كيف نتعامل مع القرآن في رمضان

--------------------------------------------------------------------------------

كيف نتعامل مع القرآن في رمضان (1)
مجلة المجتمع 14/10/2004
كيف نتعامل مع القرآن في رمضان؟ (1 من 3)
كتاب الله طريق التغيير الحقيقي
د. مجدي الهلالي
اعتاد كثير منا عندما يدخل شهر رمضان، أن ينكب على المصحف ويجتهد في قراءة القرآن وختمه عدة مرات، بل ويتبارى في ذلك الأقران، ومما لا شك فيه أن هذه الظاهرة تحمل في طياتها بعض الجوانب الإيجابية، ولكن مما يدعو للأسف، أن محور الاهتمام غالباً ما يدور حول حروف القرآن وألفاظه، دون أن يصاحب ذلك اهتمام مماثل بما تحمله هذه الألفاظ من معان هادية تدفع من يعيش في أجوائها إلى الاستقامة على أمر الله وعلى صراطه المستقيم، كما قال تعالى: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم (الإسراء:9).
وخير دليل على أن ما نفعله مع القرآن ينقصه الكثير والكثير، واقعنا الذي نحياه، فالواحد منا يقرأ الآيات والسور، وينتهي من الختمة تلو الختمة، دون أن تجد أثراً لهذه القراءة في أفعاله وسلوكه، بل إنك إن سألته عما استوقفه من آيات لم تجد منه جواباً، فالهم منصرف لتحصيل أكبر قدر من القراءة، طمعاً في الأجر والثواب الذي أخبر به{بقوله: "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف"(1).


المعنى هو المقصود


لو كان أمر القرآن يتعلق بالثواب المترتب على قراءة القرآن فحسب لكان من الأولى أن نتجه إلى أعمال أخرى تعود علينا بثواب أكبر، مثل ما أخبرنا به { : "من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب له ألف ألف حسنة، ومحي عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبني له بيت في الجنة"(2) ولسنا نعني بذلك التقليل من شأن الثواب المترتب على قراءة القرآن، بل نعني إعادة النظر في طريقة تعاملنا معه، فقيمة القرآن وبركته الحقيقية تكمن في معانيه، ولأن اللفظ وسيلة لإدراك المعنى كان التوجيه النبوي بالإكثار من تلاوته، وتحفيز الناس على ذلك من خلال الثواب الكبير المذاكرة عدة ساعات، هو بالتأكيد لا يقصد من وراء ذلك مجرد جلوسه على المكتب والنظر في الكتب دون فهم ما تحتويه، بل هدفه تشجيع ابنه على المذاكرة بذهن حاضر ليتحقق له النجاح.
فإذا نظرنا إلى الهدف الأسمى من نزول القرآن، وربطنا بينه وبين ما رتب الشارع الحكيم على قراءته من ثواب عظيم، وجدنا أن من أهداف هذا الثواب تشجيع المسلمين على دوام قراءته حتى يهتدوا بهداه، ويستشفوا بشفائه.. أما أن نقرأه وليس لنا هدف إلا ثواب القراءة فقط، دون الالتفات إلى المعنى المقصود من الخطاب فإننا لاشك سنخسر كثيراً بالاقتصار على ذلك التعامل الشكلي، ولن يحقق فينا القرآن حينئذ مقصوده.


