يفتتح هذا الفيلم بمشهد مفتوح على ساحة عامة بها مرتادون , يخرج لنا البطل المكلوم ليقول لنا بأنه ميت بل أنه سيموت في ذلك اليوم المحدد بتاريخ 21/9/1945 معلنا بذلك بهاية ونهاية الحرب معه .
عندما نتكلم عن عظمة هذا الفيلم فإننا في الحقيقة نتكلم عن الثورية التي قدمها هذا الفيلم بما قدمه من نظرة جديده لعالم الأنمي بمخرجه الذي اعتنق الواقعية الإيطالية والواقعية الجديدة كمنهاج له في سيره , المخرج هنا نزل إلى الشارع العام أثناء الحرب إيماننا منه بأن الإبداع يأتي من حياة الناس البسطاء , من الدمار , من الألم , بل إنه في الحقيقة من الواقع .
أسلوب Isao Takahata الإخراجي فريد من نوعه في عالم الأنمي , اعتدنا في الحقيقة أن نرى الواقعية في أفلام لفيليني مثلا أو في روما مدينة مفتوحه لروسيليني أو غيرها , لكن أن نراها على صور متحركه هو ما قدم للفيلم جماليته العظيمه , يقدم هذا المخرج في أفلامه العديد من نماذج الواقعية الرائعه Memories of Teardrops والذي يمطرنا فيه بوابل من المعلومات حول حياة الشارع الياباني في ذلك الوقت , أو My Neighbors the Yamadas والذي يضرب في أروع الأمثلة على الكوميديا الواقعية لحياة الأسرة اليابانية بجميع أفرادها بدئا من الجد والجدة إلى طفلتهم الصغيرة المشاغبه بفكرة إخراجيه غاية في الروعة والجمال , وما يميز واقعيته أيضا أنها تحمل معاني روحية عميقة أو شاعرية غير مبتذلة مما يعطي الفيلم دفعة قوية نحو الجمال .
ما يميز هذا المخرج حقيقة هو قلة الأخيلة في أفلامه , وهو ما لم يكن شائعا عن افلام الرسوم المتحركة والموجودة حتى الآن المتتلئة بالأخيلة والفانتازيا الجميل منها والقبيح , وهذا عائد إلى منهجه الإخراجي الصارم الذي التزمه وهو ماخالف به المتعارف عليه في عالم الأنميشن , فأفلامه تستمد من الواقع الذي لا مجال فيه للأخيلة وغيرها , بل يميل للتسجيلية في كثير من الأحيان .
في هذا الفيلم ينتقل مخرجنا إلى زمان الحرب العالمية الثانية من خلال رواية لشخص عايشها وعايش أحداثها المؤلمة والحزينة ليجعل منها نصا سينمائا لفيلمه , ثم ينطلق بعدها إلى البحث عن الصوت المؤدي للطفلة فكان لزاما عليه لتحقق منهجيته أن يتجه إلى الأرض المنكوبة والتي وقعت فيها القصة لينتقى من يمثل هوت طفلتنا الجميلة .
ثم بعد ذلك ينتقل بنا الفيلم إلى لغة الصورة , فتجده يفسح لك المخرج الطريق لتأملك ولتقديرك ولعقلك من خلال المساحات الصامته في الفيلم فبالرغم من أن مدة الفيلم تقارب الساعة والنصف إلا أن عدد الأسطر المترجمة لا يتعدى 560 سطرا , ليتسلل المخرج من التأثير الذي يصنعه هو بنفسه إلى التأثير الذي يصنعه المشاهد لنفسه ويدعك من تحكم وبالتالي تصدر شعورك ذاتيا صارخا لماذا وجدت الحرب ؟ , وبالرغم من عرض هذا السؤال جليا في مجريات الفيلم إلى أنه لا يقدم جوابا عليه مما يؤدي إلى ممارسه أمينةمع الواقع , فليس من مهمتي أن أقدم لك أجوبت على الأسئلة بقدر ما أثيرها فيك , وهذي هي أهم سمات الواقعية , فهي تقدم لكالشعور الحقيقي للإنسان لكنها لا تقدم احكاما أو أجوبة أو ما شابه , لذا فطبيعتها تقترب من التسجيلية في رص الواقع الذي يعيشه بطلنا هو وأخته ومجريات حياتهم اليومية .
قدم الفيلم دراسه عن واقع الحرب من خلال تدرجات حياة سيتا وأخته الصغيرة والذين مارست عليهم الحرب أشد درجات القسوة تجاه الطفولة , وهو في الحقيقة يبتعد عن أسلوب الشحن الذاتي الذي يغمسك في كم هائل من المشاعر المبتذلة لتخرج في النهاية تلقي بلعناتك على الحرب ودموعك بقدر ما يخفر في نفسك ألما تجاه الواقع الذي انتهك حقوق جميع طبقات المجتمع وخصوصا الطفولة , قدم ذلك من خلال صورة سيتا وأخته والذين أحرقت عليهم الحرب بيتهم وعائلتهم فلجأوا إلى أسرة قريب مارست عليهم حق القرابة لفترة محدودة لم تبلث في النهاية أن انقلبت إلى تأفف وتضجر مما حدى بصاحبنا أن تأخذه كرامة الرجال ويغادر البيت لتلقى أخته حتفها رغم عن أنفها بعد معاناة ليس مع المرض بل مع الجفاف الذي اصاب جسمها النحيل فلم تقدر على تحمل العيش في كهف وأكل الطعام الفاسد وشرب الماء الفاسد لتستسلم للموت بجسدها البالي .
