![]()
عندما تريد مشاهدة هذا الفيلم فلا بد أن تكون على أهبة الاستعداد النفسي والمعنوي لرؤية تحفة بصرية هائلة بل وربما لن تتكر كثيرا في تاريخ السينما , هذه الحقيقة لابد من وضعها في الحسبان حتى تخرج من بعد المشاهدة بنتيجة مرضية وذات معنى وإلا فالفائدة ستكون ضعيفة , كون أن هذا الفيلم يعتمد في أساسه على الجمال البصري إلى أبعد الحدود , فهو فيلم في الأساس صنع صنعة بصرية توافق كثيرا القصة , فالمخرج بنيته من الأساس أن يقدم مشاهد تخرج منها مسحورا بجمال ما رأيت وربما مصدوما , فكيف لمشاهد لم يتعود على ممارسة الخيال الذي يقع خلف تفكير اليابانيين واساطيرهم أن يتقبل هذا السيل من الخيالات والتي من المستحيل أن تخرج من غير اليابانيين .
في هذا الفيلم يثبت لنا المخرج القدرة العجيبة التي يحتويها الفرد الياباني على صنع الخيال , فبعد مشاهدتي لهذا الفيلم أيقنت أن الخيال الإنساني لايمكن أن ينضب , وكيف به أن ينضب ونحن نرى هذا الخيال الجامح والذي يكاد يتفجر روعة وحسنا , وهو كذلك في وعاء الرسوم المتحركة وخاصة الأنمي ذلك الفن الذي لايزال يتحفنا بالعجائب .
عندما تتأمل في الصورة التي تخرج من هذا الفيلم أعود وأتذكر ما كتبته عن الروح التي تنتمي للصورة الرسومية وأقول , ما سبب تقبل الناس للخيال الذي يخرج من الثورة مهما كان نوعه أو شكله لكنهم في المقابل لا يتقبلونه بنفس الكمية في الصورة العادية , هذه الحقيقة تفرض نفسها سواء بوعي أو بغير وعي وما أدل على التقبل الغير واعي إلا ردود الناس واقوالهم تجاه هذا الشيء , فكير منهم يعتبر هذه الرسوم موجهة للأطفال وهذا إقرار لا واعي بفردانية هذا الاتجاه بابتلاع الخيال ابتلاعا , فليس هناك من هو أقدر على الخيال من هؤلائك الأطهار الأطفال ,فعقولهم تسبح في بحور من الخيالات الغير منقطعة واللا محدودة وكونها تتبنى لغات الجمال وغيرها مما يعجز عنه التمثيل الحي .
عندما نأتي إلى الكلام الوارد في المقالة السابقة ونطبقه هاهنا في هذا الفيلم , فإنك ستلتمس روح الصورة تلك المادة الهلامية في كل لقطة من لقطات الفيلم وفي كل معالجة من معالجاته , هذه الروح الموجودة في الصورة استثمرها المخرج استثمارا صوريا منقطع النظير , فخرج بعد أن أشبع الصورة بكمية ضخمة من الخيلات لتلتمس في لحظات الفيلم مواقف فانتازية ربما لاتخطر على بال , مستغلا بذلك قابلية الصورة للتمدد والتقلص حسب الأجواء التي يفرها له المخرج .
يطل علينا المخرج في البداية بلقطة هي في الحقيقة من منصف الفيلم ليقدم لنا عرض مسرحي ينتهي بخيال رجل طرزاني إن جاز التعبير , ثم بعد ذلك تنخرط لنا احداث الفيلم من مسافرة في عالم الاحلام وقدسيتها لدى الفرد الياباني وما إلى ذلك .
نجح المخرج في بناء الشخصيات بناء يتناسب مع القصة , وكذلك قدم لنا صورة في غاية الروعة والمناسبة لموضوع القصة فكما هو الموضوع المطروق في القصة هوموضوع غريب وفي الحقيقة لأول مرة تتم معالجته بهذا الأسلوب المركب والجميل , فهو يخوض في عالم الأحلام وأنها ملك لصاحبها ولا يجوز الاطلاع عليها إلا من قبل صاحبها فقط , فقدمها في صورة ممتلك شخصي لا يجوز المساس به وبالتالي ما يقدمه الشخص في هذا الحلم يعود ملكيته لصاحبها لتخرج لنا في النهاية صورة وانعكاس عن الشخص الذي راوده الحلم .