لا بديل عن التدبر


إن نصوص القرآن واضحة في أهمية تدبره عند قراءته أو الاستماع إليه ليكون التدبر وسيلة للفهم والتأثر ثم العمل.
يقول تعالى: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب 29 (ص)
ويقول: أفلا يتدبرون القرآن أم على" قلوب أقفالها 24 (محمد).
ولأن فهم مقصود الخطاب لابد أن يلازم المترتب على قراءته، ومثال ذلك: الأب الذي يرصد مكافأة لابنه إن استمر في قراءته، كان توجيه الرسول { لعبدالله بن عمرو بن العاص بألا يختم القرآن في أقل من ثلاث معللاً ذلك بقوله {: "لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث"(3).
إننا نعمل جاهدين على فهم المقصود من أي كلام نقرؤه أو نسمعه.. فلماذا لا نطبق هذه القاعدة على القرآن؟
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
"ومن المعلوم أن كل كلام، فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك"(4).
ويؤكد هذا المعنى الأستاذ حسن الهضيبي يرحمه الله فيقول:
"ليست العبرة في التلاوة بمقدار ما يقرأ المرء، وإنما العبرة بمقدار ما يستفيد، فالقرآن لم ينزل بركة على النبي { بألفاظه مجردة عن المعاني، بل إن بركة القرآن في العمل به، واتخاذه منهجاً في الحياة يضيء سبيل السالكين، فيجب علينا حين نقرأ القرآن أن يكون قصدنا من التلاوة أن نحقق المعنى المراد منها، وذلك بتدبر آياته وفهمها والعمل بها"(5).
وقال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه \ختلافا كثيرا 82 (النساء).
يقول: "ودلت هذه الآية على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه"(6).
فتدبر القرآن، وإن كان واجباً على قارئه أو مستمعه إلا أنه ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لتفعيل معجزته الكبرى وتحقيقها في نفس متلقيه.


المعجزة الكبرى


نعلم جميعاً أن القرآن هو أكبر وأعظم معجزة جاءت من عند الله عز وجل للبشر.
فما سر هذه المعجزة الذي جعلها تتفوق على كل ما سبقها من معجزات؟
قد يجيب البعض بأن معجزة القرآن تكمن في أسلوبه.. وبلاغته.. وتحدي البشر به، وأنه صالح لكل زمان ومكان..إلخ.
نعم.. هذا كله من أوجه إعجاز القرآن، ولكن يبقى سر إعجازه الأعظم في قدرته على التغيير..
تغيير أي إنسان، ليتحول إلى إنسان آخر عالم بالله عابد له في كل أموره وأحواله، حتى يتمثل فيه قوله تعالى: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين 162 (الأنعام).
كيفية التغيير
والتغيير الذي يحدثه القرآن يبدأ بدخول نوره إلى القلب، فكلما دخل النور إلى جزء من أجزائه بدد ما يقابله من ظلمة أحدثتها المعاصي والغفلات واتباع الهوى.
وشيئاً فشيئاً يزداد النور في القلب، وتدب الحياة في جنباته، ليبدأ صاحبه حياة جديدة لم يعهدها من قبل.
قال تعالى: أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها (الأنعام:122)
فالقرآن إذن هو الروح التي تبث في القلب فتحييه.
وقال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا (الشورى:52)
وعندما تبث الروح في القلب وتمتلئ جنباته بنور الإيمان، فإن هذا من شأنه أن يطرد منه الهوى وحب الدنيا، مما يكون له أبلغ الأثر على سلوك العبد واهتماماته، وهذا ما أوضحه { للصحابة عندما سألوه عن معنى انشراح الصدر الذي جاء في قوله تعالى: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على" نور من ربه (الزمر:22)
فقال {: "إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح" قلنا: يا رسول الله وما علامة ذلك؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله"(7).


من آثار المعجزة


يقول تعالى: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى" بل لله الأمر جميعا (الرعد:31).
إن للقرآن تأثيراً قوياً يفوق ما يمكن تخيله، ولقد ضرب لنا سبحانه وتعالى مثلاً لذلك فقال عز من قائل: لو أنزلنا هذا القرآن على" جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (الحشر:21).
"فالجبال كما يقول القرطبي إذا ما خوطبت بهذا القرآن، مع تركيب العقل لها لانقادت لمواعظه، ولرأيتها على صلابتها ورزانتها خاشعة متصدعة، أي متشققة من خشية الله"(8).
وفي هذا المثل دعوة للتفكر في قوة تأثير القرآن ليكون حجة على الجميع، ويبطل دعوى من ادعى بأنه ليس أهلاً لتدبر القرآن.


موقع نداء الايمان