بسم الله الرحمن الرحيم


ولهن أدوار .. مع القرار

كيف كانت حياة المرأة في القرون الثلاثة الأولى التي هي خير القرون؟
سؤال احتاج مني إلى كثير من الوقت والبحث لأصل إلى الإجابة الشافية، ومن الجميل أنني وجدت نفسي أجرى مع هذه وأذهب مع هذه إلى هنا وغلى هناك لما وجدت في الأحاديث من حركة وأدب وعمل في حياة المرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إننا أمام نماذج من المرأة غريبة ... عاملة داخل بيتها وخارج بيتها، مهاجرة، طبيبة في الحروب والغزوات، وقد يصل الأمر بها إلى القتال إن احتاجت الضرورة لذلك.
وفي هذه صفعة ساخنة على وجه من ادعى أن الإسلام حكم على المرأة بالسجن داخل البيت فلا تخرج منه إلا إلى القبر.
عزيزتي المرأة المسلمة: تعالي معي إلى رحلة في كتاب سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين الذهبي، وقد اخترت من هذه النماذج المشرقة الفعالة.
فأبدأ بالحبيبة إلى قلبي السيدة خديجة رضي الله عنها:
فقد كانت تخرج من بيتها بعد أن تجهز الطعام لزوجها صلى الله عليه وسلم وتذهب به إلى غار حراء حيث يتعبد الرسول، وتسير كل هذه المسافة لتطعم زوجها وتطمئن عليه وتصعد إلى الغار وقد أشرفت على الستين سنة، وقد بشرها جبريل ببيت من قصب لا نصب فيه ولا وصب، ولو كان في خروجها شيء لما بشرها الله تعالى بهذا الجزاء الوفير،ولم يكن وقتها أمر بالقرار للمرأة، ولكن هذه المرأة بفطرتها السليمة شاركت زوجها الرسول أعباءه وهمومه ووفرت له الجو المناسب ليقوم بمهام رسالته، رحمها الله وأدعو الله أن يجمعنا بها في جنته ومستقر رحمته.
وهذه أسماء بنت أبي بكر المشهورة بذات النطاقين:
عن هشام بن عروة عن أسماء قالت: صنعت سفرة النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أبي حين أراد أن يهاجر، فلم أجد لسفرته ولا لسقائه ما أربطهما، فقلت لأبي:
ما أجد إلا نطاقي، قال: شقيه باثنين فاربطي بهما، قال: فلذلك سميت ذات النطاقين.
وقد شهت اليرموك مع زوجها الزبير.
وإليك عزيزتي المرأة هذه القصة التي تدل على عمل المرأة بالمنزل وخارج المنزل:
روى عروة عنها قالت: تزوجني الزبير وما له شيء غير فرسه.
فكنت أسوسه وأعلفه، وأدق لناضحه النوى [الناضح: البعير يستقى عليها، والنوى: عجم التمر كانوا يدقونه ويعلفونه دوابهم].
وأستقي، وأعجن، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي وهي على ثلثي فرسخ.
فجئت يومًا والنوى على رأسي, فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر فدعاني، فقال: إخ، إخ ليحملني خلفه، فاستحيت وذكرت الزبير وغيرته.
قالت: فمضى [أي رسول الله صلى الله عليه وسلم].
فلما أتيت، أخبرت الزبير فقال: والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه [أي حملك للنوي على رأسك اشد على من ركوبك مع الرسول صلى الله عليه وسلم]
قالت: حتى أرسل إلي أبو بكر بعد بخادم، فكفتني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني'. [إسناده صحيح وأخرجه أحمد والبخاري ومسلم].
وأود أن أقف مع هذا الحديث وقفات:
الوقفة الأولى: أن أسماء كانت تعمل داخل البيت تسوس الفرس وتعلفه وتسقي وتعجن.
وخارج البيت تنقل النوى من أرض الزبير إلى البيت على رأسها، وكانت المسافة بعيدة بينها.
الوقفة الثانية: كان زوجها الزبير شديد الغيرة، فلو كان في خروجها شيء ما أخرجها من البيت.
الوقفة الثالثة: تعامل الرسول الكريم مع الموقف فأراد أن يحملها خلفه تخفيفًا عنها.
الوقفة الرابعة: حياؤها وفهمها طبيعة زوجها أنه غيور، وهو مع غيرته لم ينكر عليها إذا ركبت خلف الرسول صلى الله عليه وسلم.
ما رأيك أيتها المرأة في شخصية أسماء العاملة والقيام بدورها داخل وخارج المنزل مع حفاظها على حيائها وحفظ غيبة زوجها؟ وسأترك لك الإجابة.
وهذه أم سليم بنت ملحان 'الغميصاء':
أم خادم النبي صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك.
قال محمد بن سيرين: كانت أم سليم مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومعها خنجر.
وفي صحيح مسلم بشرح النووي [ج10 ـ 12] باب بعنوان غزوة النساء مع الرجال عن أنس: أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرًا فكان معها، فرآها أبو طلحة 'زوجها' فقال: يا رسول الله: هذه أم سليم معها خنجر فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا الخنجر؟
قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرتُ به بطنه 'أي شققته' وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك.
