السآعة الثانية بعد منتصف الليل ..
بعيدا عن كل ذلك الإزعاج ، بعيدا عن كل تلك المشاكل ، و بعيدا .. بعيدا بعيـدا..
بعيدا عن ذلك المقر الأشبه بالمقبرة التي لا يسكنها ميت ، بعيدا عن تلك الغابة
الموحشة.
داخــل تلك المدينة الصغيرة ، قرب أحد فنادقها الكبيرة ، و المطلة على ذلك
الشاطئ الأزرق ، المبتسـم ، يبادله البدر ابتسامته الواسعة نورا ، يضيء
بنوره من حولـه ، يشعرهم بجو الدفـء و الطيبة و المودة ، و يشعل أفئدتهم
المتحطمة بريقا و توهجا ساميا ..
تحديدا عند ذلك المطعم ذو الواجهة الزجاجية الكبيرة و الواسعة ، و الذي ما انفكت
مصابيحه أن تنير شارعه الخاوي ..
و عـــلى أحد المقاعد المستديرة بداخله ، جلست فتاة بملامحها المكتئبة ، هي
و زميلتها ، كل تحاول تهدئة الأخرى فقالت الأولى باكتئاب شديد ..
الأولى : لم يعد أحد منهم حتى الآن ..
ردت عليها الأخرى : لا يا كاثرين ، لعلهم قادمون ..
كاثرين بغضب لا ارادي : الساعة بعد منتصف الليل ، و تقولين "لعلهم قادمون" ...
هل جننت يا هايلد ؟
هايلد بخفوت : آســفة .. و لكن ..
قاطعتها كاثرين بافتراس : كله بسبب المغفل تروا .. كله بسببه هو ..
فقد منعني من الذهاب ..
كانت كلمات كاثرين طاعنة في منتصف قلب هايلد الصافي النقي .. لم تحتمل ما
تقوله كاثرين ، حتى و لو كان عن غيرها ، فقد اكتفت ..
قاطعتها هايلد بضرب كفيها بالطاولة بكل غضب مما جعلت الكأس يتدحرج
و يسكب ما احتواه ...
هايلد و كأن تيارا من الغضب يسري بدلا من دمها في عروقها ..
هايلد : و ماذا يمكنك ان تفعــلي ..؟
لم تعرف كاثرين ما تقوله ، كما أن منظر هايلد أخافها قليلا ..
أما هايلد تابعت قائلة : لست سوا فتاة ضعيفــة ، هل تفهميــن أنك ضعيفة ؟
كاثرين بصدمة : ماذا ؟ أنا يا هايلد ... أنا يا هايلد فتاة ضعيفة ؟
هايلد ( نفس الحالة ) : أجــل يا عزيزتي ، و كلنا كذلك ، أنا ، و أنت ، و هي
و هـــن ... ماذا ؟ ... اننا لسنا كالرجال يا آنسة ؟ ماذا بإمكانك أن تفعلي ..؟
أخبريني ؟ تشتمينهم على الدوام و لا تستطيعين القيام بما يقومون ؟
إننا كالذباب الهزيــل بالنسبة لهم ..
+ بدون استيعاب ، لم تلحظ هايلد أن كل من كان بالمطعم يحدق بها +
اقترب النادل منها و همس في أذنها : عذرا ، أرجو التزام الهدوء يا آنسة ..
خجلت هايلد و توردت وجنتيها فجلست فورا قائلة : آســفة حقا ..
التفتت كاثرين عنها و هي تقضم شفتيها بلا كلمة ..
استدعت هايلد النادل لتدفع ثمن فاتورتهما و خرجت قائلة لكاثرين بحزم :
هيــا بنا لنعد ، فقد تأخـر الوقت كثيرا ..
نهضت كاثرين و دموعها تنتظر تأنيبة واحدة فقط لتنهار كالسيل العرم ..
مضت هايلد نحو الفندق بكل ملامح الجدية و الحزم محكمة قبضتيها ،
التفتت ببطء للخلف لترى كاثرين مطأطئة رأسها ، مما جعلها تحس بالذنب قليلا ..