يركز الفيلم على عدة محاور تقدم البعد الإنساني للفيلم , هذه المحاور تكسب الفيلم ميزة جذرية عن القصة المستند إليها المخرج , من حيث إرتكازها على الصورة بشكل جذري في الأساس , وبالتالي يكسبها تفوق على القصة الأصلية للفيلم في الحقيقة ؛ ومن هذه المحاور الآتي :
انعدام الأمل في النجاة من ويلات الحرب , وهذا يتضح على صعيدين , الصعيد الشخصي وهو ما نراه جليا في بداية الفيلم من خروج سيتا ليخبرنا بوفاته كصورة أولى للفيلم , أما على صيعد المجتمع فحالة الاظطراب التي عاشها الشعب ابان الحرب والشغب الحاصل منالسرقات وغيرها خصوصا في الصورة التي يخرج علينا فيها ذلك الجندي صارخا بالرغم مما أصاب وبالرغم من المدينة المحترقة عاش الامبراطور , وكأن المخرج يوجه رسالة لسان حالها يقول أي نفع يرجى من الامبراطور بل من الحكومة كلها ونحن في هذه الحالة المزرية .
ما تفقده الحرب من المجتمع عموما ومن الفرد خصوصا , في هذه الحالة قدم المخرج صورا رائعة بل احترافية لنماذج مبكية لفعل الحرب على المجمتع والفرد كأحد لبنات المجتع المتمثلة ببطلنا وبطلتنا الصغيرين , وتبرز في عدة مواقف من أهمها هي اهانة سيتا ذلك الجندي الحالم من قبل قريبته التي احتظنته في البداية وقدمت له المأوى والحنان , لكنه في الحقيقة لم يدم طويلا فسرعان ما تخلت عنه بحجت أنه فرد غير صالح في هذا البيت الذي كلمن فيه يعمل لخدمة المجتمع والتخلص من الحرب , هذه الصورة تقدم فكرة عن بداية تفكك ذلك المجتمع المستقر من خلال تلك المرأة التي تدعى ما ادعت وهو في الحقيقة كلام لا يعقل , فكيف تريد من طفل أن يكون خادما لأمته للخروج من المأزق وهو غير قادر على تدبر أموره , لكنها في الحقيقة حجة مغلفة بغلاف خاجي يدعي عدم الصلاحية لكنها داخليا تنبأ عن أزمة مقبله سببتها الحرب مفادها أن كل فرد مسؤول عن نفسه ؛ وما قدمه من صورة أخرى لانعدام صلاحية المال في اثناء الحرب مما سبب أزمة عظيمة لطبقات المجتمع المتعددة سواء أكانت فقيرة أم متوسطة لأنها في اعتدمادها الأساسي تقوم عى المال في كل تفاصيل حياتها , وصارت المقايضة هي العملة المتداولة مما حدى بسيتا للسرقة بالرغم من استنكار نفسه لهذا الشيء .
من خلال المحورين السابقين تتضح لنا صورتين ارتكز عليها الفيلم , ارتكز على التأمل العاطفي والاجتماعي لمجمتع الحرب وكيف تتم تمزيق الآمال والطموحات التي يريدها الشخص وكيف ينعدم الأمل على مستوى الشعب ككل , أما في نقطتنا الثانية فتبرز عبقرية مخرجنا في تركيز الصورة المأثرة على مكامن الدمار الرأيسية في المجتمع الناشئة عن الحرب , وهو في اعتقادي ما ميز الفيلم عن بقية الأفلام التي تناولت الحرب من نظرة واقعية , فتقديمه للحرب عن طريق الرسوم الجادة جعل له ميزة ذات طابع خاص نتيجة لما حمل المخرج رسومه من صور ربما تنعدم أن توجد في الافلام ذات الطابع الواقعي التصويري , فتقديمه لإرهاصات الحرب من خلال الأنمي جعل لها ميزة الصدق المطلق في الأداء لجميع الأدوار التي مرت بها جميع مراحل الفيلم .
ما قام به الفيلم من أسلوب سرد القصة في الحقيقة لم أره في أي فيلم آخر قبله فبدايته كثيرا ما تذكرني بتحفة American Beauty , والذي اعتقد كثيرا أنها مقتبسة منه , يبدو فيه الفيلم وكأنه استجلاب من عالم الأموات ليروي لنا قصته وتكون روحه مرشدا لنا في مسيرة الفيلم , وهذا الجانب دعمته قوة الصورة كثيرا , فمشهد البداية الذي يخبرنا في سيتا بأنه قد مات مثل يسأل في أي يوم نحن ثم تأنينا روحه لتكون مرشدا لنا في رحلتنا نحو اسكشاف الحرب وعالمها لتكون شاهدا على صدق الصورة وتشاركنا في ذكريتنا وواقعنا وأفراحنا و أحزاننا , ولتكون كذلك معيار صدق للقصة وميزان جماليتها , ففي الحقيقة هذا الأسلوب المتبع في سرد القصة هو ما سحرني أشد السحر في الفيلم , لأنه في الحقيقة أنسب أسلوب للقصة ولواقعية المخرج .
ثم إنني في الحقيقة أقدم التسائل الذي حفرته صورة الفيلم في نفسي , الطفل طاهر والطقولة مقدسة فلماذا تنتهك ؟ سؤال أتوق حقا للإجابة عليه .






اضافة رد مع اقتباس






المفضلات