وعن أنس بن مالك في نفس الباب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بأم سليم ونسوه من الأنصار معه إذا غزا فيسقين الماء ويداوين الجرحى.
وفيه خروج النساء في الغزو والانتفاع بهن في السقي والمداواة ونحوهما، وهذه المداواة لمحارمهن وأزواجهن وما كان منها لغيرهم لا يكون فيه مس بشرة إلا في موضع الحاجة.
ـ وأم سليم عزيزتي المرأة هي صاحبة القصة المعروفة التي مات ولدها ثم أخفت خبره عن زوجها أبي طلحة، ثم أخبرته آخر الليل بخبره بلطف وذكاء.
ـ روى ثابت عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يدي، فإذا أنا بالغميصاء بنت ملحان.
عن ربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة.
وفي شرح الإمام يقول: ويؤخذ حكم مداواة الرجل المرأة منه بالقياس، وإنما لم يجزم بالحكم لاحتمال أن يكون ذلك قبل الحجاب أو كانت المرأة تصنع ذلك بمن يكون زوجًا لها أو محرمًا، أما حكم المسألة فتجوز مداواة الأجانب عند الضرورة، وتقدر فيما يتعلق بالنظر والجس باليد وغير ذلك.
وهذه أم عمارة الأنصارية:
فقد أبلت بلاءً حسنًا في القتال يوم أحد حتى أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم, وفي حروب الردة شهدت المعارك بنفسها، حتى إذا قتل مسيلمة الكذاب عادت وبها عشر جراحات.
هذه هي المرأة المسلمة تقوم بدورها في الأعمال اللائقة بطبيعتها ووظيفتها وإن دعت الحاجة والضرورة أن تحمل السلاح وتقاتل فلا تتأخر عن أداء دورها وواجبها.
ـ فمتى كانت المرأة مغيبة عن مسيرة العمل وتفعيل دورها الاجتماعي في المنزل أو خارج المنزل؟
وقد ذكرنا هذه الأمثلة في العصر الذي يقال عنه من قبل العلمانيين عصر التأخر والتخلف، عصر المرأة المظلومة المقهورة.
ـ ولا ننسى في هذا المقام أن أذكر هجرة النساء مع الرجال في سبيل إقامة المجتمع الجديد المبني على الدين القويم وفيهن من هذا عزباء غير متزوجة مثل أسماء بنت عميس وفيهن متزوجات أيضًا.
ـ ومن المهاجرات الأوائل من أمهات المؤمنين أم سلمة وزينب بنت جحش، ومن غيرهن أم حبيب، وأم أيمن [مولاة الرسول وحاضنته].
ـ وزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أسلمت وهاجرت قبل إسلام زوجها بست سنين.
ـ ورقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أسلمت مع أمها السيدة خديجة ـ ثم تزوجها عثمان وهاجرت معه إلى الحبشة.
ـ وأم حرام بنت ملحان [أخت أم سليم] التي غزت مع زوجها عبادة بن الصامت في البحر وكانت من الأولين الذين ركبوا البحر.
فمتى كانت المرأة مغيبة عن مسيرة العمل بالمنزل أو خارج المنزل؟
فالإسلام قد قدم لنا مشروعًا حضاريًا للتعامل مع المرأة 'فالنساء شقائق الرجال' كما قال رسولنا الكريم، والرجل والمرأة في الأجر والجزاء سواء.
ـ ويأتي هنا سؤال ملح وهو متى تخرج المرأة من بيتها؟
للمرأة أن تخرج من بيتها ولا يتنافى ذلك مع القرار في الأحوال الآتية:
1ـ لها أن تخرج لقضاء حاجة لها أو لزوجها وأولادها في الحقل والسوق كما كانت تفعل أسماء بنت أبي بكر [ذات النطاقين].
2ـ للتعلم وطلب العلم كما جاء في الحديث: 'طلب العلم فريضة على كل مسلم' [رواه ابن ماجه].
فيجمع علماء المسلمين على أن المسلمة ـ أيضًا ـ داخلة في معنى الحديث، وكما جاء في الحديث عندما طلبت النساء من الرسول أن يجعل لهن يومًا يتعلمن فيه، وقد كان نساء الصحابة يذهبن إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألنه فيما يعرض لهن من شؤون، ولم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
3ـ للصلاة في المسجد كما جاء في الحديث: 'لا تمنعوا إماء الله مساجد الله'[رواه مسلم].
4ـ لها أن تخرج للعمل فيما يلائمها من الأعمال التي تناسب طبيعتها واختصاصها وقدراتها، ولا يسحق أنوثتها [في مجال الطب والتدريس مثلاً].
فعملها مشروع في حدود وبشروط، خصوصًا عندما تكون هي أو أسرتها في حاجة إلى العمل الخارجي أو يكون المجتمع نفسه في حاجة إلى عملها خاصة، وليست الحاجة محصورة في الناحية المادية فحسب، فقد تكون حاجة نفسيه، كحاجة المتعلمة المتخصصة التي لم تتزوج، والمتزوجة التي لم تنجب، والشعور بالفراغ الطويل والملل القاتل، وليس الأمر كما يدعيه أنصار عمل المرأة دون قيود أو ضوابط.
[من كتاب ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده د/ يوسف القرضاوي]
هذا والله ولي التوفيق ... gooood