقوتها وفخامتها ، وسموها غالباً ، وكثيراً ما يركزها في صورة حقائق عامة ، ويصوغها في قوالب حكمة بارعة .
وتختلف الأخيلة في شعره تبعاً لمراحل حياته ، ويمتاز خياله بالقوة والخصب : وألفاظه جزلة ، وعباراته رصينة ، تلائم قوة روحه ، وقوة معانيه ،وخصب أخيلته ، وهو ينطلق في عباراته انطلاقاً ولا يعنى فيها كثيراً بالمحسنات والصناعة .
يتبع...









اضافة رد مع اقتباس














]




المفضلات