فقالت بهدوء : حتــى الذبابة الهزيلة تستطيع يا كاثرين ،
ابتسمت باتساع و قالت : فالذبابة تستطيع أن تأخذ منك حبة الأرز ..
لكنك لن تستطيعي استرجاعها مهما حاولت..
+ لم تبدي كاثرين أمام هايلد أي استجابة ، لكنها ارتاحت نفسيا بداخلها ،
فقد عرفت أن هنالك ما تستطيع أن تقوم بـه ، مثله مـثل حبة الأرز تـلك ..
توقفت هايلد و التفتت لتقول : أنا آسفة حقـا يا عزيزتي .. أرجو أن لا تكـو..
قاطعتها كاثرين بتنهيدة قائلة : لا تقلقي لست غاضبة منك ..
هايلد : أرجو أن تعذرينـي ، فأنا لا أتحمل هذه الأيام أي شيء ..
كاثرين بخفوت : الذنب لم يكن ذنبك أبدا ..
تابعتا سيرهما البطـيء حتى وصلتا لغرفتهما في الفندق
رمت هايلد بنفسها على سريرها و ضمت وسادتها إليها
ضحكت و قالت باصطناع : أشعر بشعور جيــد ..
** لم تقل ذلك ، إلا لكي تهدأ كاثرين **
جلست كاثرين قربها و هي تخلع حذاءها فقالت : هل تظنين أن ريلينا
ستكون بخـير .. !!
هايلد بداخلها : حقآ أتمنى ذلك ..
فالتفتت لها و قالت مصطنعة السعادة الكاذبة : بالتأكيد ، ستكون كذلك
ثم أردفت قائلة : لا تنسي أن هيـرو معها ..
كاثرين : أتساءل عن أحوال البقية ؟
هايلد و هي تسحب الغطاء : لا تقلقي ، كلهم بخير ..
كاثرين : أرجو ذلك ..
هايلد : علينا أن ننام ، فلعلها الليلة الأخيرة لنا في هذه الجزيرة ..
فالمدرسة غدا ، و ستبدأ أجراسها تصدح باليابان ، هه لقد بدأ الدوام الغبي ..
كاثرين : لعله كان غبيا ، لكـن .. أجيبيني بصراحة ، أولم تكن
أوقاتها الأجمل دائما ..
هايلد بحزن : محقة ! لقد اشتقت للمعلميــن فيها ..
ضحكت كاثرين و قالت : هاها لم يحضر ديو تقريره للآنسة ميلتين ..
هايلد بضحكة قوية : هاهاهاها ! محقة ، انني اتخيل شكله حينما توبخه أما الطلاب
كاثرين و هي تتخيل : أمممم ! مسكين .. ما رأيك أن نعد له تقريرا كحالة طارئة ،
هايلد بحنو : أوووه ، كم أنت رائعة .. أحبك حقا يا كاثرين ؟
تعانقتا عناقا حارا و نامتا ، و كل منهما تحلم بالعودة مع أصدقائهما لأرض الوطن ، و بين
أحضانه الدافئة الآمنة ..
لا مشاكل ، لا خوف أو رعب ، و لا حتــى فراق ..
+++++++++++++++++++++++++++++
فتح عينيه و قال : " آه ما هذه الرائحة ؟ "
أتبع الآخر قربه : " إنني أعرفها ...... "
صمت و هو يشمها بقوة و قال بهدوء : و أكرهها أيضا ..
مضت ثوان قليلة ، فالتفتا لبعض و قالا بالوقت ذاته بصوت مرتفع :
انه المشــــــــفى ! لاااااااااااااااااااااااااااا ..
تعالت ضحكات قريبة منهما ، فالتفتا لصاحبها و قالا معا : كواتر !!
أنت حـي ..
ثم التفتا لبعض باشمئزاز و قالا بالوقت ذاته : ( لا تقلدنــي ) !!
و بدأ عراكهما فوق أسرتهما الطبية .. بالوسادات ، حتى تقدمت إحداهن ،و بمجرد دخولها




اضافة رد مع اقتباس








!!









المفضلات