ومن خلال وضع الأحلام موضع الحق الشخصي فعند النظر لهذه الأحلام سنرى الشخص على حقيقته , فمن خلال الأحلام سنرى تلك الرغبات المكبوته والسرية التي يحتفظ بها الشخص في ذاته وعندما ينام تبث هذه الأحلام بحرية لتعبر عن ما يجول في خاطر هذا الشخص ,وتراه يصور نفسه في كثير من الأحيان بموضع ما يريده هو وما يطمح إليه فهي المتنفس الوحيد لما يريده من واقعه وحياته, وهذا يظهر جليا في قضية الرجل صاحب القضية .
من هنا تكمن خطورة التطفل على الأحلام , فهي حالات خاصة من صورة الإنسان في الواقع وتمثل انعكاسات لشخصية في حياته المعاشة , وهذا أشبه ما يكون بسرقة معلومات سرية من وزارة الدفاع على سبيل المثال , فالإنسان في حلمه كثيرا ما يستعرض أمورا لا يريد من أحد الإطلاع عليها أومشاهدتها لأنها تعبر إما شهونة حيوانية تجاه أمر معين أو رغبة جامحة لفعل مقزز أو ربما أفعال لا يريد لأحد أن يطلع عليها , كل هذه الأمور تجعل من الخصوصية في الأحلام شيء لا بد منه .
بعد هذا كله عندما يأتي ذلك الشخص ويقوم بالتطفل على احلام الأشخاص ويقوم بلامبالاة بالتشويش على واقعهم بجعل جميع ما يحلومن به كوابيس مقززة ويمحو ذلك الخط الفاصل بين الحقيقة والحلم في ما يخص الالشعور السيء الذي يحسون به ومطاردتهم بما يريدون ومالايريدون لتكون الكارثة .
جميع هذا السرد يقدمه لنا المخرج في لمسه سحرية بصرية تفوق الخيال , وهو حقيقة من النوع الغرائبي الذي لا يمكن أن تتنبأ بما سيأتي في لقطة لاحقة ولا تستطيع أن تحدد الخيال الذي يسيقدمه في أسلوب ساحر حتى أنك تتسمر في مقعدك تنتظر الصورة القادمة وما سيقدم في خيال لا يخطر على بال موافقا منهج الأحلام في استعراضها ما لا يخطر ايضا .
عندما تنظر إلى الفيلم فأنت تنظر إلى تحفة فنية جميلة , تكتمل فيها عناصر الجمال البصري والروحي , فعند المشاهدة ستتمتع بموسيقى في غاية الروعة والاتقان ,حتى تحس في مواضع أنك جزء من الصورة بل أن تأثيرها يمتد إلى ما بعد المشاهدة , فكثيرا ما تمنيت رؤيت ذلك العالم أمامي واقعا من شدت ما رأيت , فهو من خلال الصوت والصورة نقلنا إلى عوالم مختلفة عن العوالم التي نتخيلها إو وضعناها في الحسبان .
عندما أراد المخرج تحوير القصة إلى فيلم عاب عليها كثير ذلك فصعوبة تحويل الرواية بنفس النسق إلى فيلم هو مكمن الخطورة في هذه الحلقة , فالرواية معقدة في جوانبها وأساليبها ومعالجتها بالإضافة لكون الموضوع المطروق في الرواية هو موضوع غريب وذو أسلوب مختلف عن باقي الروايات في معاجته لهذه القضية .
ما يعيب الفيلم حقيقة هو الفجوات الخطيرة الموجودة في السيناريو , فعند المشاهدة ستستشعر سعوبة في فهم الفيلم وهذا ناتج عن بناء درامي ضعيف , وهناك أيضا مواضع تحس أن المشاهد فيها نقص لخلل لم يستطع السيناريو معالجته , وهناك قلة في الترابط بين الأفكار حتى أنك ربما تخرج من الفيلم وأنت تعاني من صداع لشدة التركيز لفهم القصة , وهذا عيب خطير وقع في شراكه المخرج وما تخوف منه الناس تحقق جانب منه , فأنت تلحظ صعوبة المادة المطروقة في الفيلم لتحويلها لفيلم تشويق وخيال , حيث أن هناك عدة أخطاء في المعالجة .
في الختام لا أستطيع إلى أن أقول أن هناك أيقنوة بصرية وتحفة فنية اسمها Paprika أبدعها لنا مخرج اسمه Satoshi Kon
تحياتي والمحبة




اضافة رد مع اقتباس
المفضلات