السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته
أضع هنا بين يديكم شاعراً لطالما أحببته و أثر في نفسي تأثيراً ليس ببسيط
و بسم الله نبدأ
أراني في الثلاثة من سجوني *** فلا تسأل عن النبأ النبيث
لفقدي ناظري , و لزوم بيتي *** وكون النفس في الجسد الخبيث
يا ترى من الذي قال هذه الأبيات , ولم ينعت جسده بالخبيث , لا سبيل أمامي إللا الإبحار في عالم الكتاب , و أركب قارب البحث و أخوض مغامرة في صفحات خطها السواد , و أرى أمامي البحر ساكن و به أمواج صنعتها الكلمات , فتارة أعتلي قمتها على همزة الألف , و تارة أهبط في قيعان حروف الياء , و هكذا هي حالي إلى أن وجدت ضالتي , حيث كنت واقفاً على حرف الألف من جملة أسمية وهي أبو العلاء المعري الملقب برهين المحبسين , نعم أنه هو , يا فرحتي ولكن مهلاً , أني أرى رجلاً واقفاً على صفحة أبو العلاء يمرر بصره على الكلمات و الحروف , فتملكتني الحيرة فسألته : يا صاح , هل أنت ابو العلاء , فنظر إللي و تعجب و أشار إلى وجهه و قال : ويحك , هل أبدوا مشوهاً مثله ؟ , قلت : وما اصابه , قال : لقد أصابه الجدري في صغره مما أذهب له بصره , قلت: يالسوء حظه , ومتى ... وقاطعني سائلاً : مالذي أتى بك هنا أيها الشاب , هل أضللت الطريق , قلت : طرحتني النوايا مطارحها , و أخذت أسلك مذاهبها , إلى أن وصلت ها هنا في ساحة حكيم معرة النعمان , فما قولك لو تحادثنا عن صاحب هذا المكان , قال: لك ذلك.
فبدأ الخوض في تعريفي بالشاعر الحكيم و طال به الحديث فكان مما قال:
نبذة عن شاعرنا
هو أحمد بن عبدالله بن سليمان بن محمد المكنى بأبي العلاء و الملق برهين المحبسين , ولد في معرة النعمان سنة 363 للهجرة , وقال الشعر وهو في الحادية عشر من عمره , وله من الدواوين سقط الزند "نظمه في شبابه" و اللزوميات "نظمه في آخر حياته" وله مؤلفات و رسائل أخرى أغلبها أندثرت و ضاعت و مما بقي رسالته الشهيرة "رسالة الغفران" , والشاعر تحول تحولاً جذرياً في فكره بعدما التقى بكاهن يعلم علوم الأولين بالشام , وطلب العلم على يديه حتى انتقل إلى بغداد و مكث فيها طالباً للعلم , ثم قفل عائداً إلى بلده و كان ذلك في أواخر الثلاثينيات من عمره.
شعره و علمه
قيل فيه " لم يأتِ عالم من علماء اللغة منذ تدوينها بمثل ما أتى به أبو العلاء , فقد أحاط باللغة العربية إحاطة تامة , و استعمل كل ألفاظها في شعره و نثره , و أبدع فيهما كأحسن ما يكون , كما لم يجتمع لأحد جاء قبله أم بعده مثل ما اجتمع لأبي العلاء من اتقان العلم , و سعة الثقافة , وعمق المعرفة" وما بلغ هذه الدرجة من العلم إللا بالسعي الدائم وراءه , و شعره يطغى عليه التشاؤم و تفضيل الموت و ذلك بسبب شرور الناس و الزمن المضطرب الذي عاصره , ومن شعره
الحمد لله قد أصبحت في دعة *** أرضى القليلَ ولا اهتم بالقوت
وشاهد خالقي أن الصلاة له *** أجل عندي من دري و ياقوتي
ولا اعاشر أهل العصر , إنهمُ *** إن عوشروا بين محبوب و ممقوت
يسير بي و بيغيري الوقت مبتدراً *** إلى محل من الآجال موقوت
وايضاً قال
مولاك مولاي الذي ماله *** ند , وخاب الكافر الجاحد
آمن به و النفس ترقى , وإن *** لم يبق إللا نفس واحد
ترج بذاك العفو منه اذا *** لحدت , ثم انصرف اللاحد
وهنا يصف التناقض الذي شاهده في عصره
تناقض مالنا إللا السكوت له *** و أن نعوذ بمولانا من النار
كف بخمس مىء عسجد فديت *** ما بالها قطعت في ربع دينار
و يصف هنا شرور الناس
ما أَسلَمَ المُسلِمونَ شَرَّهُمُ *** وَلا يَهودٌ لِتَوبَةٍ هادوا
وَلا النَصارى لِدينِهِم نَصَروا *** وَكُلُّهُم لي بِذاكَ أَشهادُ
إعتزاله و وفاته
حبس المعري نفسه في منزله و لقب نفسه برهين المحبسين يقصد العمى و الدار , و تلقى الكثير من الناس العلم منه و كان أغلب الزوار لمدينة معرة النعمان لا يبرحونها إللا وقد دخلوا على أبو العلاء , وبقي هكذا معلماً للناس إلى أن توفاه الله في ربيع الأول سنة 449 للهجرة وله من العمر ستة و ثمانين سنة
وقد أوصى بأن يكتب على قبره :
هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد
و رثى المعري ثمانين شاعراً أمام قبره و منهم الأمير الحسن بن عبدالله بن حصينة
في مطلع قصيدة
العلم بعد أبي العلاء مضيع *** و الأرض خالية الجوانب بلقع
قلت : رحم الله المعري رحمة واسعة , فقد ترك لنا تراثاً عريقاً مرجعاً للغة العربية و علومها , و الآن أسمح لي أيها الطيب بالذهاب , فأن الوقت قد حان , قال: انتظر و خذ هذا الكتاب , فلقد دونت كل علمي بالمعري هنا عسى أن تنفع به الناس , فشكرته على كتابه و خرجت من ذلك العالم المليء بالعلم و ها أنا ذا أعرضه عليكم عسى أن يحوز على رضاكم.
و السلام عليكم و رحمة الله




اضافة رد مع اقتباس
] احسنــت 












المفضلات